كورونا

وسط إجراءات احترازية مشددة..دول عدة تستعد لاستئناف النشاط الاقتصادي تدريجيًا

“إن الأزمة الأقتصادية التي يسببها كورونا هي أعمق من الأزمة المالية العالمية لعام 2008”..هكذا وصف صندوق النقد الدولي النتائج الأقتصادية المترتبة على إجراءات مجابهة فيروس كورونا المستجد على مستوى العالم، فقد أدى الانتشار السريع للفيروس إلى قيام حكومات الدول حول العالم باتخاذ تدابير مشددة لاحتواءه ومنع انتشاره، فتم إيقاف حركة السفر  على المستوى العالمي وتقييد الأنشطة الأقتصادية المحلية والحد من حركة السكان، في سابقة قد تكون هي الأولى في التاريخ، وهو ما أدى إلى تداعيات اقتصادية وخيمة، مما دفع عدد من الدول لاتخاذ قرار البدء في الخروج التدريجي من حالة الاغلاق الاقتصادي تمهيدًا لعودة الحياة لطبيعتها.

الولايات المتحدة تعلن خطة من 3 مراحل

أعلن الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” خطته لإعادة فتح الأقتصاد والتي تبدأ في 1 مايو المقبل ويتم تنفيذها على 3 مراحل، وأشار “ترامب” في مؤتمره الصحفي اليومي لخلية مكافحة فيروس كورونا بالبيت الأبيض، أن اغلاق الولايات المتحدة لفترة طويلة الأمد من شأنه إلحاق أضرارًا كبيرة، مؤكدًا أنه سيتم إعادة فتح الولايات بشكل فردي، وسيتم تنفيذ الخطة خطوة بخطوة اعتمادًا على معطيات يمكن التحقق منها، وأن كل ولاية يمكن أن تضع خطتها لإعادة فتح نفسها وأن الأمر متروك لحكام الولايات لاتخاذ القرار.

وأشار إلى أن الخطة تتضمن فرض قواعد صارمة للتباعد الاجتماعي بالإضافة إلى إجراءات لحماية كبار السن والمعرضين للخطر، وذكر أن منحنى الإصابات في بلاده بات مسطحًا وأنخفضت نسبة الوفيات جراء الإصابة بالفيروس نتيجة الإجراءات الاحترازية المقررة، وأنه تم اجراء أكبر عدد من اختبارات الفحص، وأنه في حال عودة فيروس كورونا في فصل الخريف القادم فستكون بلاده جاهزة لاحتواءه.

وقدم البيت الأبيض وثيقة إلى حكام الولايات الخمسين تتضمن المعايير التي يجب أن تبدأ عندها الولايات في تحفيف الإجراءات، فقد نصت المرحلة الأولى على أن يكون هناك انخفاضًا مستدامًا في عدد الاصابات على مدى 14 يومًا والعودة إلى ظروف ما قبل الأزمة في المستشفيات، وأن يكون لدى الولايات القدرة على إقامة مواقع الفحص والاختبار الآمنة والفعالة بسرعة، بالإضافة إلى توفير معدات الوقاية الشخصية الكافية بسرعة وبشكل مستقل في المستشفيات. 

وتتضمن المرحلة الأولى أستمرار اغلاق المدارس والحانات، مع إمكانية فتح الأماكن الكبيرة بما فيها بعض المطاعم والصالات الرياضية وفقًا لبروتوكولات التباعد الأجتماعي الصارمة، وتشجيع أصحاب الأعمال على فحص درجات الحرارة واجراء الاختبارات في أماكن العمل، مع  استمرار الموظفين القادرين على العمل عن بُعد مواصلة العمل من المنزل، وتشجيع جميع الأفراد على مواصلة ممارسات النظافة الجيدة واستخدام الكمامات في الأماكن العامة، وتوصي المرحلتان الثانية والثالثة بمزيد من التخفيض بشكل تدريجي.

ألمانيا تعلن تخفيف الإجراءات الأسبوع القادم

أعلن وزير الصحة الألماني “ينس شبان” اليوم الجمعة أن فيروس كورونا بات تحت السيطرة بفضل القيود التي فرضت على المواطنين بدءً من منتصف مارس الماضي، وأكد في تصريحات صحفية إن “أعداد الإصابات انخفضت بشكل كبير، وخصوصا الارتفاع النسبي اليومي، التفشي بات الآن مجددا تحت السيطرة”، وكان معهد روبرت كوخ لمراقبة الأوبئة قد أعلن الخميس الماضي أن معدّل العدوى بفيروس كورونا المستجد المسبب لوباء كوفيد-19 بين شخص وآخر تراجع إلى 0.7 للمرة الأولى منذ ظهوره في ألمانيا.

وفي يوم الأربعاء الماضي أعلنت المستشارة الألمانية “انجيلا ميركل” عن تخفيف القيود بدءً من يوم الأثنين القادم الموافق 20 ابريل وفتح المتاجر التي تقل مساحتها عن 800 متر مربع، وأستئناف المدارس نشاطها في 4 مايو القادم مع اعطاء الأولوية للطلاب الذين سيجرون امتحاناتهم قريبا، وأشارت “ميركل” إلى السلطات ستوصي بوضع كمامات الحماية في وسائل النقل العام وداخل المتاجر، محذرة من “ضيق هامش الخطأ” وأن شعار المرحلة القادمة يجب أن يكون “الحذر وليس الثقة الزائدة بالنفس”.

وبالرغم من اعلان “ميركل” رفع بعض القيود، إلا انه تم تمديد حظر التجمعات الكبيرة مثل البطولات الرياضية والحفلات الموسيقية حتى 31 أغسطس القادم، وأعلنت وزارة الداخلية في برلين أن الضوابط المفروضة على طول الحدود البرية لألمانيا مع جيرانها في منطقة شنجن لحرية التنقل ستظل قائمة لمدة 20 يوما أخرى، كان قد تم وضع تلك الضوابط قبل شهر بسبب تفشي فيروس كورونا المستجد، على الحدود مع النمسا وفرنسا ولوكسمبورج والدنمارك وسويسرا، ولا توجد ضوابط على الحدود مع بلجيكا وهولندا، على الرغم من تكثيف المراقبة في منطقة حدودية يصل طولها إلى 30 كيلومتر.

أسبانيا تستأنف العمل بعض انخفاض معدلات الانتشار

بعد تراجع حالات الإصابة والوفاة المسجلة يوميًا، أستأنفت أسبانيا يوم الأثنين الماضي الموافق 13 إبريل بعض أنشطتها الاقتصادية، من بينها عودة عمال البناء والمصانع إلى عملهم بعد توقف استمر أسبوعين بناءًعلى قرار صدر من رئيس الحكومة الأسبانية “بيدرو سانشيز” يقضي بوقف كافة الأنشطة الأقتصادية غير الضرورية. 

ويرى “سانشيز” أن التوقف الأقتصادي سينتهي عقب عطلة عيد الفصح، والجدير بالذكر أن أسبانيا قد طبقت عزلاً عامًا بدأ في 14 مارس الماضي، وأعلنت عن تمديد إجراءات العزل الصحي حتى 25 إبريل الجاري مع أستمرار غلق المتاجر والحانات والأماكن العامة، محذرةً من احتمال تمديدها لمدة أخرى على الرغم من ادخال بعض المرونة عليها.

وفي نفس السياق، أعلن “سلفادور إيلا” وزير الصحة الأسباني، أن الحكومة ستوزع كمامات في محطات المترو وقطارات الضواحي لاستعمالها عند أستنئاف العمل بمختلف المناطق بعد عطلة عيد الفصح، وعودة الشركات إلى نشاطها، وحول المخاوف من اعادة انتشار الفيروس عقب استئناف النشاط، وقال “إيلا” “نعتقد أن التدابير التي تبنيناها لضمان السلامة الصحية وتدابير (الحجر) التي لا تزال مشددة تسمح بتجنب الارتكاس”، وأنه يمكن السماح للأطفال المعزولون منذ نحو شهر بالخروج من المنزل لبعض الوقت.

كما أفادت وزيرة السياحة الأسبانية “رييس ماروتو” بأن تدابير التباعد الاجتماعي ستبقى سارية في البلاد التي تستقطب عشرات ملايين السياح سنويا، حتى على الشواطئ خلال الصيف لتفادي تفشي الفيروس، وأضافت في مقابلة مع صحيفة “إيل باييس” الإسبانية “إلى أن يكون لدينا لقاح، لن يعود شيء كما كان، يجب حصر التجمعات للإبقاء على المسافة الآمنة”.

إيطاليا تبدأ تجربة التباعد الاجتماعي بعد انهاء الاغلاق

بعد أن أحتلت إيطاليا قائمة الدول الأكثر تضررًا جراء انتشار فيروس كورونا بها، وتسجيلها الاف حالات الإصابة والوفاة، أعلن رئيس الوزراء الإيطالي “جوزيبي كونتي” الأسبوع الماضي عن مد إجراءات العزل الصارمة حتى 3 مايو القادم وعقب قائلاً “إنه قرار صعب لكنه ضروري وسأتحمل مسؤوليته السياسية كاملة”، ويأتي ذلك في ظل حالة الشلل التي أصابت كافة مفاصل الاقتصاد الإيطالي وتعطيل الحياة اليومية وإيقاف كافة الأنشطة الاقتصادية ماعدا التي تقدم مواد أساسية.

وبالرغم من هذا فقد سمحت الحكومة الإيطالية في يوم الثلاثاء الموافق 14 ابريل لمحلات بيع ملابس الأطفال والمكتبات ومغاسل الملابس بفتح أبوابها، في إطار السعي الحكومي للتخفيف التدريجي لجراءات الإغلاق الصارمة المفروضة من 9 مارس الماضي، وكتجربة لتطبيق التباعد الأجتماعي بعد فترة الإغلاق التام.

وفي الجنوب الإيطالي الذي شهد عددًا أقل في الأصابات والوفيات، كان هناك تجاوبًا مع تلك الخطوات الحكومية وتحديدًا في صقلية إذ غاب السائحون عن المكان لكن خرج بعض المواطنون لتلك المحال للاستفادة من خدماتها، ولكن على العكس في الشمال الإيطالي الذي فضل أغلب أصحاب أنشطته وسكانه الألتزام بالإجراءات الصارمة حتى 3 مايو القادم، وبالرغم محدودية الأنشطة التي تم السماح لها بإعادة مزاولة نشاطها، إلا أنها تعد مؤشرًا على أستعداد إيطاليا لرفع الإجراءات تدريجييًا تمهيدًا لعودة الأقتصاد للعمل.

الدنمارك تعاود النشاط بشكل تدريجي

بعد أن كانت من اوائل البلدان في أوروبا التي قررت فرض العزل العام،  قالت الحكومة الدنماركية في بيان لها اليوم، إنها ستسمح لأعمال تجارية صغيرة، مثل صالونات الحلاقة والتجميل ومدارس القيادة،بفتح أبوابها واستئناف نشاطها بدءً من يوم 20 أبريل الجاري، بعدما أمرت بإغلاق عام للبلاد الشهر الماضي، لاحتواء تفشي فيروس كورونا.

وتأتي هذه الخطوة بعد أن بدأت الدنمارك، إعادة فتح دور الحضانة والمدارس الأبتدائية في نصف المقاطعات الدنماركية وفي 35% من المدارس بكوبنهاجن الأسبوع الماضي، ويفترض أن تفتح جميع المدارس أبوابها في 20 إبريل الجاري، في أول خطوة نحو التخفيف التدريجي من الإغلاق العام الذي أستمر منذ 15 مارس الماضي ولمدة شهر. 

وقالت “ميته فريدركسن” رئيسة الوزراء الدنماركية على عبر موقع فيسبوك “لا أحد يريد إبقاء الدنمارك مغلقة أكثر مما هو ضروري، لكن علينا ألا نتحرك بسرعة تمنعنا من إبقاء الفيروس تحت السيطرة” والجدير بالذكر أن الدنمارك ستبقي حدودها مغلقة كما ستظل القيود سارية على المطاعم والحانات وصالات التدريبات الرياضية بالإضافة إلى حظر التجمعات لأكثر من 10 أشخاص.

النمسا وتشيك وفنلندا على نفس الخطى

في منتصف الأسبوع الماضي أعلنت النمسا أنها في 20 ابريل الجاري ستسمح بفتح المتاجر الصغيرة ومتاجر الأعمال اليدوية، كجزء من خطة تسير “خطوة بخطوة” لإعادة تشغي الاقتصاد، مع الابقاء على القواعد الصارمة للتباعد الاجتماعي بين المواطنين وحثهم على البقاء في المنازل قدر الامكان، والزام كافة المواطنين على ارتداء الكمامات في محال السوبر ماركت والصيدليات، وأعلنت التشيك عن السماح بالتسوق في متاجر الأجهزة والدراجات، ولعب التنس، والذهاب للسباحة، مع بدء مراحل أخرى لرفع الاغلاق العام بدءً من 20 إبريل الجاري.

وفي الأربعاء الماضي 15 ابريل أصدرت الحكومة الفنلندية مرسومًا يقضي بتخفيف الإجراءات الصارمة التي تم اقرارها لاحتواء فيروس كورونا، وأصدرت مرسوما بفتح العاصمة “هلسنكي” التي تقع في إقليم “اوسيما” الأكثر اكتظاظًا بالسكان، وقالت رئيسة الوزراء الفنلندية “سانا مارين” في مؤتمر صحفي، إن قرار رفع الإغلاق جاء بعد انتهاء الأسس الدستورية له، وأضافت أن الوضع فيما يتعلق بانتشار فيروس كورونا المستجد لم يصل إلى نقطة تحول، بل لا يزال حرجا إلى الحد الذي لا تزال فيه القيود والتعليمات الأخرى بشأن الاتصال الاجتماعي والسفر غير الضروري سارية.

خلاصة القول، نتيجة الضغوط الأقتصادية القاسية التي تعرضت لها كافة الدول التي طبقت إجراءات احترازية مشددة، ظهرت الحاجة إلى اعادة فتح الاقتصاد وعودة النشاط بشكل تدريجي للعمل، وقد ظهر في خطط الدول التي تم استعراضها أنها ركزت بشكل أساسي على عودة النشاط ذو التأثير الاقتصادي المباشر، مثل قطاعات البناء والتشييد والصناعة ومتاجر التجزئة، مع استمرار اغلاق الأنشطة الترفيهية والمدارس والنوادي والشواطئ، مع التأكيد على تطبيق كافة الإجراءات الاحترازية المشددة بشكل صارم لضمان أمن وسلامة المواطنين والمجتمع.

وكان القاسم المشترك بين الدول التي قد أعلنت خططها للتخفيف التدريجي من حالات الاغلاق، هو انخفاض أعداد المصابين والوفيات بشكل ملحوظ مقارنة بالفترة السابقة وهو ما يعني أن تلك الدول قد تجاوزت ذروة انتشار المرض، وهو ما يفسر اتخاذ مجموعة من الدول لتلك الخطوات دون غيرها، لأن هناك دولاً لم تصل لذروة انتشار الفيروس بعد.

وربما ما يلوح في الأفق من عشرات الدراسات الطبية حول نجاعة عدد من الأدوية في علاج المرض وكبح جماحه، مثال عقار “ريمديسفير” المخصص لعلاج فيروس “إيبولا” والذي حقق نتائج واعدة ضد فيروس كورونا المستجد، وعقار “افيجان” الياباني المخصص لعلاج الانفلونزا، بالإضافة لجهود مئات العلماء على مستوى العالم للتوصل إلى لقاح مضاد للمرض، وكان آخرها اعلان جامعة “اكسفورد” البريطانية عن بدء التجارب على البشر الاسبوع القادم وتصريح أستاذة علم اللقاحات في أكسفورد سارة جيلبرت إن هناك “درجة عالية من الثقة” في أن التجارب البشرية ستؤكد فعالية اللقاح في الحماية من عدوى فيروس كورونا المستج، ربما تدعو للاطمئنان إلى أن “الأسوأ قد مر”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى