كورونا

فشل طهران في مواجهة جائحة كورونا

جاء تفشي فيروس كورونا المستجد في إيران كالنار في الهشيم ليزيد من الأزمات التي يواجهها النظام الإيراني والذي يمر بمرحلة هي الأصعب منذ سنوات، إذ أخذ منحنى الأزمات في الارتفاع وتحديدًا منذ نوفمبر الماضي عقب الاحتجاجات الشعبية في مختلف المحافظات الإيرانية احتجاجًا على قرار رفع أسعار المحروقات، وتحدث عدة تقارير عن سقوط 1500 قتيل وآلاف المعتقلين الآخرين وقتها، مرورًا بمقتل قاسم سليماني قائد فيلق القدس في غارة أمريكية بالعراق، وإسقاط قوات الحرس الثوري لطائرة ركاب مدنية أوكرانية ظنًا منهم أنها صاروخ أمريكي، ومن الملاحظ أن القاسم المشترك بين تلك الأزمات هو أن الدولة تبتعد أكثر عن مواطنيها، نتيجة السياسات الحكومية.

كورونا والانتخابات البرلمانية

اهتم النظام الإيراني وتحديدًا المرشد الأعلى “علي خامنئي” بإبراز التصويت على الانتخابات وحشد الناخبين لأن الأمر يتعلق بصورة الشرعية الإيرانية أمام العالم، وتعامل مع الإقبال على التصويت كمسألة حياة أو موت خاصة لما صاحب تلك الانتخابات من وقائع شككت في شرعيتها، وبالرغم من ذلك فقد شهدت تلك الانتخابات نسب إقبال هي الأدنى في تاريخ الجمهورية الإيرانية بنسبة بلغت 42.6%. 

وفي خضم تلك الأجواء، أعلنت السلطات الصحية عن أول حالة “وفاة” بفيروس كورونا في 19 فبراير، وأثارت تلك الواقعة شكوك العديد من المواطنين الإيرانيين لأن الإعلان كان عن حالة وفاة بدلًا من أن يكون الإعلان عن حالة إصابة.

ومع الأخذ بعين الاعتبار أن فترة حضانة الفيروس تستمر قرابة 14 يومًا، وهو ما يكشف حجم الكارثة في ظل الانتشار السريع للفيروس، وأن كل دقيقة تكلف المزيد من حياة الناس، وبالنظر لنسب الإقبال والأجواء العامة للانتخابات يتضح أن الدولة تعمدت إخفاء ظهور حالات الإصابة بـ “كورونا” بسبب مخاوفها من التأثير على الانتخابات، وهو ما حدث بالفعل. 

ويعد النهج السياسي الذي تبناه المسؤولون السياسيون دليلًا على أنه تم تسييس قضية جوهرية مثل الصحة، ففي البيان الأول لخامنئي قال فيه ” “بدأ الأعداء حربًا دعائية لمهاجمة البلاد باستخدام كورونا”، وأدلى الرئيس حسن روحاني بتعليق مماثل، واتهم “عدو إيران اللدود (في إشارة للولايات المتحدة) بمحاولة استخدام الفيروس لغرس الخوف في الناس”، وقال إنه “يجب ألا يتحول فيروس كورونا إلى سلاح في يد أعدائنا لإيقاف العمل والإنتاج في بلدنا”، كما يمكن أن نرى مسؤولي الصحة من ضمن فسروا انتشار كورونا بطريقة سياسية، فقد صرح نائب وزير الصحة الإيراني “اراج هريرشي” بأن بلاده “تواجه حربًا دعائية”.

وثائق تكشف مسؤولية النظام الإيراني عن تفشى المرض

كشفت المعارضة الإيرانية في الخارج “منظمة مجاهدي خلق” مؤخرًا عن مجموعة من الوثائق التي حصلت عليها من منظمة حالات الطوارئ التابعة للنظام، تؤكد أن النظام الإيراني مسؤول عن تفشي جائحة كورونا في البلاد وكانت مصدر رئيسي للانتشار، فقد تكتم عن أول أربع حالات أصيبت بالفيروس في يناير الماضي وتحديدًا في 24 و28 و30 يناير دون إبلاغ منظمة الصحة العالمية بشأنها. 

وأشارت الوثائق إلى أن الحالة الأولى لفيروس “كورونا” كانت لمريض غير إيراني، والحالة الثانية كانت لمواطنة إيرانية وكلاهما يعملان في السياحة وكانا مرافقين لوفد صيني زار منطقة “استار وتاليش” الحدوديتين مع أذربيجان في منتصف يناير الماضي، أما الحالتين التاليتين تم الإبلاغ بشأنهما في 28 يناير كانتا لموظفين إيرانيين يعملان في السفارة الصينية بطهران، وكشفت الوثائق كافة تفاصيل الحالات الأربع وأسمائهم وجنسياتهم وأسماء الأطباء المعالجين والمستشفيات التي كانوا يعالجون بها، وحتى أرقام سيارات الإسعاف التي نقلت المصابين.

وقالت منظمة “مجاهدي خلق” أن النظام قد تكتم على تلك الحالات في بدايتها، لأسباب سياسية متمثلة في الانتخابات النيابية التي شهدتها إيران، وخوف النظام من مقاطعة الشعب للمشاركة فيها، في حال تفشي الجائحة، مما يؤدي إلى فشل الانتخابات، ورغم الفشل لتلك الانتخابات بالأساس ارتأى النظام الإيراني لعدم الكشف عن فيروس كورونا. 

مركز بحوث البرلمان الإيراني يكشف حجم الأزمة

ذكر مركز بحوث البرلمان الإيراني في تقرير له أن عدد ضحايا فيروس كورونا المستجد في إيران تتضاعف لنحو بين 8 – 10 مرات بحسب إحصائيات وزارة الصحة الإيرانية، وتوقع التقرير وصول أعداد المصابين بكورونا في إيران ما بين 600 – 750 ألف حالة، وارتفاع الوفيات لتصل إلى 8 الاف و609 حالة، وذلك بحسب ما أعلنته إذاعة فردا الناطقة بالفارسية والتي تبث من دولة التشيك.

واستند المركز في تقريره إلى نموذج صادر عن “مجموعة عمل علم الأوبئة” التابعة لوزارة الصحة الإيرانية الذي يتوقع إصابة نحو 60 مليون شخص في إيران حال عدم وجود تدخل حكومي، وأشار التقرير إلى أنه في حال اتخاذ تدابير حكومية صارمة، فمن المتوقع أن يبقى فيروس كورونا في إيران لمدة تصل إلى 400 يوم ويبلغ ذروته بحلول مارس 2021.

وفي السياق نفسه، أبدى متحدث جامعة “أصفهان” للعلوم الطبية “آرش نجيمي”، قلقه من “موجة ارتفاعٍ جديدة للإصابة بفيروس كورونا، في حال عدم اكتراث المواطنين بمراعاة التباعد الاجتماعي والملاحظات الصحية، وسط مطالبات بحقوقية بالإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين وسجناء الرأي ونشطاء البيئة، نظرًا لتوقع حدوث موجة ثانية من تفشي فيروس كورونا في البلاد.

خسائر اقتصادية فادحة

طالت خسائر اقتصادية كافة الدول التي ظهر بها إصابات بفيروس كورونا بنسب متفاوتة نظرًا لما تتطلبه إجراءات مواجهته من اغلاق جزئي أو كلي، وتعليق خطوط الطيران وحركة التجارة والمواصلات، بجانب اغلاق الحدود، وبالنظر إلى قائمة الـ 10 دول الأعلى في عدد إصابات فيروس كورونا والتي من ضمنها إيران، نجد أن إيران الدولة الوحيدة صاحبة الضرر الأكبر على المستوى الاقتصادي، بسبب حالة الشلل التام التي أصابت مفاصل الاقتصاد الإيراني بجانب الآثار المترتبة على العقوبات الأمريكية المفروضة على طهران منذ عام 2018.

فحجم الإمكانات الاقتصادية والاحتياطيات التي تتمتع بها تلك الدول تستطيع بها، حتّى مع تعطيل اقتصادها لبضعة أشهر، من دعم القطاع الذي يعاني بشدة، لكن ليس لدى إيران هذه الإمكانية، لأنه لا يمكن للوضع الاقتصادي للبلاد وفي ظل العقوبات أن يدير البلاد في غضون أشهر قليلة، وبالتالي ليس لدى الحكومة حلول كثيرة، ففي حال استمرت الأمور على وضعها الحالي، فسوف تواجه طهران في فترة ما بعد كورونا اقتصادًا مفلسًا تمامًا، ولن تعود الحكومة قادرة على إدارة البلاد بأي شكل، وفي هذه الحالة، سيكون هناك عدد ضخم من الفقراء، وستزيد نسب البطالة والاحتجاجات.

وتوقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد الإيراني، بنسبة 6%، في عام 2020 في ثالث انكماش له على التوالي، ففي 2018 و2019، انكمش بنسبة 3.6%، و7.6%، على التوالي، وحذر مركز أبحاث البرلمان الإيراني في تقرير صادر له في 4 إبريل الجاري، من ارتفاع معدلات البطالة والتضخم، وحدوث أزمة في سلسلة توريد المواد التي يحتاجها الناس، والمزيد من الانخفاض في موارد العملة الصعبة، فضلًا عن العبء المالي المفروض على صناديق التقاعد.

وأشار المركز إلى المؤشرات الاقتصادية غير المواتية في إيران، بما في ذلك النمو الاقتصادي السلبي، وعجز الموازنة والتضخم بنسبة 25% وانخفاض الناتج المحلي، وبجانب التكاليف التي يفرضها فيروس كورونا، يمكن أن تضع الاقتصاد في مواجهة مع ارتفاع التضخم وانخفاض النمو الاقتصادي العام.

ونوه تقرير المركز إلى أن موارد إيران من الصادرات قد النفطية قد تواجه مشكلة في ظل إحساس الدول المجاورة لإيران بالخطر وتحديدًا العراق وأفغانستان وتركيا، وتقييد الصادرات الإيرانية إلى تلك البلاد، وتظهر أرقام إدارة الجمارك الإيرانية عن الفترة الممتدة من 21 مارس 2019 إلى 19 مارس 2020، أن الوجهات الأساسية لصادرات إيران غير النفطية، كانت موزعة كالتالي: الصين بالمرتبة الأولى بقيمة 22.9 مليار دولار، العراق بـ 22 مليار دولار، الإمارات بـ 10.5 مليار دولار، وأفغانستان بـ 5.6 مليار دولار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى