ليبيا

قبيلة “الكراغلة” تكشف كذب “أردوغان” بشأن الليبيين الأتراك

أثارت تصريحات الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” والتي أعتبر فيها سُدس الشعب الليبي من ذوي الأصول التركية، واعلانه  ارسال قوات عسكرية إلى ليبيا من خلال إبرام اتفاقية أمنية مع حكومة “السراج” لحماية المصالح التركية والليبيين الأتراك، موجة من ردود الفعل الغاضبة على المستوى الرسمي والشعبي، بدًء من مجلس النواب الليبي ومروراً بالمظاهرات الشعبية بمختلف المدن الليبية وانتهاءً بمشايخ القبائل الليبية، وقد جاء بيان قبيلة “الكراغلة” في برقه والتي تشكل المكون الأساسي للليبيين الأتراك بمثابة صفعة قوية على وجه النظام التركي.

مجلس مشايخ وأعيان “الكراغلة” في برقة يهاجم أردوغان والسراج 

أصدر مجلس مشايخ وأعيان قبائل “الكراغلة” في برقة، مقطع فيديو وبيانًا مكتوبا وصف فيه تصريحات الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” حول التدخل العسكري في ليبيا بدعوى حماية “مليون” ليبي من أصول تركية هناك بالباطلة والغير مسئولة، وأكد المجلس عدم سماحه لأي دخيل أن يدنس أرض الوطن التي تنتمي له القبيلة منذ قرون، مشيراً إلى أن “أردوغان” الذي وصفه المجلس بـ”المعتوه” قد وجد ضالته في “فايز السراج” رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق ومن معه من الخانعين والدواعش والميليشيات المأجورة، وشدد المجلس في بيانه على تصديه لأي محاولة للتدخل في ليبيا والتأكيد على دعم المشير “خليفة حفتر” قائد الجيش الوطني الليبي.

نشأة “الكراغلة” واحصاءات غير دقيقة 

تعود جذور “الكراغلة” إلى الجنود الانكشاريين الذين جاءوا إلى ليبيا مع بداية الغزو العثماني في العام 1551 وتزوجوا من نساء ليبيات وعرف أطفالهم باسم “كول أوغلي” وتطورت التسمية عبر العصور إلى “الكراغلة”، وينتشر تركمان ليبيا، أو ما يعرفون بـ «Libya Türkleri» فى مدينة مصراتة بشكل خاص، ويتوزع البقية بين مدن أخرى كالعاصمة طرابلس وزليتن والزاوية والخمس وتاجوراء ومْسلاتة وغريان (وجميعها في غرب البلاد) والمرج ودرنة وبرقة (في الشرق)، وتضم «الكراغلية» 13 قبيلة في داخلها وهم “قبيلة بليبلو، وقبيلة الرملة، وقبيلة المقاصبة، وقبيلة عباد، وقبيلة الشواهدة، وقبيلة الزوابى، وقبيلة الجهانات، وقبيلة يدر، وقبيلة الضرارطة، وقبيلة رأس على، وقبيلة الدرادفة وقبيلة الفراطسة، وقبيلة قرارة”.

وهناك تقديرات مختلفة لتعداد “الكراغلة” في ليبيا، فقد أشارت التقارير إلى أن تعدادهم يتراوح ما بين 300 – 350 ألف نسمة، أما ما تسوقه المزاعم التركية عن  وجود قرابة “مليون” ليبي من أصل تركي، فيرى الكثير من المحللين أن هذا الرقم يحوي قدراً كبيراً من المبالغة، لأن السلطات الليبية عند اجراء أخر تعداد سكاني لها في عام 2006 لم تضع المعيار العرقي في حساباتها وإجراءاتها، وإنما الاحصاء الوحيد الذي وضع المعيار العرقي بين معاييره، كان الاحصاء الذي اعدته سلطات الاحتلال الايطالي عام 1936، والذي قدر أعداد الليبيين من أصول تركية بقرابة 35 ألف شخص يتواجد 30 ألف منهم بمنطقة الساحل الغربي، ويتوزع الـ5 الباقين بشرق ليبيا وتحديداً بنغازي ودرنة في ذلك التوقيت.

النظام التركي يحاول استغلال “الكراغلة”  كحصان طروادة

عمل النظام التركي منذ سقوط حكم القذافي، على الترويج للنعرات العرقية واستقطاب ولاء الأتراك الليبيين وغيرهم من أحفاد الاحتلال العثماني في مختلف الدول العربية التي احتلها العثمانيون، وأستغل النظام التركي وسائل التواصل الاجتماعي، وظهرت صفحات تستند في خطابها على عنصر الدين والعرق التركي، وتروج لأمجاد الإمبراطورية العثمانية البائدة، بالإضافة إلى الترويج إلى أن مسألة الاحتلال العثماني للبلدان العربية كان بطلب من أهلها لمحاربة الصليبيين، رغم أن التاريخ يؤكد أن العثمانيون قد استولوا على الدول العربية من أجل السلطة والثروة بعد صراع مع المماليك.

ويحاول أردوغان الاستعانة بالليبيين الأتراك ليكونوا بمثابة  “حصان طروادة” يتم من خلالهم تنفيذ مخططه للاستيلاء على ليبيا التي أصبحت تمثل له كعكة نفطية يسيل لها اللعاب، إذ كون منهم طابوراً خامساً بجانب الإخوان المسلمين والميليشيات المسلحة، إذ ساعدت أنقرة على تأسيس “الجمعية الليبية الكورغلية” في عام 2015 للتذكير بوجودهم وتجميع عرقيتهم بشكل اجتماعي، كما دعمت بعض قادة الليبيين الأتراك في مصراتة بالأسلحة اللازمة، لتنفيذ المهمات التي توكل إليهم في أماكن تمركزهم في مصراتة وطرابلس والزاوية و بنغازى ودرنة، وهى المدن ذاتها التي شهدت  أعنف المواجهات خلال السنوات الماضية، بالإضافة للتصدي لهجوم قوات الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير “خليفة حفتر” على العاصمة طرابلس.

ليس كل “الكراغلة” يدينون بالولاء لتركيا

“الكراغلة” في ليبيا ليس جميعهم يدين بالولاء لأنقرة، لأنهم مجزأون سياسياً، فـ”الكراغلة” في برقة والتي أصدر مجلس شيوخها البيان الذي نحن بصدده في هذا التقرير لا علاقة لهم بـ”الكراغلة” في مدينة مصراتة المدعومة من أنقرة بأي شكل من الأشكال، لأنه تاريخيا سنجد أن قبائل “الكراغلة” في برقة قد استوطن اجدادهم برقة في شرق ليبيا، حتى قبل تكوين دولة ليبيا الحديثة في القرن الماضـي،  إذ استوطن اجدادهم الاتراك والعثمانيون القادمون من تركيا اقليم برقة منذ مجيئهم الى هذه الديار التي اًطلق عليها لاحقا ً على يد الايطاليين اسم (ليبيا الايطالية) 1934م ، ثم (ليبيا المملكة الليبية) بقيادة الملك إدريس السنوسي فيما بعد عام 1951م ، وهم عرب كاملو العروبة من حيث الثقافة والانتماء والولاء فالعروبة بالانتماء والولاء والاستعراب وليست بالعرق والدم والانتساب فقط.

ويعد “كراغلة” مصراتة من أبرز المكونات الديموجرافية في المدينة الواقعة  شرق طرابلس، إذ يشكلون نسبة كبيرة من سكان مصراتة ومن بين الوجوه البارزة في المشهد الليبي الحالي التي تعود أصولها إلى قبائل الكراغلة التركية، رئيس الوزراء في حكومة الوفاق “فايز السراج” ووزير داخليته “فتحي باشا آغا”، وهاتين الشخصيتين دائما يوجه اللوم بشكل كبير لتقاربهما من أنقرة منذ توليهما مهامهما، والذي بدا جلياً أكثر مع بدء المعركة مع الجيش على تخوم العاصمة طرابلس، وينتمي الاثنان “السراج وباشا آغا” إلى عائلات تركية امتهنت التجارة منذ عقود، الأولى وهي عائلة السراج تستوطن في طرابلس منذ أكثر من قرن، بينما عائلة باشا آغا عائلة “كراغلية” معروفة في مصراتة منذ قدومها مع العثمانيين إليها.

والجدير بالذكر أن مجلس قبائل “الكراغلة” في مدينة الزاوية قد أصدر بياناً في إبريل 2019، أعلن فيه دعمه للعمليات العسكرية التى تقوم بها القوات المسلحة لتحرير العاصمة طرابلس، وأن هذه العمليات تعبر عن إرادة الليبيين وطموحاتهم في حياة كريمة وآمنة، ينعمون فيها بخيراتهم وثرواتهم، وتبرأ المجلس من أي أعمال تقوم بها بعض الجماعات لتعرقل أو تقف في وجه القوات المسلحة، مشيرًا إلى أن ما يصدر عن تلك المجموعات من بيانات ومواقف لا يمثل أهالي الزاوية ولا نسيجها الاجتماعي، وبذلك فإن بيان “الكراغلة” في برقة تبرأ بالكامل من محاولات الزج بالليبيين من أصل تركي في حجج أردوغان الواهية لتبرير التدخل العسكري في ليبيا، ورفع ذلك البيان الغطاء الاجتماعي عن الموالين لأنقرة في ليبيا.

القبائل الليبية تنتفض ضد التدخل التركي

في الرابع من يناير الجاري أجتمع أكثر من 1000 شيخ قبيلة ليبية من بينهم قبيلة “الكراغلة” في الزاوية بمدينة بنغازي من جميع المناطق الليبية، للتنديد بموافقة البرلمان التركي على إرسال قوات عسكرية لدعم ميليشيات لسراج في طرابلس، وأعلن شيوخ القبائل المجتمعون عن استعدادهم الالتحاق بقوات الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير “خليفة حفتر” للدفاع عن أمن وسيادة ليبيا.

وشدد شيوخ القبائل على رفض التدخلات الأجنبية في البلاد وأن الصراع الدائر حالياً هو صراع بين “الخير والشر” لاسترداد البلاد  من حالة الفوضى التي زرعتها الجماعات الخارجة عن القانون، مطالبين جموع الشعب الليبي بنبذ الخلافات والاستعداد للدفاع عن ليبيا، وحملوا الخونة مسؤولية جلب الاستعمار التركي للبلاد، وذلك وسط انطلاق احتجاجات شعبية غاضبة في عدة مدن ليبية تزعمها شيوخ القبائل ونشطاء المجتمع المدني والمواطنون، وأكد المتظاهرون عزمهم مقاومة  أي محاولة تركية للتوغل في أراضيهم، والجدير بالذكر أن زعماء القبائل في طبرق وبنغازي ودرنة وبني وليد وزنتان وصورمان والكفرة وأجدابيا وشحات والقبة وعجيلات تازربو وصبراتة ورشفانة وغيرها من القبائل والبلدان الليبية أعلنوا سابقا دعمهم الجيش الوطني الليبي.

ولم يقتصر رد الفعل الرافض للتدخلات التركية على المستوى الشعبي وشيوخ القبائل فحسب، وإنما امتد إلى مجلس النواب الليبي إذ صرح رئيس مجلس النواب الليبي “عقيلة صالح” أواخر ديسمبر 2019 عقب تصريحات “أردوغان” بأن تلك التصريحات غير مسؤولة وتهدف ضرب نسيج الوحدة الوطنية الليبية،  وعقد البرلمان الليبي جلسة طارئة في 4 يناير الجاري أيضاً، أتخذ فيها عدة قرارات هامة هي الغاء اتفاقية التعاون الأمني والعسكري بين حكومة السراج النظام التركي، واحالة “فايز السراج” ووزير الخارجية “محمد سيالة” ووزير الداخلية “فتحي باشاغا” وكل من ساهم في توقيع الاتفاقيتين إلى القضاء بتهمة الخيانة العظمى، وتفويض القيادة العامة للجيش الوطني الليبي بتعطيل المنافذ البرية والبحرية الواقعة تحت سيطرة حكومة الوفاق، وقطع العلاقات مع تركيا واغلاق السفارات بين البلدين، وتخصيص ميزانية طوارئ لصالح الجيش الوطني لليبي بقية 20 مليار دولار، مخاطبة المنظمات الدولية لسحب الاعتراف بحكومة السراج . 

التصعيد التركي مازال مستمرا

في 15 يناير الجاري أدلى وزير الدفاع التركي “خلوصى أكار” بحواراً صحفيا قال فيه أن ليبيا هي جارتنا عبر البحر ومن غير المرجح أن نبقى على الحياد، بينما تتواجد هناك دول ليست جارة مثل الإمارات العربية المتحدة ومصر والمملكة العربية السعودية”، معتبراً  أن السؤال حول سبب وجود الجيش التركي هناك لا معنى له، وحول رفض المشير خليفة حفتر التوقيع على اتفاق وقف اطلاق النار خلال زيارته الأخيرة إلى موسكو، ذكر “خلوصي أكار” أنه لا يعتقد أن أية قوى دولية تريد مواجهة تركيا على الأراضي الليبية وأنه من المبكر للغاية الحديث على أن وقف إطلاق النار قد انهار، مشيراً إلى أنه ربما تم الضغط على “حفتر” ممن يزعجهم الدور المركزي لتركيا وروسيا في الأزمة الليبية.

وفي اليوم التالي أعلن الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” أن بلاده ستبدأ بإرسال قوات عسكرية لدعم حكومة “السراج”، مؤكدًا أن أنقرة ستستمر في استخدام كل الوسائل الدبلوماسية والعسكرية لضمان الاستقرار إلى الجنوب من أراضيها بما في ذلك ليبيا، وأن تركيا ستبدأ في منح تراخيص للتنقيب والحفر في شرق البحر المتوسط العام الحالي، تنفيذاً لاتفاق بحري أبرمته مع حكومة الوفاق الليبية، وكل ذلك يأتي قبيل أيام من اعنقاد مؤتمر برلين حول الأوضاع في ليبيا.

وقد أفادت تقارير صحفية، عن أن تركيا قد بدأت بالفعل في إرسال معدات عسكرية ودفاعية جديدة إلى ليبيا، إضافة إلى إرسال أجهزة اتصال ومعدات إلى الميليشيات الموالية لحكومة الوفاق في العاصمة طرابلس، كما أرسلت خبراء عسكريين جدد إلى طرابلس إلى جانب 40 شخصاً من القوات الخاصة التركية، في وقت نقل مستشارين تابعين لحكومة الوفاق مقر إقامتهم إلى تركيا.

هل تنجح التحركات التركية 

تأتي التحركات التركية بهدف محاولة اثارة الفتنة بين أبناء الشعب الليبي وضرب النسيج المجتمعي هناك، حتى يخلق أرضاً صلبة للقوات العسكرية المخطط ارسالها إلى ليبيا وايجاد قوى دعم لهذه القوات هناك، ولكن لن تنجح تلك الخطوة بسبب أن أغلب الليبيين من أصول تركية قد اندمجوا في المجتمع الليبي بالمصاهرة والمعاشرة، ويمارسون حياتهم انطلاقا من كونهم ليبيين في بلدهم الأم، وليس أتراك يقيمون في ليبيا، ويعد أكبر دليل على ذوبان واندماج العرق التركي في ليبيا هو عدم ظهور أي مظهر من مظاهر الثقافة التركية سواء في المأكل والملبس وغيرها، وذلك بخلاف أن التصعيد التركي الخطير قد أدى إلى توحد الشعب الليبي بمختلف طوائفه خلف قوات الجيش الوطني الليبي.

ولكن رغبة تركيا الأساسية تكمن في منع دخول قوات الجيش الوطني إلى العاصمة الليبية طرابلس، وهذا لا يأتي انطلاقا من التوجهات الايديولوجية لأردوغان المعروفة عنه بدعم تيارات الإسلام السياسي بالمنطقة وعلى رأسها الاخوان المسلمين فحسب، وإنما يأتى انطلاقا من الدفاع المستميت عن المصالح الاقتصادية التركية التي كانت وصلت قبل عام 2011 إلى قرابة  100 مليار دولار في ليبيا، تتضمن 15 مليار دولار استثمارات بقطاع البناء وحده من خلال 120 شركة، وستذهب كل هذه المصالح ادراج الرياح إذا سيطرت قوات الجيش الوطني على العاصمة طرابلس، ومن ثم خسارة الدولة الليبية كحليف استراتيجي بالمنطقة في ظل صراع تركيا مع دول شرق المتوسط على منابع النفط والغاز بمياه البحر المتوسط، كل هذا سيدفع تركيا للضغط بكل الطرق السياسية والعسكرية للحيلولة دون سقوط طرابلس بقبضة الجيش الوطني. 

+ posts

باحث أول بالمرصد المصري

صلاح وهبة

باحث أول بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى