مكافحة الإرهاب

ما مدى تأثير القرار الأمريكي برفع الجماعة الإسلامية من قائمة الإرهاب؟

أصدرت الإدارة الأمريكية قرارًا بشطب اسم خمسة تنظيمات إرهابية حول العالم من بينها تنظيم “الجماعة الإسلامية” في مصر من لائحتها للإرهاب، وذلك في إطار مراجعتها الدورية للتنظيمات المدرجة على اللائحة التي تتم كل خمس سنوات. ويعد هذا القرار غير مبرر في إطار الجهود العالمية لمكافحة الإرهاب وخاصة بمنطقة الشرق الأوسط، بالإضافة إلى تاريخ الجماعة الإسلامية الدموي الذي سطرته جرائمها التي لا تسقط بالتقادم. 

دوافع القرار الأمريكي

أعلنت الخارجية الأمريكية يوم الجمعة الماضي الموافق 20 مايو شطب 5 منظمات إرهابية من قائمة الإرهاب كمنظمات إرهابية أجنبية وهي، “الجماعة الإسلامية” في مصر، و”إيتا الباسكية” في إسبانيا، و”أوم شينريكيو” في اليابان، و”مجلس شورى المجاهدين في محيط القدس” في فلسطين، وحركة كهانا حيّ في إسرائيل. بالإضافة إلى شطب 6 أفراد من قوائم الإرهابيين العالميين المصنفين تصنيفًا خاصًا، وذلك بسبب وفاتهم. وهم: أبو الوردة، ومهاد معلم، وفرح محمد شردون، وموسى أبو داود، وعلي أصحاب كيبيكوف، وإبراهيم الربيش.

وحول دوافع القرار الأمريكي، أشار بيان الخارجية الأمريكية إلى أن أعمال المراجعة تتم بشكل دوري كل خمس سنوات وفقًا لما ينص عليه قانون الهجرة والجنسية؛ وذلك لتحديد ما إذا كانت الظروف التي كانت سبب التصنيف قد تغيرت بشكل يستدعي الإلغاء. وعزا البيان صدور قرار الشطب إلى الأسباب التالية:

  • بينت أعمال المراجعة الأخيرة للتنظيمات الخمس أنها لم تعد منخرطة في الإرهاب أو النشاط الإرهابي.
  • التنظيمات التي تم شطبها ليس لديها القدرة أو النية على القيام بالأنشطة الإرهابية.

وأشار البيان الأمريكي إلى أن هذه الإجراءات تظهر عزم الولايات المتحدة مراجعة وإلغاء تصنيفات المنظمات الإرهابية الأجنبية عندما تفرض الحقائق مثل هذا الإجراء، وأنه لا يعني التغاضي عن الأعمال الإرهابية التي انخرطت فيها كل منظمة من المنظمات الخمس أو تبريره أو الأذى التي تسببت فيه المنظمات للضحايا، وأكد البيان أن القرار يعد اعترافًا بالنجاح الذي حققته كل من مصر وإسرائيل واليابان وإسبانيا في نزع فتيل خطر الإرهاب من خلال هذه المجموعات.

ومن المرجح أن يكون هناك ارتباط بين قرار رفع الجماعة الإسلامية من لائحة الإرهاب وخطط الإدارة الأمريكية لرفع الحرس الثوري الإيراني من القائمة حال التوصل إلى اتفاق في مناقشات الملف النووي الإيراني؛ فقد ألمح وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن في 27 أبريل 2022 أمام الكونجرس إلى إمكانية رفعه وقال “بالتأكيد إذا لم تلتزم إيران بما وعدت به، فإن رفع الحرس الثوري من قائمة المنظمات الإرهابية، أو أي نوع من الرفع يمكن إعادة فرضه”، وهو ما أثار ردود فعل سلبية من أعضاء الكونجرس إزاء تلك الخطوة المحتملة. 

الجماعة الإسلامية وتاريخ من الدماء

يبدو أن الإدارة الأمريكية قد أغفلت التاريخ الدموي الكبير للجماعة الإسلامية الذي استمر على مدار عدة سنوات، وأن المراجعات الفكرية التي زعم أغلب عناصر وقيادات الجماعة تأييدها ونبذ العنف من خلالها ذهبت أدراج الرياح، ذلك فضلًا عن أن الجماعة الإسلامية تعد التنظيم الوحيد ضمن التنظيمات التي تم رفعها من قامت باغتيال رئيس دولة أو نفذت محاولة السيطرة على محافظة كاملة، وغيرها من الهجمات الدموية التي لا يتسع المجال لذكرها جميعًا ولكن نذكر أبرزها وهي:

1- اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات: 

في احتفالات السادس من أكتوبر عام 1981، نفذت مجموعة تابعة للجماعة عملية اغتيال الرئيس الراحل محمد أنور السادات، وكانت المجموعة بقيادة خالد الإسلامبولي وبصحبة زملائه الإرهابيين عبد الحميد عبد السلام، وحسين عباس محمد، وعطا طايل حميدة رحيل، وحكم عليهم بالإعدام رميًا بالرصاص.

2- مهاجمة مديرية أمن أسيوط: 

في 8 أكتوبر 1981 أي بعد يومين من واقعة اغتيال السادات، نفذت عناصر الجماعة في محافظة أسيوط هجومًا كبيرًا استهدف مديرية الأمن وعددًا من أقسام ومراكز الشرطة  والتمركزات الأمنية في المحافظة، وارتكبت الجماعة مذبحة بحق رجال الشرطة في مديرية أمن أسيوط أسفرت عن استشهاد أكثر من 115 ما بين ضباط ومجندين، وعشرات المصابين بينهم مدنيون، وتم القبض على عدد من المتورطين وعلى رأسهم ناجح إبراهيم، وكرم زهدي، وعصام دربالة، وعاصم عبد الماجد، وغيرهم، وتم محاكمتهم في القضية المعروفة إعلاميًا بقضية تنظيم الجهاد، وحُكم عليهم بالسجن والأشغال الشاقة المؤبدة لمدة 25 عامًا. 

3- اغتيال رئيس مجلس الشعب: 

في 12 أكتوبر 1990، اغتالت مجموعة مسلحة تابعة للجماعة الإسلامية مكونة من 4 أفراد يستقلون الدراجات النارية الدكتور رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب آنذاك، وتم استهداف سيارته بكورنيش النيل أمام فندق سميراميس، وحاصر المسلحون سيارة المحجوب وأمطروها بوابل من رصاص الأسلحة الرشاشة استقرت 80 منها بجسد المحجوب وحده، وأسفر الحادث عن استشهاد المحجوب وحارسه الشخصي وسائق السيارة وموظف بمجلس الشعب.

4- هجوم الأقصر: 

في 17 نوفمبر 1997، تنكر 6 مسلحون تابعون للجماعة الإسلامية في زي رجال أمن، ونفذوا هجومًا بالأسلحة النارية والبيضاء ضد مجموعة من السائحين بمعبد حتشبسوت بالدير البحري في الأقصر. وأسفر الهجوم عن سقوط 62 سائحًا معظمهم يحملون الجنسية السويسرية. وبعد الحادث، أعلن رفاعي طه القيادي بالجماعة الإسلامية مسؤوليتها عن الحادث في بيان نشرته أغلب وسائل الإعلام العالمية، ولكن أصدر المتحدث الإعلامي للجماعة حينها أسامة رشدي بيانًا مضادًا مؤكدًا عدم مسؤولية الجماعة عن الحادث وأدانه، ونفى علم رفاعي طه بأية أمور تنظيمية. 

5- اغتيال المفكر فرج فودة ومحاولة اغتيال الأديب نجيب محفوظ: 

لم يقتصر شروع الجماعة في إراقة الدماء على رجال الشرطة والسياسة في مصر، وإنما امتد إلى رجال الفكر؛ كونه أحد أهم أركان مواجهة الأفكار المتطرفة. ففي 9 يونيو 1992، اغتال 3 عناصر تابعة للجماعة المفكر فرج فودة أثناء خروجه من منزله بمنطقة مصر الجديدة بدعوى إلحاده وارتداده عن الدين استنادًا إلى فتوى الشيخ عمر عبد الرحمن مفتي الجماعة بقتل المرتد.

وجدير بالذكر أن عملية الاغتيال جاءت بعد نحو أسبوع من مناظرته الشهيرة أمام الشيخ محمد الغزالي، والتي تم تنظيمها بمعرفة الهيئة العامة للكتاب في “ستاد القاهرة الدولي” تحت عنوان “مصر بين الدولة الدينية والدولة المدنية” وتناظر فيها كل من الدكتور فرج فودة والدكتور محمد أحمد خلف الله العضو بحزب التجمع، أمام الشيخ محمد الغزالي ومحمد مأمون الهضيبي المتحدث باسم جماعة الإخوان والدكتور محمد عمارة وحضرها قرابة 30 ألف شخص أغلبهم ينتمي إلى التيارات الإسلامية.

وفي 14 أكتوبر 1995، قام عنصران تابعان للجماعة بمحاولة قتل الأديب الراحل نجيب محفوظ من خلال طعنه بسكين حاد في عنقه بسبب روايته “أولاد حارتنا”، وأقر المتهمان في التحقيقات بأنهما نفذا المحاولة بناءً على أوامر الجماعة بإهدار دمه بناء على الفتوى الصادرة من الشيخ عمر عبد الرحمن مفتي الجماعة. وجدير بالذكر أن المتهم الرئيس في العملية أبو العلا عبد ربه أفرج عنه الرئيس المعزول محمد مرسي بعد توليه الحكم، وذهب إلى سوريا بعد ثورة 30 يونيو، وانضم إلى تنظيم داعش الإرهابي، وقُتل في 22 مارس 2017. 

ولم يغفل قرار الشطب الجرائم التي ارتكبتها الجماعة داخل مصر فقط، وإنما أغفل الجرائم التي ارتكبتها الجماعة في الولايات المتحدة نفسها والتي لم تسلم من الدماء التي تريقها الجماعة الإسلامية أينما حلت؛ فبعد أن استقبلت ولاية نيوجيرسي عام 1990 الشيخ عمر عبد الرحمن مفتي الجماعة والأب الروحي، تم منحه الإقامة الدائمة عام 1991، وألقت السلطات الأمنية الأمريكية القبض عليه عام 1993 على خلفية تورطه في تفجير استهدف مركز التجارة العالمي أسفر عن مقتل ستة أمريكيين وإصابة نحو 1042 آخرين.

ما مدى تأثير القرار الأمريكي؟

سيكون للقرار الصادر بشطب الجماعة الإسلامية من لائحة الإرهاب الأمريكية عدد من التأثيرات يمكن حصرها في النقاط التالية: 

1- على المستوى الدولي: يؤدي القرار إلى تمتع قيادات وعناصر الجماعة الإسلامية بحرية الحركة بمختلف دول العالم دون التخوف من الملاحقات الأمنية. وعلى الرغم من أن قيادات الحركة كانت بالفعل تتحرك بحرية في دول أوروبا والشرق الأوسط رغم قرار تصنيفها كجماعة إرهابية، إلا أن قرار الشطب سيمنحها حرية أكبر للحركة وخاصة الدخول للولايات المتحدة. وسيسمح القرار للجماعة بإنشاء حسابات بنكية باسمها، والدخول في أنشطة اقتصادية دون التخوف من المصادرة، رغم أنه من المتعارف عليه أن الجماعات الإرهابية مثال الجماعة الإسلامية تلجأ إلى وضع أموالها بأسماء أشخاص تابعين للجماعة لحمياتها من التحفظ أو مصادرتها. 

2- على مستوى مصر: من غير المرجح أن يكون للقرار أي تأثير على مصر وتصنيفها للجماعة الإسلامية كجماعة إرهابية والتحركات التي تقوم بها في إطار معركتها مع الإرهاب، سواء على الجانب الأمني المتمثل في مواجهة العناصر المتطرفة أينما وجدت، أو على الجانب التشريعي من خلال محاكمة المنضوين تحت راية التنظيمات الإرهابية والتحفظ على ممتلكاتها ومصادرة أموالها وإدراج المنضمين إليها على قوائم الإرهاب المصرية. 

3- على مستوى الجماعة الإسلامية: سيحدث القرار أثرًا إيجابيًا على الجماعة الإسلامية على المستوى الدولي فقط، من خلال توقف الملاحقات الأمنية تجاه قيادات الجماعة وحرية الحركة السابق الإشارة إليها، ولكن على مستوى تعامل الجماعة مع مصر وترحيب قياداتها بدعوة الحوار الوطني التي أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال حفل إفطار الأسرة المصرية، فإنه من المستبعد حدوث تأثير به؛ إذ إن الجماعة تدرك جيدًا أن الدولة المصرية لن تتراجع عن تصنيفها كجماعة إرهابية، وأن الحوار الوطني لن يشارك به من اتخذوا الإرهاب نهجًا للمعارضة، بالإضافة إلى أن المجتمع المصري أصبح لا يقبل بأي حال من الأحوال عودة التيارات التي تورطت في إراقة دماء المصريين إلى المشهد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى