مكافحة الإرهاب

“حزب الله” و”الجيش اللبناني”..خيارات مابعد الهجوم الأخير

عقب استهداف إسرائيل المقر الاعلامي لـ”حزب الله” بطائرتين مسيرتين، بالضاحية الجنوبية بالعاصمة اللبنانية بيروت، وسقوط قتلى من عناصر الحزب في ضربات دمشق، تصاعدت وتيرة تصريحات التهديد والوعيد بين الطرفين، حيث أكد الأمين العام لحزب الله “حسن نصر الله” أن الحزب سيرد على العدوان الإسرائيلي مهما كان الثمن، وسيسقط الطائرات المسيرة الإسرائيلية بالأجواء اللبنانية، وهو ما قابله تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” بأن “نصر الله يعلم جيداً أن إسرائيل كيف تدافع عن نفسها وترد أعدائها”، فما هي حدود الرد الذي أعلن عنه “حسن نصر الله” وهل سيكون للجيش اللبناني دوراً في هذا الرد؟

الجيش اللبناني يدخل على خط المواجهة

عقب تأكيد المجلس الأعلى للدفاع اللبناني الذي يضم كلا من الرئيس “ميشال عون” ورئيس الوزراء “سعد الحريري”، وعدد من الوزراء والمسؤولين الأمنيين، على حق لبنان في الدفاع عن النفس “بكل الوسائل” في وجه أي عدوان الثلاثاء الماضي، أعلن الجيش اللبناني في مساء الأربعاء 28 أغسطس الجاري، عن تصديه لثلاث طائرات إسرائيلية مسيرة أخترقت الحدود الجنوبية للبلاد، وحلقت الطائرات الثلاث فوق مواقع تابعة للجيش اللبناني بمناطق (العديسة – كفر كلا).

وتصدى العسكريون اللبنانيون للطائرات بإطلاق أعيرة نارية من بنادق ((M- 16، وتأتي عملية إطلاق النار على الطائرات المسيرة على خلفية قرار سابق للجيش اللبناني يفيد باستهداف الطائرات فور رؤيتها بالعين المجردة، نظراً لعدم امتلاكه رادرات تستطيع رصد الطائرات المسيرة، واستناد الجيش اللبناني على رادار رصد الطيران بمطار بيروت الدولي، وأشاد حزب الله بعملية التصدي، وأكد “أفيخاي أدرعي” المتحدث باسم الجيش الاسرائيلي واقعة الاختراق نافياً تعرض الطائرات لأية أضرار.

ويأتي تعامل الجيش اللبناني في هذه الواقعة متسقاً مع مع قراري مجلس الدفاع الأعلى اللبناني ورئاسة الجمهورية، بشأن التصدي لأي محاولة عدوان على الأراضي اللبنانية من جهة، وتذكير حزب الله بأنه ليس الوحيد المعني بالرد على تلك الخروقات من جهة أخرى، بالإضافة إلى ترسيخ إطار تكامل الأدوار بين الجيش الوطني والمقاومة وعدم انفراد طرف معين بتحديد مجريات

الأمور، خاصة في ظل الموقف الرسمي والشعبي المؤيد لحزب الله والرافض للخروقات الأخيرة.

سيناريوهات رد “حزب الله”

السيناريو الأول: استهداف مواقع استراتيجية داخل إسرائيل

من المؤكد أن القدرة الصاروخية لحزب الله قد تطورت بشكل كبير منذ انتهاء حرب 2006 على المستوى الكمي والمستوى النوعي، وتستطيع هذه  الصواريخ أن تهدد الأمن الإسرائيلي بشكل كبير وذلك لوقوع عدد من الأهداف والمناطق داخل  مداها وتحديداً مناطق شمال إسرائيل، وفي حال جاء رد الحزب ضد أهداف عسكرية واقتصادية إستراتيجية داخل إسرائيل، فإن ذلك سيكون ضربة قوية للحزب مما يعزز من شعبية “حسن نصر الله” بين مناصريه، ولكن من المؤكد أن إسرائيل ستقوم بشن هجمات أضخم وأكبر وستتطور الأوضاع إلى حرب شاملة.

وحال اندلاع الحرب سيخسر حزب الله  الكثير من المعدات والأفراد، ولن يتمكن من تعويض هذه الخسائر بسهولة في ظل الأزمات التمويلية التي تواجهه، جراء العقوبات الأمريكية على عدد من مؤسساته وكان أخرها بنك “جمال تراست” اللبناني  و عدد من قياداته وأخرهم (أمين شري – ووفيق صفا – محمد حسن رعد)، بالإضافة إلى العقوبات الأمريكية على إيران والتي أدت إلى انخفاض التدفقات المالية من النظام الإيراني إلى الحزب بشكل كبير، هذا بالإضافة إلى الخسائر الضخمة التي ستطال البنية التحتية اللبنانية جراء هذا الصراع، وصعوبة تمويل مادي لإعادة الإعمار مثلما حدث في عام 2006 في ضوء الضغط الدولي المتزايد على إيران وحزب الله.

