دول المغرب العربي

“بوعزيزي النهضة”.. إخوان تونس أمام اختبار حاسم

أضافت واقعة انتحار “سامي السيفي” أحد أعضاء حركة النهضة الإخوانية التونسية في المقر الرئيسي للحركة بمنطقة مونبليزير طوقًا جديدًا يزيد حالة الخناق المتزايدة يومًا بعد يوم على الإخوان المسلمين التونسيين، وذلك في ظل ما تعانيه الحركة من حالة تفكك داخلي وغضب منتشر بين كوادرها بسبب ما وصلت إليه أحوال التنظيم الإخواني وفشل “راشد الغنوشي” في السيطرة على مقاليد الأمور من جهة، ورفض الشارع التونسي للحركة ودعمه لمسار الرئيس “قيس سعيد” من جهة أخرى. فالجماعة التي وصلت إلى حكم تونس على ظهر الاحتجاجات الشعبية إثر إحراق الشاب “محمد بوعزيزي” نفسه في 2011 ستطالها نيران “سامي السيفي” اليوم، وسيكون لتلك الواقعة تداعيات على استقرار الجماعة داخليًا وتعامل كوادر الحركة مع الغنوشي ورفاقه.

“سامي السيفي”.. بوعزيزي النهضة 

قبل أيام قام سامي السيفي بإضرام النار في نفسه، مما أسفر عن وفاته وإصابة 18 آخرين من بينهم علي العريض نائب رئيس الحركة ورئيس الحكومة السابق بكسور متفرقة بعد قفزه من إحدى النوافذ، وأصيب القيادي عبد الكريم الهاروني بحروق متعددة، وذلك حسبما أفادت التصريحات الإعلامية الصادرة عن الحركة. وأوضحت وزارة الداخلية التونسية أن الحريق أسفر عن خسائر جسيمة في الطابقين الأرضي والأول وتم إخلاؤه من كل المتواجدين. 

ولد سامي السيفي عام 1970، والتحق بحركة النهضة أثناء دراسته بالمعهد الفني وكانت تسمى حينها بـ “الاتجاه الإسلامي” وكانت الحركة في ذلك التوقيت تركز بشكل كبير على تجنيد الطلبة والتلاميذ لحشد صفوفها وزيادة عدد كوادرها، وسجن السيفي في بداية تسعينيات القرن الماضي على خلفية اتهامه في تفجير إرهابي، وأصدر القضاء حينها حكمًا ببراءته، وسُجن مرة أخرى لتورطه في حرق المعهد الفني وصدر ضده حكم بالسجن لمدة 15 عامًا.

وبعد عام 2011، عمل السيفي في شركة للأدوية وكان وضعه المادي جيدًا إلى حد كبير ولكن تم فصله بشكل تعسفي، ولجأ إلى قيادات حركة النهضة التي احتلت موقع القيادة التونسية في ذلك التوقيت لمساعدته على العودة للشركة أو توفير وظيفة أخرى بدخل مادي جيد نظرًا لما قدمه من جهود في خدمة الحركة وسجنه سنوات عدة بسبب ذلك، ولكن لم يجد صدى لطلبه المتكرر ولم ينجح في العثور على عمل آخر، وحصل على منحة مالية من مكتب “شؤون المناضلين” للحركة ثم تم إلغاؤها، مما أدى إلى تفاقم حالته المادية والنفسية والاجتماعية. 

مع تعاقب الأيام قررت قيادات حركة النهضة توظيف السيفي بوظيفة “حارس أمن” لمقرها الرئيسي في منطقة مونبليزير في العاصمة تونس، وطلب منه في بعض الأحيان أداء بعض المهام مثل تنظيف السيارات، وهو ما كان مفاجئًا له لأنه كان يرى نفسه من الأشخاص الذين ناضلوا كثيرًا من أجل الحركة وأهدافها، وولّد لديه شعورًا بالظلم والغضب؛ كونه يرى رفقاء الأمس يستقلون السيارات الفارهة ويتقلدون مناصب سامية بينما يقوم هو بحراسة بوابات المقر.

ويشير أحد أصدقاء السيفي إلى أنه دخل في إضراب عن الطعام في مقر الحركة منذ سنة تقريبًا للمطالبة بحقوقه في التعويضات والعيش الكريم، إلا إنه تم طرده من قبل الأمن وبصورة مهينة، وخلال الأيام الماضية طلب لقاء “الغنوشي” أكثر من مرة وكان طلبه يقابل بالرفض في كل مرة، ولكن في المرة الأخيرة حصل على موعد ثم تم تأجيله، وهو ما لم يتحمله السيفي وقام بالانتحار حرقًا. 

أدت حالة الغموض التي تحيط بواقعة انتحار السيفي وتاريخه في الحركة إلى رسم فرضية مفادها أن تاريخ السيفي منحه وزنًا ما أو دورًا معينًا داخل النهضة مما فرض وجود تقاطعات بينه وبين الغنوشي أو قيادات الصف الأول الحاليين، وربما امتلاكه أدلة على تورطهم في أحداث إرهابية وقام بتهديدهم بنشرها حال تجاهل مطالبه في ظل ظروفه المادية السيئة، وهو ما دفع الغنوشي إلى التظاهر بالموافقة على لقائه ثم تم التخلص منه وإظهار الأمر على إنه انتحار، خاصة وأن شقيقة السيفي أكدت في تصريحات إعلامية أنه ذهب للقاء الغنوشي بأمر منه، وأنه لم ينتحر وإنما تم استدراجه بخطة محكمة. 

“الغنوشي” وسياسة الهروب للأمام

منذ اللحظة الأولى لوفاة “السيفي” سعت حركة النهضة بقيادة “راشد الغنوشي” إلى اتباع سياسة الهروب للأمام واستغلال الواقعة سياسيًا في ضرب الرئيس “قيس سعيد” بدلًا من مصارحة النفس وقول الحقيقة والاعتذار لأسرته، وأصدر “الغنوشي” بيانًا رسميًا تضمن 12 نقطة اختص “السيفي” فيها بنقطة واحدة، قال فيها إن انتحار السيفي “نتيجة لجريمة دولة الاستبداد التي انتهكت حقوق بعض مواطنيها قبل الثورة وأقرت لهم حقوقًا ضمن مسار العدالة الانتقالية لم تلتزم بتطبيقها. علاوة على ما يلقاه مناضلو النهضة من تبخيس لنضالاتهم، ووصم بتلقي تعويضات وهمية، وما تتعرض له حركتهم من تشويه وشيطنة واستهداف لا يتوقف”.

وشدد على رفضه محاولات النزوع إلى إلغاء دستور 2014، والاتجاه إلى هندسة أحادية للنظام السياسي والقانوني لتونس، محذرًا من مغبة المساس بالبناء الدستوري للسلطة بواسطة المراسيم وإدخال الحكم في أزمة شرعية مفتوحة بالغة العواقب السيئة على الاستقرار السياسي ومستقبل البلاد، وحذر من مغبّة استغلال الوضع الاستثنائي وتسخير مؤسسات الدولة لفرض أجندات شخصية وحزبية، وما ينجرّ عن هذا التوجّه الخطير من الارتداد بالبلاد إلى مرحلة استبدادية تُنتهك فيها الحقوق والحريات وتعود فيها ممارسات القمع ومصادرة حرية التعبير والإعلام وتقوّض فيها كل مكاسب الديمقراطية من حرية التنظيم و نشاط الأحزاب والمنظمات وجمعيات المجتمع المدني وحرية التظاهر.

واستمرارًا لاستغلال الواقعة سياسيًا، عبر “الغنوشي” عن انشغاله الكبير بالوضع الاقتصادي والاجتماعي الخطير، في ظلّ تأخر الإفصاح عن قانون المالية لسنة 2022 وموارد تغطية الميزانية واتجاهات سياسة الدولة ذات الصلة، وما تعيشه البلاد من حصار مالي خارجي، وغلاء للأسعار غير مسبوق، وعجز عن دفع حمولات من الحبوب المستوردة، وأزمة بالمؤسسات الاقتصادية، وتأخر في دفع الأجور، ومحاولة التغطية على العجز عن إيجاد حلول للوضع المالي الخطير، وغياب رؤية واضحة لمعالجة الوضع الاقتصادي والاجتماعي الصعب بإثارة مسائل سياسية ومعارك ليست من أولويات عموم المواطنين.

ويشير ما أفاد به بيان “الغنوشي” إلى أن إخوان تونس يعيشون حالة من الضغط الكبير سواء على المستوى الشعبي أو الداخلي على مستوى الحركة، ووصلت إلى استغلال زعيم الحركة للواقعة، رغم أن القاصي والداني يعلم أنه انتحاره لم يكن احتجاجًا على سياسات الدولة التونسية أو جاءت بسبب الحملات الإعلامية التي أشار إليها البيان، وإنما جاءت بسبب سياسات الحركة التي ثبت فشلها يومًا بعد يوم ووصلت إلى الحد الذي عجزت فيه عن حل مشكلة أحد أعضائها القدامى. وجدير بالذكر أن استغلال واقعة السيفي ليست الأولى في سياسة الهروب للأمام التي يتبعها الغنوشي، ففي 26 نوفمبر الماضي حمل “الغنوشي” “قيس سعيد” مسؤولية وفاة زوجة النائب عن حركة النهضة “عماد الخميري” بسبب إلغائه التأمين الصحي والمستحقات الاجتماعية للنواب.

تداعيات وتحديات

من المرجح أن يكون لواقعة “السيفي” تداعيات سلبية على استقرار حركة النهضة داخليًا مما يهدد بقاء “الغنوشي” في قيادتها في ظل حالة الغضب المتزايدة تجاهه، مما يشكل ضغطًا جديدًا عليه. ولكن ستسعى الجماعة حاليًا إلى منع خصومها من استغلال الواقعة ضدها للحفاظ على استمرارها قدر الإمكان في المشهد السياسي التونسي. 

ويواجه “الغنوشي” حالة غضب متزايدة بين صفوف الجماعة؛ بسبب مركزية القرار وعدم تمرير شارة قيادة الحركة إلى الآخرين، واستحواذه على أموال الحركة. وهو ما حاول الهروب منه من خلال دعوته في بيانه مجلس شورى الحركة ولجان إعداد المؤتمر الـ 11 إلى مضاعفة الجهود للتسريع بعقد المؤتمر بعد تأجيل انعقاده أكثر من مرة، وكان آخرها في 16 نوفمبر 2020 بسبب جائحة كورونا، وهو ما يمنح “الغنوشي” فترات إضافية في قيادة الحركة حتى انعقاد المؤتمر، وجدير بالذكر أن 113 قياديًا في حركة النهضة أعلنوا في 25 سبتمبر 2021 تقديم استقالتهم من الحزب، ومن بينهم عدد من قيادات الصف الأول للحركة، وأعضاء بمجلس نواب الشعب الذي جُمّدت اختصاصاته بموجب قرارات 25 يوليو، وكذلك أعضاء من المكتب التنفيذي ومجلس شورى حركة النهضة. 

وقد عزا الأعضاء المستقيلون من الحركة الأسباب التي تقف وراء تقديمهم استقالاتهم إلى “إخفاقهم في معركة الإصلاح الداخلي للحزب، وإقرارهم بتحمل القيادة الحالية المسؤولية الكاملة فيما وصلت إليه الحركة من العزلة، وتحملها قدرا مهمًا من المسؤولية فيما انتهى إليه الوضع العام بالبلاد من ترد”. وهي الدوافع ذاتها التي كانت وراء استقالات سابقة، مثل استقالة كل من نائب رئيس الحركة عبد الحميد الجلاصي في مارس 2020، ونائب رئيس الحركة وأحد قادتها المؤسسين ومرشحها لانتخابات الرئاسة عبد الفتاح مورو في مايو 2020، وقبلهما استقالة الأمين العام للحركة زياد الغذاري في نوفمبر2019 وزبير الشهودي رئيس مكتب رئيس الحركة في سبتمبر 2019. 

ويحمل الكثير من الأعضاء التاريخيين للحركة وأجيالهم اللاحقة وقيادات صفها الأول حالة من الضغينة والغضب ضد “الغنوشي” بسبب تخليه عنهم في ثمانينات القرن المنصرم، من خلال تسليمه لائحة بأسماء عناصر حركة “الاتجاه الإسلامي” في صفقة مع نظام الرئيس التونسي زين العابدين بن علي مقابل خروجه من تونس ثم إلى الجزائر ومنها إلى بريطانيا، وزادت حالة التخبط والسياسات الخاطئة التي اتبعها “الغنوشي” والمصير الذي وصلت إليه حركة النهضة منذ يوليو الماضي في زيادة تلك الحالة.  

ختامًا، يفرض مجمل هذه الأحداث والوقائع وآخرها واقعة انتحار سامي السيفي تحديات كبيرة أمام حركة النهضة وقياداتها، وقد يزيد من حالة التصدع والانقسامات التي تجري بين صفوفها، في ضوء تهاوي شعبيتها بين التونسيين منذ قرارات 25 يوليو، وسعي الرئيس التونسي إلى اتخاذ خطوات ملموسة تصب في اتجاه تغيير بنية النظام السياسي التونسي، وهو ما يعني أن حضور حركة النهضة في أي استحقاق انتخابي مستقبلي سيتأثر بشدة على وقع هذه المتغيرات الجوهرية التي تحدث منذ 25 يوليو. أما على المستوى الداخلي للحركة، قد تشهد الفترة القادمة المزيد من حركة الاستقالات من أعضاء وقيادات الجماعة، وقد يلجأ الأعضاء المستقيلون من الحركة الذين يمثلون التيار المعتدل في الحركة ويضم قيادات بارزة مثل “عبد اللطيف المكي” إلى تأسيس كيان سياسي جديد يحاول إعادة الاندماج بين الأوساط الشعبية وإعادة بناء الثقة مع عموم التونسيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى