
“سي إن إن” الأمريكية : “آبي أحمد”.. من الحائز على جائزة نوبل إلى “المنبوذ عالميا”
عرض – نسرين الصباحي
أفادت شبكة سي إن إن، الأمريكية في مقال نشرته بعنوان:” From Nobel Laureate To Global Pariah: How The World Got Abiy Ahmed And Ethiopia So Wrong“- من الحائز على جائزة نوبل إلى المنبوذ عالميًا: كيف أخطأ العالم بآبي أحمد وإثيوبيا ؟
وفى هذا السياق، أوضحت، “إليزا ماكينتوش”، منتج أول بشبكة سي إن إن الدولية الرقمية-CNN Digital International، في مقالها المنشور بتاريخ اليوم الموافق 7 سبتمبر 2021، في البداية الحديث عن احتفال الجالية الإثيوبية في واشنطن بشعارات مثل، “آبى، آبى”، حيث هتف الحشد ملوحين بعلم إثيوبيا ذو الألوان الثلاثة وهتفوا كرئيس وزراء جديد للبلاد ، مرتديًا سترة بيضاء مزينة بالذهب ويبتسم على نطاق واسع، ولوحوا إلى ملعب كرة سلة مزدحم في جامعة جنوب كاليفورنيا في لوس أنجلوس، كجزء من جولة سريعة في ثلاث مدن بالولايات المتحدة لجذب الشتات في يوليو 2018 بعد ثلاثة أشهر فقط من تعييّن أبي أحمد زعيمًا لثاني أكبر دولة في إفريقيا من حيث عدد السكان، وكان نجمه ساطع في الداخل والخارج، وكانت الإثارة تتصاعد إلى حماسة شبه دينية حول الشاب السياسي، الذي وعد بإحلال السلام والازدهار والمصالحة في زاوية مضطربة في إفريقيا ودولة على شفا أزمة.
موجة الإصلاحات
أشار المقال إلى قيام “آبى أحمد” بموجة من الإصلاحات الطموحة في بداية حكمه ومنها إطلاق سراح الآلاف من السجناء السياسيين، ورفع القيود المفروضة على الصحافة، والترحيب بعودة المنفيين، وحظر أحزاب المعارضة، وتعييّن النساء في مناصب حكومية، فتح اقتصاد البلاد أمام استثمارات جديدة والتفاوض على السلام مع دولة إريتريا المجاورة.
التشكك حول سياسات “آبى أحمد”

في مقابلة هاتفية أُجريت مؤخرًا، قال “كيدان ماريام”، نائب رئيس البعثة الإثيوبية في واشنطن إنه مثل العديد من الإثيوبيين، كان يأمل أن يتمكن “آبى أحمد” من تغيير السياسات المتصدعة في البلاد والدخول في تغيير ديمقراطي حقيقي، لكنه كافح من أجل التوفيق بين فهمه للرجل الذي التقى به لأول مرة في عام 2004- والذي وصفه بأنه ضابط مخابرات متعطش للسلطة مهووس بالشهرة والثروة – مع ظهور صورة صانع سلام ذي رؤية من بدايات متواضعة.
كما كتب كيدان ماريام في رسالة مفتوحة في مارس 2021، أعلن فيها استقالته من منصبه كنائب رئيس البعثة في السفارة الاثيوبية في واشنطن، احتجاجا على سياسات آبى أحمد في الحرب في إقليم تيجراي، وتداعياتها من أزمة اللاجئين والفظائع والمجاعات. بالإضافة إلى ذلك، حديثه لشبكة CNN إنه يعتقد أن تركيز آبى أحمد لم يكن حول الإصلاح أو الديمقراطية أو حقوق الإنسان أو حرية الصحافة، إنه ببساطة تعزيز سلطته لنفسه، والحصول على أموال منها … قد نسميها استبدادية أو دكتاتورية، لكنه سيصبح ملكًا حقًا”.
مثال الجحيم وتغيير صورة “آبى أحمد”

وتابع المقال بأن الصورة تغيرت منذ حصول آبى جائزة نوبل للسلام في نوفمبر 2019، حيث قال للجمهور في أوسلو، النرويج، أن “الحرب هي مثال الجحيم”، وفي أقل من عامين، انتقل آبى أحمد من محبوب المجتمع الدولي إلى منبوذ، مدانًا لدوره في قيادة حرب أهلية طويلة الأمد والتي تحمل بصمات الإبادة الجماعية ولديها القدرة على زعزعة استقرار منطقة القرن الأفريقي وشرق أفريقيا بأكملها.
ولكنّ، الدبلوماسيين والمحللين والصحفيين الإثيوبيين المستقلين وغيرهم ممن تابعوا حياته المهنية عن كثب يقولون إنه حتى في ذروة ظاهرة “أبيمانيا” التي عُرف بها آبى أحمد، كانت هناك إشارات تحذير من سياساته. وبرغم ذلك، حصل آبى أحمد بتأييد دولي كبير، ولم يفشل الغرب فقط في رؤية أو تجاهل عمدًا تلك الإشارات، بل تم غض الطرف وتجاهل هذه الإشارات.
وفى هذا الإطار، قالت تسيدال ليما، مؤسس ورئيس تحرير مجلة أديس ستاندرد، وهي مجلة إخبارية شهرية مستقلة مقرها إثيوبيا، لشبكة سي إن إن على سكايب: “بعد فترة وجيزة من تتويج آبى أحمد بجائزة نوبل للسلام، فقد حماسه لمتابعة الإصلاح الداخلي، وفعل ما يشاء”. كما حذّرت في وقت سابق من تهميش عناصر رئيسية في مُبادرات السلام وعمليات المصالحة التي قام بها آبى أحمد مع دولة إريتريا، واستبعاد تحديدًا الجبهة الشعبية لتحرير التيجراي (TPLF)، ومع وصوله للسلطة، أعلن عن إعادة ترتيب الائتلاف الحاكم الذي أسسته الجبهة الشعبية الثورية الإثيوبية (EPRDF)، التي كانت تتألف من أربعة أحزاب- في حزب واحد جديد للازدهار، واستبعاد جبهة التيجراي من هذا الائتلاف.
مخاوف من تفكك الفيدرالية الإثينية
أوضح المقال أن الهدف من مجيء “آبى أحمد”، تهدئة التوترات. وبدلاً من ذلك، أثار سعيه لإنشاء حزب سياسي جديد لعموم إثيوبيا مخاوف في بعض المناطق من أن النظام الفيدرالي في البلاد الذي يضمن استقلالًا ذاتيًا كبيرًا للدول المحددة عرقيًا، مثل تيجراي، كان تحت التهديد.
ولم يكن التيجراي الوحيدون الذين كانوا قلقين، ولكنّ أوروميا، ومناطق إدارية أخرى، وبدأ الناس يطالبون بالحكم الذاتي، وسرعان ما بدأت الحكومة في التراجع عن الممارسات الاستبدادية التي تخلى عنها آبي ذات مرة من قمع عنيف للمتظاهرين، وسجن الصحفيين والسياسيين المعارضين، وتأجيل الانتخابات مرتين، مما أنتج أجندات متضاربة وزيادة في حدة التوترات، ووصلت التوترات إلى نقطة الاشتعال في سبتمبر 2020 عندما تحدى التيجراي سياسات آبى أحمد من خلال إجراء تصويت على الانتخابات ، مما أدى إلى سلسلة من الاتهامات المتبادلة التي امتدت إلى صراع شامل في نوفمبر 2020.
وفي يوليو 2021، في خضم الحرب، حقق آبى وحزبه فوزًا ساحقًا في الانتخابات العامة التي قاطعتها أحزاب المعارضة، وشابتها مشكلات لوجستية واستبعدت العديد من الناخبين، بما في ذلك جميع الناخبين في تيجراي – وهي خيبة أمل ساحقة للكثيرين الذين كانت لديهم آمال كبيرة في أن يتحقق التحوّل الديمقراطي الذي وعد به آبى قبل ثلاث سنوات.

خطأ في التحليل
لا يزال العديد من الإثيوبيين مترددين في إلقاء اللوم على انهيار البلاد لآبى أحمد، وقبل الانتخابات في يونيو 2021، قال سكان في أديس أبابا لشبكة CNN إنهم شعروا أن آبى أحمد ورث فوضى من النظام السابق وكان يُواجه دائمًا معركة شاقة لدفع الإصلاحات إلى الأمام – وهو تقييم يشاركه بعض الخبراء الإقليميين.
وعلاوةً على ذلك، قال ويليام ديفيدسون، كبير محللي إثيوبيا في مجموعة الأزمات الدولية: “أن الكثير من الناس كانوا يأملون في أن تكون التغييرات الليبرالية، بعد تلك السنوات من الاحتجاجات المناهضة للحكومة وكل عنف الدولة ردًا على ذلك، وبمثابة لحظة تبدأ فيها إثيوبيا في إدارة سياساتها بشكل أكثر سلميةً”.
وخلال الأشهر الأخيرة، حاول “آبى أحمد” تفادي الإدانة الدولية من خلال التعهد بحماية المدنيين، وفتح وصول المساعدات الإنسانية لدرء المجاعة وطرد القوات الإريترية، الذين دعموا القوات الإثيوبية في الصراع، وبعد أن أصدرت الولايات المتحدة عقوبات في مايو 2021، ندّدت وزارة الخارجية الإثيوبية التدخل في شؤونها الداخلية وسوء فهم التحديات الكبيرة على الأرض.

ويقول الخبراء إن الحرب التي وضعت جانبًا من الخسائر في الأرواح والدمار داخل تيجراي، أدت إلى تآكل خطط التنمية لآبى أجمد، وأخرجت البلاد عن المسار المُخطط له، حيث نما الاقتصاد الإثيوبي بما يقرب من 10٪ خلال العقد الماضي، قبل أن يتباطأ خلال عام 2020 نتيجة مزيج من جائحة كوفيد-19 والديون والصراعات. كما استنزفت الحرب الخزينة الوطنية، وأهلكت شريحة كبيرة من صناعة البلاد، وقوضت صورتها بين المستثمرين الأجانب والمؤسسات المالية.
الملك السابع للحبشة
استعرض المقال، خطاب “آبى أحمد”، الافتتاحي أمام البرلمان في 2018، حيث حرص “آبى أحمد” على شكر والدته، وهي مسيحية من منطقة الأمهرة، التي قال إنها أخبرته وهو في السابعة من عمره أنه على الرغم من خلفيته المتواضعة، سيكون يومًا ما ملك إثيوبيا السابع، وقُوبلت الملاحظة بجولة من الضحك من أعضاء حكومته، لكنّ إيمان آبى بنبوة والدته لم تكن مزحة.

ويقول منتقدو آبى أحمد إن ما رسخ مكانته كصانع سلام على المسرح العالمي كان مبنيًا على مهزلة، وأن التحالف مع إريتريا كان محاولة أخرى لتوطيد سلطته، مما يمهد الطريق للجانبين لشن حرب ضد عدوهما المشترك “التيجراي”، وبعد فترة وجيزة من إعادة فتح الحدود بين إريتريا وإثيوبيا في عام 2018، لم شمل العائلات بعد 20 عامًا، وأغلقت مرة أخرى بعد مرور ثلاث سنوات، حيث تعمل القوات الإريترية في تيجراي مع الإفلات من العقاب، ولا توجد مؤشرات تذكر على السلام الدائم.
وفى هذا المنظور، يعتقد “مهاري تاديل مارو”، أستاذ الحوكمة والهجرة في معهد الجامعة الأوروبية، الذي كان متشككًا في اتفاق السلام في وقت مبكر – وهو رأي لم يحظى بشعبية كبيرة في ذلك الوقت – أن تأييد لجنة نوبل لآبى قد ساهم في الصراع الحالي.
بالإضافة إلى ذلك، كانت اللجنة تؤسس قرارها على اتفاق سلام تم وضعه على بداية خاطئة، ولم يتحقق فقط ولكن ربما لا يمكن تحقيقه واتفاق لم يكن معنيًا بالسلام بل للحرب، وما فعله آبى أحمد، لم يكن القصد منه إحلال السلام، ولكنّ، لتنفيذ الحرب، على التيجراي من الجنوب والشمال. واخَتتم المقال بأنه في الوقت الحالي، مع مواجهة إثيوبيا مجاعة من صنع الإنسان وحربًا بلا نهاية يقف آبى أحمد وحيدًا، معزولًا إلى حد كبير عن المجتمع الدولي والحلفاء، ويقول مناصرو آبي وأنصاره الأوائل إنه لم يضلل العالم فحسب، بل ضلل شعبه أيضًا – وهم يدفعون الآن ثمنًا باهظًا، وقاد آبى أحمد إثيوبيا إلى طريق مظلم نحو الدمار والتفكك.