السيناريو الثاني: ردة فعل محدودة

وذلك عبر قيام حزب الله بشن هجمات عسكرية محدودة، كاستهداف آليات عسكرية إسرائيلية بصواريخ موجهة عن بعد أو بعبوة ناسفة، أو اغتيال عدد من الجنود عند مناطق التماس المشتركة، وهو الأمر الذي تحسب له الجيش الإسرائيلي وأعلن اخلاء المنطقة بعمق 7 كيلومترات، مع تحدث تقارير إعلامية عن نشر الجيش الإسرائيلي لدمي صناعية على هيئة جنود داخل مركبات عسكرية قبالة الحدود مع لبنان خوفاً من عمليات اغتيال تطالهم من مقاتلي الحزب.

ومن المرجح في هذا السيناريو أن يقوم الحزب بإرسال طائرات مسيرة مفخخة لاستهداف نقاط عسكرية حدودية، وذلك في ظل امتلاك الحزب عدة طرازات من الطائرات المسيرة الاستطلاعية والهجومية، والتي سبق وأن استخدمها في أعمال عسكرية له في سوريا ولعل أشهرها العملية “أيوب” والتي قامت ببثها قناة المنار الناطقة باسم الحزب.

أي السيناريوهات أقرب

السيناريو الأول احتمالات حدوثه ضئيلة، وذلك لعدة أسباب أولها ردود الأفعال الرسمية الصادرة عن الحزب، حيث صرح نائب الأمين العام لحزب الله “نعيم قاسم” في حديث تلفزيوني لقناة روسيا اليوم حينما سئل عن مدى استعداد حزب الله للحرب أجاب قائلا “أستبعد أن تكون الاجواء أجواء حرب ، الأجواء هي أجواء رد اعتداء”، وأشار أيضا إلى أن الهدف من رد الحزب على الهجوم الإسرائيلي هو أن تبقى الأمور كما كانت عليه دون فرض معادلات جديدة والمقصود هنا ألا تستمر إسرائيل في شن غاراتها الجوية على لبنان على غرار ما يحدث في سوريا ومؤخراً العراق.

والسبب الثاني هو الانتخابات الإسرائيلية، فمثل هذا التصعيد سيجعل رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” يبدو وكأنه البطل المدافع عن الأمن القومي لبلاده، في ظل قضايا الفساد التي تلاحقه وتقارب استطلاعات الرأي بين حزب الليكود وحزب أزرق أبيض، وهو سيجعل “نتنياهو” يستغل التصعيد الكبير من قبل الحزب ويفتح أبواب الحرب على لبنان لتعزيز حظوظه.

وبالتالي فإن السيناريو الثاني هو الأكثر ترجيحاً، وذلك لأنه يحقق نقطة متوسطة بين الحرب والسلم، كما أن الحزب قد شن سابقاً هجمات محدودة ضد إسرائيل وليس بالضرورة أن يكون التصعيد شاملاً، ففي عام 28 يناير 2015 أطلق مقاتلي “حزب الله” صاروخاً من طراز “كورنيت” المضاد للدبابات، على احدى المركبات الإسرائيلية مما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى، وذلك رداً على “عملية القنيطرة” التي قام بها الجيش الإسرائيلي في 18 يناير 2015، واستهدف فيها قافلة عسكرية تابعة لحزب الله قرب مرتفعات الجولان مما أسفر عن مقتل 7 من عناصر الحزب من بينهم المسؤول البارز (جهاد مغنية)، والجنرال “محمد على الله دادى” بالحرس الثورى الإيرانى.

هذا المشهد المعقد بالمنطقة يلقى بظلاله بالضرورة، على موقف الإدارة الأمريكية التي من المرجح أنها ستضغط لاحتواء الموقف وعدم التصعيد بين الطرفين في ظل مساعي دولية وإقليمية لاحتواء الأزمة، لعدم رغبة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” في الانخراط في مغامرات تؤثر على موقفه في الانتخابات الأمريكية المقبلة من جهة، وعدم منح روسيا الفرصة للدخول بثقلها في منطقة مازالت تعتبرها الولايات المتحدة منطقة نفوذ لها من جهة أخرى.

ويبقى في النهاية أن نشير إلى أن إسرائيل توسع استراتيجيتها العسكرية في سوريا لتشمل العراق ولبنان، وهو الأمر الذي يرغب حزب الله في إيقافه بشكل أساسي حتى يتسنى له الاستمرار في الحصول على الصواريخ الدقيقة من إيران، وبالتالي فمن الممكن أن تتطور الأمور إلى حرب مباشرة، في حال أخطأ حزب الله أو إسرائيل في تقدير الأمور بشكل كافي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى