سوريا

الضربات الإسرائيلية في سوريا والعراق.. الأبعاد والتداعيات

“إنهم مخطئون في الاعتقاد عندما يقولون إننا سنواجه صعوبة في الوصول إليهم”… هذا ما قاله رئيس الموساد الإسرائيلي (يوسي كوهين) في الأول من يوليو الماضي خلال مشاركته في مؤتمر “هرتسليا للأمن” تعليقا على التواجد الإيراني والميليشيات الموالية لها في سوريا.
وشهدت الأيام الماضية توجيه إسرائيل ضربات جوية ضد عدة مواقع تابعة لإيران بسوريا والعراق، وقالت تل أبيب إن تلك الهجمات تأتي بشكل استباقي لاحباط مخططات للحرس الثوري الإيراني لاستهدافها من كلا البلدين، وعقب الهجوم الأخير في سوريا أعلن الجيش الإسرائيلي عن نشر منظومة الدفاع الجوي “القبة الحديدية” بشمال إسرائيل تحسباً لردود أفعال الميليشيات الإيرانية، فهل ستشهد الأيام القادمة تصعيداً للاحداث مما يزيد من تعقيدات المنطقة التي لا تنتهي.

(صورة نشرها المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي حول الهجوم الأخير على سوريا)

الضربات الأخيرة في سوريا لم تكن الأولى

في 10 مايو 2018 قام الجيش الإسرائيلي بشن ضربة جوية عسكرية أستهدفت أكثر من 50 هدفاً إيرانياً في سوريا، في عملية أطلق عليها “عملية البيت الورق”، وهي أكبر ضربة جوية تنفذها إسرائيل في سوريا منذ أكثر من 40 عاماً، وأستمرت الغارات لأكثر من ساعة ونصف، ضد أهداف خاصة بالحرس الثوري الإيراني، وتشمل مراكز استخبارات، مخازن اسلحة، منشآت تخزين، مواقع مراقبة، ومراكز لوجستية في سوريا، بالإضافة الى قاذفة صواريخ.

(صورة توضح نطاق عملية البيت الورق في سوريا)

وجاءت “عملية البيت الورق” رداً على إطلاق ميليشيات إيرانية  20 صاروخاً تجاه مواقع للجيش الإسرائيلي في هضبة الجولان المحتلة، انتقاما من إسرائيل لشنها غارة جوية على قاعدة (تي – 4) في 9 ابريل 2018 في سوريا، مما أسفر عن مقتل 7 من قوات الحرس الثوري الإيراني، بينهم العقيد “مهدي دهقان”قائد وحدة الطائرات بدون طيار والمسؤول عن تطوير هذا البرنامج العسكري في سوريا.

(القاعدة تي – 4 بعد استهدافها)

وفي 4 سبتمبر من نفس العام أعلن الجيش الإسرائيلي عن شن  202 غارة جوية على أهداف إيرانية في سوريا، بداية من عام 2017 وحتى سبتمبر 2018 مستخدماً في ذلك ما يزيد على 800 صاروخ وقذيفة، وذكر الجيش الإسرائيلي حينها أن تلك الضربات تأتي لحرمان إيران من إنشاء تمركزات عسكرية في سوريا، وإيقاف تهريب الأسلحة وتحديداً الصواريخ الباليستية للتنظيمات الموالية لها سوريا وحزب الله في لبنان.

العراق يدخل دائرة الاستهداف الإسرائيلي

وفي العراق أستهدفت إسرائيل خلال الشهر الماضي مقرات ومخازن أسلحة تابعة للحشد الشعبي بالعراق، ويعد هذه الهجوم هو الأول منذ أربعة عقود،ففي 20 أغسطس الجاري، وقع انفجاراً في مستودع للأسلحة قرب قاعدة “بلد” (البكر سابقا) الجوية في محافظة صلاح الدين شمال العاصمة العراقية بغداد، ورجحت تقارير حينها بأن الانفجار ناتجا عن قصف طال مستودع الأسلحة الملاصق للقاعدة، ،وقال رئيس الحكومة الإسرائيلية “بنيامين نتنياهو” قبيل الصعود على متن الطائرة في ختام زيارته إلى العاصمة الأوكرانية كييف، إن “هناك تحديات أمنية كبيرة تطرق لها تقرير الاستخبارات الذي تلقيته قبل بضع دقائق”، وعندما سئل إذا ما كان التقرير يتعلق بالتفجيرات في قاعدة “بلد” في العراق، اكتفى نتنياهو بالقول إنه يتلقى تقريرًا استخباريًا كل يوم، وهو أمر عادي، دون الإفصاح عن مزيد من التفاصيل.

(صورة نشرتها شركة “إيميجسات إنترناشيونال” الاستخباراتية الإسرائيلية حول هجوم قاعد بلد)

وفي 22 من الشهر الجاري، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” في مقابلة معه في القناة التاسعة بالتلفزيون الإسرائيلي، عما إذا كانت إسرائيل تقوم بعمليات في العراق، أجاب قائلاً “إننا نتصرف في العديد من الساحات ضد دولة تسعى إلى تدميرنا. بالطبع، لقد منحت قوات الأمن تعليمات للقيام بما هو ضروري لإحباط هذه الخطط الإيرانية”.

واتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي إيران بـ”محاولة إقامة قواعد ضد إسرائيل في كل مكان، في إيران نفسها، في لبنان، في سوريا، في العراق، في اليمن”، وأضاف نتنياهو “أنا لا أمنح إيران الحصانة في أي مكان”.

وفي نفس اليوم نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” الامريكية تقريراً،أعدته مديرة مكتبها في العراق “أليسا روبين” والكاتب الإسرائيلي “رونين بيرجمان”، اشارت فيه الى ضلوع اسرائيل في شن ضربة جوية على مستودعات لأسلحة الحشد الشعبي في العراق، ونقلت الصحيفة عن مسؤولين قولهم إن ايران كانت تنوي نقل تلك الاسلحة الى سوريا، ويعد هذا الهجوم أحد أشكال مواجهة إسرائيل للتنظيمات الموالية لإيران.

كما نقلت الصحيفة عن مسؤول كبير في الاستخبارات بالشرق الأوسط إن إسرائيل قصفت قاعدة شمال بغداد في 19 يوليو الماضي كانت تستخدم لنقل الأسلحة إلى سوريا، وتدمير شحنة صواريخ موجهة بمدى يصل إلى 200كم، ومن المرجح أن القاعدة التي يشير إليها المسؤول الاستخباراتي، هي قاعدة آمرلي والتي قتل فيها أحد مستشاراً عسكرياً إيرانياً.

تعقيد العلاقة بين واشنطن وبغداد

أدت الضربات الإسرائيلية إلى تعقيد الموقف بين الولايات المتحدة والعراق، حيث مازالت تحتفظ واشنطنبتواجد عسكري بالعراق لمواجهة تنظيم داعش،وهو ما ظهر بشكل رسمي عبر القرار الذي اتخذه رئيس الوزراء العراقي “عادل عبدالمهدي”في 15 من الشهر الجاري، والذي يقضي بإلغاء كافة الموافقات الخاصة بالطيران في الأجواء العراقية (الاستطلاع، الاستطلاع المسلح، الطائرات المقاتلة، الطائرات المروحية، الطائرات المسيرة بكل أنواعها) لجميع الجهات العراقية وغير العراقية، وحصر الموافقات بأن تكون صادرة من القائد العام للقوات المسلحةأو من يخوله.
وشدد القرارا على جميع الجهات الالتزام التام بهذا التوجيه وأن أي حركة طيران خلاف ذلك يعتبر طيرانا معاديا يتم التعامل معه من الدفاعات الجوية العراقية بشكل فوري، كما أستدعى وزير الخارجية العراقي “محمد علي الحكيم” للقائم بأعمال السفير الأمريكي لدى العراق “براين مكفيترز” للتأكيد على أن العراق ليس ساحة للنزاع.


بالإضافة إلى البيان الذي أصدره نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي العراقي “جمال جعفر آل إبراهيم” المعروف بـ”أبو مهدي المهندس”، أن الهيئة تمتلك معلومات دقيقة ومؤكدة حول قيام الولايات المتحدة بإدخال 4 طائرات مسيرة إسرائيلية داخل البلاد لاستهداف المقرات العسكرية التابعة للحشد، وحمل القوات الأمريكية مسؤولية استهداف قواته مهدداً بأنه سيعتبر أي طائرة تحلق فوق مقراته دون ترخيص من الحكومة، طيرانا معاديا وسيتم التعامل معه على هذا الأساس، بالرغم من صدور بعض التقارير التي تشير لاستخدام إسرائيل لطائرات (اف – 35) في عملياتها بالعراق، إلا أن القطاع الأكبر المسؤولين العراقيين يلقي باللوم على الولايات المتحدة.

الصواريخ الإيرانية تمثل التهديد الأكبر لإسرائيل

من المؤكد أن الصواريخ الإيرانية تسمح بتهديد إسرائيل على بعد مئات الكيلومترات، خاصة إذا تم نشرها بالعراق وسوريا لتستخدمها التنظيمات والكيانات الموالية لها في حرب بالوكالة سواء ضد إسرائيل أو مصالح الولايات المتحدة الأمريكية بالمنطقة،بما يحقق عملية الردع بطريقة غير مباشرة وبأقل معدلات خطر المواجهة على الأراضي الإيرانية.
وأتبعت إيران في عمليات نقل صواريخها للخارج نمطاً متميزاً، حيث بدأت بنقل قذائف المدفعية بعيدة المدى، ثم نقل الصواريخ الباليستية قصيرة المدى، وانتهاءً بالصواريخ الباليسيتية طويلة المدى، ولاتسمح هذه الصواريخ في رفع عدد الأهداف التي يمكن الوصول إليها فحسب، بل تسمح أيضا بتعدد مواقع الإطلاق بشكل أوسع يصعب توقعه، بالإضافة لزيادة عدد الضربات بأقل مخاطر ممكنة.

وزودت إيران وكلائها في سوريا بعدة طرازات من الصواريخ، ونشرت منشآت تصنيع ومنصات إطلاق وذخائر، ويعد أبرز أنواع الصواريخ الإيرانية بسوريا الصاروخ الثقيل  فاتح 110 ويعرف في سوريا بالصاروخ (إم -600) الذي يصل مداه إلى 300 كم.

وفي العراق زودت إيران الموالين لها بما فيها “كتائب حزب الله العراقي” و”حركة النجباء” و “منظمة بدر”، بقدرات صاروخية متعددة، ويرجح أستخدام هذه التنظيمات لعدة قواعد منتشرة في محافظات ديالي وصلاح الدين وبغداد وكربلاء وواسط، لتخزين السلاح الإيراني القادم إليها عبر خط الإمداد المرجح مروره عبر ديالي والذي يسمح لها بادخال هذه الصواريخ دون علم الحكومة العراقية، كما ذكرت عدة تقارير أن تلك التنظيمات نشرت قرابة 300 منصة إطلاق للصواريخ في أنحاء متعددة بالعراق.

تصعيد خطير بالمنطقة

من المرجح أن تشهد المرحلة القادمة المزيد من التصعيد بين إسرائيل وإيران والتنظيمات الموالية لها في سوريا والعراق، حيث نشر قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني “قاسم سليماني” تغريدة مقتضبة على موقع “تويتر” قال فيها أن تلك الهجمات ستكون “أخر” التخبطات الإسرائيلية، مما يوحي بصدور ردود فعل إنتقامية على تلك الضربات، وتأكيدات “بنيامين نتنياهو” على إصدار تعليماته بالاستعداد لكافة السيناريوهات المتوقعة وتهديده للدول التي تسمح لإيران باستخدام أراضيها، وزيارته للجبهة الشمالية وتفقد الأوضاع بها

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى