مكافحة الإرهاب

صراع مستعر ومنصات موازية.. الإخوان تواصل خطواتها المتسارعة نحو الهاوية

دخلت أزمة انقسام جماعة الإخوان الإرهابية والصراع المستمر بين قياداتها مرحلة جديدة خلال الأيام القليلة الماضية، حيث أصدر إبراهيم منير نائب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين والقائم بأعماله قرارًا بتجميد عضوية أعضاء جبهة إسطنبول بقيادة محمود حسين الأمين العام السابق للجماعة وأعوانه الخمسة، بالتزامن مع إطلاق جبهة إبراهيم منير موقعًا جديدًا للجماعة بعد رفض جبهة إسطنبول التخلي عن الموقع الإلكتروني المشهر منذ سنوات واستمرار الهجمات الإعلامية والاستقطاب العنيف بين مؤيدي كلا الطرفين، وبذلك أصبح لكل جبهة موقع رسمي ومنصات إعلامية وإلكترونية ناطقة باسمها، مما يزيد من حدة الانقسامات داخل الإخوان ودخولها نفقًا مظلمًا تكون نهايته تشتت الجماعة التي تعمل بشكل مركزي منذ عام 1928.

إقصاءات متبادلة ومنصات موازية

في 13 نوفمبر الجاري، أعلنت جبهة محمود حسين على موقع “إخوان أون لاين” بيانًا صادرًا من مجلس الشورى العام يتضمن قرارًا بإقصاء إبراهيم منير من منصبه وتشكيل لجنة مؤقتة لمدة ستة أشهر تقوم بعمل المرشد العام، أو اتخاذ المجلس قرارًا بتحديد القائم بالعمل أيهما أقرب، وتكون مرجعيتها في القرارات مجلس الشورى العام. وأشار البيان إلى تقدم محمود حسين بطلب للمجلس بشأن عدم التطبيق المباشر للمادة 5 من اللائحة العامة للجماعة فيما يخصه، والتي تقضي بتوليه مهمة القائم بالأعمال، وطلبه إحالة الأمر إلى مجلس الشورى العام لاتخاذ القرار المناسب.

وصدر القرار بعد الاطلاع على النظام الأساسي لجماعة الإخوان المسلمين عام 1990 والاطلاع على اللائحة العامة للجماعة بنسختها المعدلة عام 2009 واستنادًا إلى المادة 12 من الفصل الثالث – الباب الأول باللائحة والتي تؤكد على الحق الأصيل لمجلس الشورى العام “يكون مجلس الشورى هو السلطة التشريعية لجماعة الإخوان فى مصر، ويكون مختصًا بمناقشة وإقرار السياسات العامة التي تتبعها”، والذي من حقه اختيار المرشد العام وأعضاء مكتب الإرشاد ومحاسبة أعضائه.

وفي اليوم التالي وكرد سريع على قرارات جبهة محمود حسين، أصدر إبراهيم منير نائب المرشد العام والقائم بأعماله قرارًا يقضي بتجميد عضوية جبهة إسطنبول وعدم الاعتداد بكل ما يصدر عنهم، وأشار البيان الصادر عن أعضاء مجلس الشورى العام للإخوان المسلمين المصريين في الخارج والمنشور على موقع “عربي 21” التابع لجبهة منير، إلى إنهم عقدوا اجتماعًا بدعوة من إبراهيم منير لمناقشة التطورات الأخيرة التي تشهدها الجماعة، وإعادة التأكيد على القواعد والنصوص والإجراءات اللائحية، فضلًا عن أعراف العمل داخل الجماعة. وأكدوا أن المنوط بدعوة مجلس الشورى العام للانعقاد هو المرشد العام أو نائبه والقائم بعمله. وشدد نص البيان على أن “ما نُشر منسوبا إلى مجلس الشورى العام على موقع (إخوان أون لاين) -الخارج الآن عن إدارة الجماعة- غير صحيح؛ إذ إن أعضاء مجلس الشورى العام في الخارج أكدوا عدم دعوتهم أو مشاركتهم في اللقاء المزعوم، وعدم إصدارهم لهذا البيان، ويؤكدون رفضهم لكل ما جاء فيه”. 

وفي سياق آخر، أعلنت جبهة منير في وقت سابق وتحديدًا في 11 نوفمبر الجاري عن إطلاق الموقع الإلكتروني الجديد وحمل اسم “إخوان سايت” ليكون منصتها الرسمية الإعلامية الوحيدة لنشر بيانات وأخبار ومواقف الجماعة الإرهابية، ويأتي هذا القرار في ظل احتفاظ جبهة محمود حسين بالموقع الأصلي للجماعة “إخوان أون لاين”، وبذلك أصبح لكلا الجناحين موقع رسمي يحمل اسم “الإخوان” وعدد من القنوات الفضائية والمنصات الإلكترونية الأخرى، فيمتلك “إبراهيم منير” السيطرة على قنوات (الحوار – الشرق – مكملين) وموقع عربي21 وموقع “إخوان سايت”، بينما يملك “محمود حسين” السيطرة على قناة وطن وموقع إخوان أون لاين. ويقوم المحتوى المقدم على تلك المنصات على عدم الاعتراف بالطرف الآخر ومهاجمته والتأكيد على أنه الممثل الوحيد والشرعي للجماعة.

وأشارت تقارير إعلامية إلى أن أبراهيم منير أصدر قرارات بتجميد وتهميش وعزل 51 من قيادات الإخوان المؤيدة لمحمود حسين والمسؤولين عن شركات واستثمارات الإخوان في تركيا، وشملت قرارات منير تهميش وعزل وتجميد 15 من قيادات الإخوان عن شعبة “شيرين إيفلر” بتركيا، وتهميش 8 من قيادات الإخوان المصريين المسؤولين عن شعبة “باشاك شهير”، واستبعاد 12 مسؤولًا إداريًا من مجموعة مجلس الشوري العام، وإيقاف الامتيازات المالية لـ 9 من إخوان شعبة “بيلك دوزو” والتي كانوا ينفقون منها على الإيجارات ونفقات الدراسة، وتوجيه إنذارات لـ8 من قيادات الإخوان بشعبة “باغجلار”، وتكليف الدكتور عبد المنعم البربري بقيادة مجموعة من عناصر الإخوان التابعين لجبهة لندن، لجمع البيانات والمعلومات عن العناصر والقيادات الموالية أو المتعاطفة مع جبهة إسطنبول وتسليمها إلى إبراهيم منير شخصيا، لاتخاذ اللازم نحوها.

استمرار السيولة الإخوانية 

شهدت الأيام الماضية ارتفاع وتيرة التسريبات والتصريحات التي فضحت جزءًا جديدًا من خبايا وأسرار التنظيم، وكان أبرزها تصريحات القيادي الإخواني “محمد العقيد” الهارب إلى تركيا وكشفه كثير من تفاصيل التنظيم وتحديدًا المالية والإدارية مما ساهم في إثارة غضب الكوادر الشبابية الهاربة للخارج، بسبب ما كشفه الصراع الحالي من حجم الأموال المتصارع عليها في ظل الحالة المعيشية السيئة التي تعيشها تلك الكوادر والتي تزداد سوءً يومًا بعد يوم.

فقد قام القيادي الإخواني الهارب للخارج “محمد أسامة محمد العقيد” ببث مقطع فيديو على حسابه الشخصي بموقع التواصل الاجتماعي فيس بوك وأكد في بدايته أنه ليس على اتفاق كامل مع إبراهيم منير، ورغم ذلك خصص المقطع بالكامل لمهاجمة جبهة حسين التي اتهمها بالخيانة. وجدير بالذكر أن “العقيد” من أبرز قيادات الجناح المسلح للإخوان، وصدرت ضده أحكام قضائية عدة من بينها حكم بالإعدام على خلفية تورطه في قضايا متعلقة بالتخابر مع حركة حماس واقتحام السجون والخلايا النوعية المسلحة وتهريب عناصر الإخوان للخارج، وهرب من مصر إلى السودان ثم إلى الصومال ومنها إلى تركيا.

نال “همام علي يوسف” القيادي بجبهة إسطنبول والذراع الأيمن لمحمود حسين جانبًا كبيرًا من هجوم “العقيد”، إذ أكد أنه المسؤول الأول عن تسليم تركيا العنصر الإخواني “محمد عبد الحفيظ حسين” الصادر ضده حكم بالإعدام إلى مصر في فبراير 2019 وأنه رفض نقل زوجته وطفله من الصومال إلى تركيا لولا تدخل عدد من قيادات الجماعة ومساعدة الجانب التركي. وأضاف أنه تعرض لمضايقات وملاحقات من أجهزة الأمن السودانية بسبب وشاية من “يوسف”، وأنه كان يستخدم جواز سفر مزيف باسم “مراد” في السودان والصومال حتى يتمكن من الهروب والتحرك، مؤكدًا أن جبهة إسطنبول كانت على علم بتسليم السلطات السودانية 25 من عناصر الإخوان إلى مصر ولم تحرك ساكنًا، وأن الجبهة أطلقت عليه وآخرين شائعات مفادها أنهم ليسوا إخوانًا وغير صادر بحقهم أحكام بالإعدام لعرقلة انتقالهم لتركيا. 

وحول استثمارات الجماعة في الصومال والسودان، كشف “العقيد” عن وجود شراكات واستثمارات مالية بين الإخوان وتركيا في السودان والصومال، وتم اختيار القيادي الإخواني “محمد الحلوجي” لإدارة الأنشطة الاستثمارية للجماعة في أفريقيا، موضحًا أن “عبد الرحمن الشواف” مساعد المعزول “محمد مرسي” هو المسؤول عن إدارة استثمارات الجماعة مع تركيا بشكل عام. 

ولم تقتصر التسريبات على ما قاله “العقيد” فقط، فقد انتشر خلال الفترة القليلة الماضية تسريب يكشف طريقة تعامل جبهة “إبراهيم منير” مع جبهة إسطنبول والمتعاطفين معها، وتضمنت الخطة التي حملت اسم “بروتوكول التعامل مع إخواننا الساعين بالفرقة” أربع خطوات للتعامل معهم، الأولى، حصر الأفراد الذين يتزعمون حركة الخروج عن القيادة والسير بين الأخوة بالفتنة والبلبلة ورفع الأسماء للمكتب، ثانيًا، حصر المتأثرين بحديثهم من دوائرهم إن أمكن مع تصنيف درجة تأثره، ثالثًا، تحديد كل شعبة لمجموعة من الأفراد العقلاء للحوار مع الشريحة المخالفة. 

وحددت الخطوة الرابعة خطوات التعامل وتدرجها، فتكون البداية بترتيب جلسة استماع من الشعبة الإخوانية لكل فرد على حدة ومناقشته ومواجهته، وضرورة تحديد موقفه من القيادة الشرعية الحالية المتمثلة في “إبراهيم منير” والتنبيه عليهم بضرورة وقف أنشطتهم المثيرة للفتنة وأن أي نشاط أو لقاء أو تجمع تنظيمي خارج إطار الشعبة سيتم التعامل معه من خلال لجنة التحقيق.

ونصت على إنه في حال إصرار المخالفين على موقفهم، يتم تحويل العنصر الإخواني إن كان يتولى منصبًا مسؤولًا سواء تربوي أو إداري أو تنسيقي إلى لجنة التحقيق للبت في أمره وإيقافه عن أي مهام يقوم بها، وفي حال كان العنصر الإخواني غير محمل بأي مسؤولية فإنه يتم توجيه تحذير مكتوب ومحدد إليه، ويتم مراقبة تصرفاته، ويتم تحوليه للجنة التحقيق حال تكرار المخالفة. أما لو كان العنصر الإخواني من الأوجه المعروفة ولكنه لا يحمل مسؤولية فإنه يتم تحويله للتحقيق وإيقافه من كافة الأنشطة التي يقوم بها. 

ختامًا، أصبح في حكم المؤكد أن الصراع الذي تشهده الجماعة الإرهابية حاليًا يقودها بكل السُبل إلى الهاوية التي عملت على تجنب الانزلاق إليها على مدار سنوات عملها، ويمثل الوضع الراهن خطرًا كبيرًا على استقرار الإخوان التي تعيش أجواء هي الأسوأ منذ عام 1928 نظرًا لما كشفه الصراع من عمليات فساد مالية وإدارية كبيرة على مستوى القيادات العليا، بجانب لفظ الجماعة في عدد كبير من دول منطقة الشرق الأوسط وحصار أنشطتها في دول أوروبا ضمن إطار الاستراتيجية الأوروبية لمكافحة الإرهاب، وتحطم معنويات الكوادر الشبابية الإخوانية بعد كشف الوجه الحقيقي لقيادات الجماعة التي طالما تشدقت بشعارات رنانة لا وجود لها. 

وهو ما قد يشير إلى احتمالية قيام عدد من شباب الجماعة بتكوين جناح ثالث يعمل على إزاحة طرفي الصراع يكون مكونه الأساسي من الشباب التابعين لتيار القيادي الإرهابي “محمد كمال” قائد الخلايا النوعية في الإخوان والذي قُتل في مواجهة مع قوات الأمن المصرية عام 2016. أو قيام الكوادر الشبابية برفض تنفيذ أوامر القيادات من كلا الجناحين مما يؤدي إلى فقدان السيطرة على تلك الكوادر، وبالتالي تفكك التنظيم وفشل الجماعة في تنفيذ مخططاتها وهو ما سوف يعجل بانهيارها المؤكد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى