مكافحة الإرهاب

بين “عادل إمام” و”كرارة”.. الفن في مواجهة الإرهاب

شهدت مصر العديد من التفاعلات السياسية والأمنية القوية خلال السنوات الماضية لمواجهة ظاهرة الإرهاب، وهنا ظهرت أهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه وسائل القوة الناعمة لتسجيل حجم ما بُذل من مجهودات كبيرة، وتوثيق الثمن الذي دفعته مصر من دماء أبنائها، وتوعية الأجيال القادمة بخطورة تلك الظاهرة الممتدة عبر سنوات. 

إذ لا تقتصر مواجهة الإرهاب والتطرف على الجانب الأمني أو العسكري فقط، إنما تمتد إلى المواجهة الفكرية من خلال أدوات متعددة مثل الفن والثقافة وتجديد الخطاب الديني، وتستطيع هذه الأدوات أن تلعب دورًا توعويًا وغرس روح الوطنية والانتماء، وترسيخ ثقافة التسامح عند الاختلاف مع الاخر.

وقد بدأ الفن المصري ممارسة دوره مبكرًا في عملية المواجهة، وجسدت السينما المصرية العديد من مشاهد الإرهاب التي وقعت في مصر، وقدم الوجه الآخر للجماعات الإرهابية وتفسير المحتوى والمضمون الذي تتبعه في تجنيد الشباب بطرق مختلفة، مما ساهم في تنمية درجة الوعي تجاه مخططات هذه الجماعات وأهدافها.

السينما في المواجهة

وكان فيلم “الإرهاب” الذي تم انتاجه عام 1989 في مقدمة الأفلام التي تناولت موضوع الإرهاب، من بطولة الفنانة نادية الجندي، والفنان الراحل فاروق الفيشاوي واخراج نادر جلال، وتدور احداثه حول الصحفية “عصمت” التي تعاطفت مع الإرهابي “عمر” المتهم بمحاولة اغتيال أحد الوزراء وسفراء عدد من الدول ظنًا منها أنه برئ، ولكنه يقوم باستغلالها أثناء سفرها للخارج بصحبة وزراء، ويرسل معها عبوة ناسفة بدعوى أنها هدية لتفجير الطائرة، ولكن يتم اكتشاف الأمر وفشل مهمته.

وفي عام 1990 تناول فيلم “انفجار” قضية الإرهاب من منظور قيام أحد الإرهابيين ويدعي “صديق” الذي يقوم باختطاف عدد من الرهائن وتنفيذ تفجيرات، للمطالبة بالإفراج عن بعض العناصر الإرهابية المسجونة في عدة قضايا، ويدور الصراع بين جهاز الشرطة والإرهابي، والفيلم من بطولة فاروق الفيشاوي وعزت العلايلي ومن اخراج سعيد محمد مرزوق.

الإرهاب والكباب

يعد فيلم “الإرهاب والكباب” الذي تم انتاجه عام 1992، باكورة بداية الكاتب الكبير وحيد حامد في مكافحة الإرهاب والتطرف، كما كان المشاركة الأولى للزعيم عادل إمام في الأفلام التي تتناول ظاهرة الإرهاب ولكن في تلك المرة كانت من منظور كوميدي، وتدور أحداث الفيلم عن موظف بسيط الحال يدعى “أحمد” ولكن نتيجة عقبات إدارية وروتينية واجهته دخل في مشادة انتهت بأخذ سلاح أحد الجنود ويحتجز الرهائن، وانتهت باقتحام قوات الامن مجمع التحرير وعدم العثور على الإرهابي الذي قام بتلك الواقعة، وحصل الفيلم على الجائزة الكبرى بالمهرجان القومي الثالث للافلام الروائية، بالإضافة لجائزة أحسن إخراج ومونتاج.

C:\Users\user\Desktop\الارهاب-1.jpg

أفلام موضوعية

وفي عام 1994تم عرض فيلم”الإرهابي” بطولة عادل إمام وشيرين وصلاح ذو الفقار ومديحة يسري، ويعد هذا الفيلم علامة بارزة في مكافحة الإرهاب من خلال الفن، إذ تناول قصة “علي عبد الظاهر”المنضم لإحدى الجماعات التكفيرية، ويتعرض لحادث سير عقب اغتياله أحد الضباط، وخلال معايشته للأسرة أثناء علاجه وتفاعله مع عدة مواقف، تتغير وجهة نظره وطريقة تفكيره ويكتشف مدى المغالطات التي تعلمها خلال انضمامه لتلك الجماعة، ونتيجة لرفضه أفكاره جماعته يتم قتله على أيديها.

ويعد هذا الفيلم من أكثر الأفلام الموضوعية لأنه تناول طريقة تعامل الجماعات التكفيرية من الداخل والخارج مع المنضمين إليها، وكذلك نظرتهم للمجتمع وقضاياه، كما قدم رصدًا لظاهرة العنف التي كانت منشرة في مصر بذلك التوقيت، مثال مهاجمة أوتوبيسات السياح واغتيال المفكر الكبير فرج فودة، بالإضافة إلى حرق نوادي الفيديو.

البوابة نيوز: أفلام سينمائية واجهت الإرهاب.. وحيد حامد وعادل إمام ...

وتم تصوير الفيلم بشكل سري خوفًا من انتقام الجماعات الإرهابية من القائمين على العمل، وعند عرضه كانت قوات الأمن تقوم بحراسة دور العرض خوفًا من تنفيذ أية عمليات إرهابية انتقامية، كما تعرض القائمين على العمل لتهديدات الإرهابيين وتم تعيين حراسات أمنية لحمايتهم، ونال عادل إمام جائزة أحسن ممثل في المهرجان القومي للسينما على دوره في الفيلم.

وتناول فيلم “الناجون من النار” الذي تم تصويره  في عام 1996، قصة الجماعة الإرهابية التي حملت نفس الأسم ويتزعمها طبيب، وقامت بمحاولات اغتيال لعدد من قيادات الشرطة، وفي مقدمتهم اللواء النبوي إسماعيل وزير الداخلية، واللواء حسن أبو باشا رئيس جهاز مباحث أمن الدولة أنذاك، كما قاموا بمحاولة اغتيال الكاتب الصحفي مكرم محمد احمد، ويحكي الفيلم قصة “عبد السلام” الذي ينضم للجماعة وتطلب منه الجماعة اختطاف شقيقه الضابط لمبادلته مع عناصر الجماعة المحبوسين، والفيلم من بطولة عمرو عبد الجليل وطارق لطفي ومحمد الدفرواي، وبالرغم من تصوير الفيلم عام 1996 إلا انه لم يعرض إلا بعدها بـ10 سنوات بعد تراجع المنتج عن عرضه خوفًا من الجماعات الإرهابية.

الإرهاب تاريخيًا

لم تقتصر الأفلام على تناول الوقائع الإرهابية في العصر الحديث فقط، وانما تناولت الجانب التاريخي أيضًا، فقد تناول فيلم “المصير” الذي عرض عام  1997 من بطولة نور الشريف وليلي علوي وخالد النبوي، من تأليف واخراج خالد النبوي، الإرهاب الفكري المتمثل في حرق كتب العالم “ابن رشد” مرة من قبل الجماعات المتطرفة ومرة من قبل الحاكم المنصور الذي يتخلي عن صداقته وينحاز لتلك الجماعات.

ويركز الفيلم على العقيدة التي تستند إليها تلك الجماعات كمبرر للعنف ضد التنوير، وحرق كتب العالم “ابن رشد” وقتل من يعارضهم، ويكشف مدى خطورة على الإرهاب على مدار التاريخ، وحصل الفيلم على عدة جوائز دولية ومنها مهرجان جوهانسبرج السينمائي، وتمثيل مصر في مهرجان كان السينمائي، وحصول الممثل خالد النبوي على جائزة أحسن دور مساعد، وحصول يوسف شاهين على جائزة من مهرجان أميان الفرنسي.

الآخر بعد المصير

وأستكمل يوسف شاهين ما بدأه في فيلم المصير، وقام بتأليف واخراج فيلم “الآخر” الذي عرض في عام 1999، بطولة هاني سلامة وحنان ترك من تأليف واخراج يوسف شاهين، وتدور أحداثه حول شاب وفتاة يرغبان في الزواج رغم عدم موافقة والدة الشاب، التي تلجأ إلى شقيق الفتاة المنتمي إلى جماعة إرهابية يقوم باختطافها، وعند محاولة الشاب انقاذها يموتان سويًا، أثناء اشتباك قوات الأمن مع الجماعة الإرهابية.
وفي عام 2006 استكمل وحيد حامد ما بدأه هو الآخر في تسليط الضوء على ظاهرة الإرهاب ومواجهتها، وقام بتأليف فيلم “دم الغزال” من اخراج محمد ياسين، وبطولة نور الشريف ومحمود عبد المغني ومنى زكي، التي كان يتصارع على حبها مجموعة من الشباب بينهم طبال، وعند زواجها من آخر يتحول الطبال إلى إرهابي، وقتلت في مطاردة الأمن للإرهابي، والفيلم مستوحي من واقعة اعلان أحد الأشخاص عام 1994 نفسه أمير دولة إمبابة الإسلامية.

وما يميز هذا الفيلم أنه سلط الضوء على قضية العشوائيات التي تعتبر موطن أساسي للتطرف والعنف، بجانب قضايا الجهل والفقر التي تجعل من الشباب يعيشون في وسط اجتماعي يشكل بيئة خصبة للجماعات الإرهابية، ويعد من أكثر أفلام وحيد حامد التي تهاجم بوضوح التطرف الديني. 

كما سلط فيلم “حين ميسرة” في عام 2007 من تأليف ناصر عبد الرحمن واخراج خالد يوسف، وبطولة عمرو سعد وسمية الخشاب، الضوء على العشوائيات بصفتها وكرًا للجماعات الإرهابية لصعوبة الوصول إليها من قبل القوات الأمنية لضيق شوارعها وتلاصق بيوتها، بجانب استغلال ظروف الشباب للدفع بهم في مواجهة الأمن، وتنفيذ عمليات تفجير المنشأت وقتل الأبرياء، ويكشف الفيلم زيف الأقنعة التي يتوارى خلفها زعماء تلك الجماعات وكذبهم، وهو الدور الذي لعبه الفنان أحمد بدير.

الخلية وجواب اعتقال

ونتيجة الأحداث الإرهابية المتلاحقة التي وقعت في بعد ثورة 30 يونيو، بعد إزاحة حكم جماعة الإخوان المسلمين، اتخذت الجماعة من الإرهاب نهجًا أساسيًا لها ضد الشعب المصري لثورته عليها وضد قوات الجيش والشرطة لحمايتها اختيار الشعب، وتناولت أفلام ومسلسلات عدة تلك الظاهرة.

وأستعرض فيلم “الخلية” الذي عرض عام 2017 من اخراج طارق العريان وبطولة أحمد عز ومحمد ممدوح وأمينة خليل، قصة ضابط عمليات خاصة بجهاز الشرطة ومتخصص في مكافحة الإرهاب، ويستشهد صديقه أثناء احدى العمليات الأمنية، ويصمم على الثار له ويتتبع خيوط الجماعة التي تسببت في مقتله، ويتصدى لهم في النهاية في محاولة تفجير مترو الأنفاق. 

وفي نقس العام تناول الممثل محمد رمضان في فيلمه “جواب اعتقال” قصة شقيقين انخرط أحدهما فى الإرهاب وأصبح أحد عناصره الإجرامية يكتشف حقيقة الإرهابيين وأفكارهم الظلامية لكن بعد فوات الأوان ويحاول أن يثنى شقيقه عن الالتحاق بالجماعة الذي ستقتله الجماعة نتيجة خلاف فكري، ويسعى محمد رمضان الذي يقوم بدور خالد ويسعى للانتقام من عناصر الجماعة وقياداتها، والفيلم من اخراج وتأليف محمد سامي وبطولة محمد رمضان ودينا الشربيني وسيد رجب.

الاختيار في سيناء

وعلى صعيد المسلسلات فقد تناول النجم أمير كرارة من خلال مسلسه “كلبش” بأجزائه الأول والثاني قصة ضابط شرطة يتعرض لعقبات وصعوبات ومشاكل بسبب تضييقه على المجرمين، ولكنه تناول في مسلسل “كلبش 3” الذي أنتج عام 2019 قضية الإرهاب من خلال محاولة احدى الجهات الاجنبية استغلال الضابط “سليم الانصاري” لتنفيذ اهداف تخريبية كبرى داخل البلاد، والتأثير عليه من خلال حقن ابنه بفيروس غامض ويطلب منه الاستقالة من وزارة الداخلية لتأسيس شركة أمن خاصة مقابل توفير العلاج لأبنه وتتوالى الأحداث. 

وفي الموسم الرمضاني لعام 2020 أطل علينا النجم أمير كرارة بمسلسله “الأختيار” الذي يتناول واحدة من أهم القضايا الشائكة خلال السنوات الأخيرة، وهي الإرهاب في سيناء، إذ يسلط الضوء على شبكة الجماعات العاملة في سيناء وكيفية انتقال العناصر التكفيرية إليها، واستعراض العمليات الحقيقية التي وقعت، وكشف حقيقة الضابط “هشام العشماوي” كيف تحول من ضابط صاعقة من المفترض أن يقوم بحماية وطنه من أي شر، إلى تكفيري يعمل على تدمير الوطن بكل ما أمتلك من علم ومهارة.

بعد تفجيره في حلقة اليوم.. مخرج "الاختيار" ينشر صورة الجندي | مصراوى

وأثار المسلسل ردود فعل واسعة النطاق، وأحتل المرتبة الأولى في عدد المشاهدات حتى الان في السباق الرمضاني، وهو ما خلق حالة جديدة داخل المجتمع المصري جراء تسليط الضوء على الأفكار والسبل والطرق التي تسلكها تلك الجماعات لتنفيذ أهدافها الرامية هدم الوطن والدولة.

مما سبق يتضح أهمية الفن في مواجهة الإرهاب، وذلك لأن للفن رسالة سامية تسعى إلى توسيع الافاق والأرتقاء بالأخلاق من خلال تناول تلك القضية، كما أن الفن يقدم بالصوت والصورة ماهو أبلغ بكثير ما تقدمه الأدوات الأخرى، ويحقق تفاعلاً مباشرًا مع الجمهور، وهو ما ينعكس على حالة الوعي لدى النشء والشباب لحمايتهم من تلك الأخطار، ومن ثم حماية الوطن. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى