أفريقيامكافحة الإرهاب

تحوّل جذري: الاتجاهات المتصاعدة لاحتواء نشاط حركة الشباب في الصومال

حشد الرئيس الصومالي “حسن شيخ محمود” آلاف الأشخاص في الثاني عشر من يناير 2023 في العاصمة مقديشو؛ للوحدة الصومالية ودعم الحرب الشاملة التي أُعلن عنها عام 2022 على حركة شباب المجاهدين أو حركة الشباب التابعة لتنظيم القاعدة، في إطار الضغط على الحركة من كافة الاتجاهات، بما في ذلك الجوانب المادية والمعنوية.  

وتتخذ الحكومة الصومالية إجراءات هجومية ضد حركة الشباب بعد عقود من الصراع، وذلك بدعم الولايات المتحدة وقوات الاتحاد الأفريقي، مما يجعلها أهم مسار عمل ضد حركة الشباب منذ أكثر من اثني عشر عامًا. في أغسطس 2022، ضمت الحكومة الجديدة للوزراء “مختار روبو” الذي لعب دورًا قياديًا في حركة الشباب، وخلال الفترة الأخيرة استطاع الجيش الصومالي استعادة الأراضي التي سيطرت عليها حركة الشباب لسنوات. ضمن هذا الإطار سيتم توضيح الأزمات والتحديات التي كانت بيئة ملائمة لتمدد نشاط حركة الشباب، وآليات المواجهة في ظل الرئيس الصومالي الجديد، وما تم تحقيقه على أرض الواقع في معركة الحرب على الإرهاب

أزمات متتالية وتحديات مُتشابكة   

تعصف بالصومال -الدولة الواقعة في شرق أفريقيا- مجموعة من الأزمات في سلسة متتالية دون توقف للتعافي من أزمة إلى أخرى، وفي مقدمتها: أزمات ارتفاع أسعار السلع الغذائية، وتفاقم حدة المجاعات، وتزايد موجات النزوح واللجوء، والمعاناة الإنسانية. فضلًا عن التحديات المتشابكة من: الإرهاب، والصراعات الداخلية المسلحة، والتداعيات السلبية للتغير المناخي، والانقسامات العشائرية، ومشكلة إعلاء الولاءات القبلية دون الوطنية على حساب الولاء الوطني، لتُشكّل في النهاية أرضًا خصبة لنشاط التنظيمات الإرهابية وفي مقدمتها حركة الشباب وما يتصل بها من أنشطة أخري من العصابات الإجرامية وأنشطة التهريب والقرصنة، ويمكن توضيح ذلك على النحو التالي:           

• انعدام الأمن الغذائي وتفاقم حدة المجاعات: في عام 2022، واجهت البلاد أزمة غذاء مدمرة بعد خمسة مواسم مطيرة متتالية دون المتوسط؛ إذ واجه حوالي 6.7 ملايين شخص (41% من السكان) الجوع الشديد. ومنذ مايو 2022، يعاني أكثر من 134000 شخص في الصومال من انعدام الأمن الغذائي الحاد، لا سيما في المناطق الريفية. وأفادت تقارير الأمم المتحدة أن أكثر من نصف أطفال البلاد يعانون من سوء التغذية الحاد. علاوة على ذلك، واجهت وكالات الإغاثة تحديات خطيرة في إيصال المساعدات بسبب تفاقم حدة الصراعات الداخلية، والهجمات المستهدفة من قبل حركة الشباب على عمال الإغاثة، والقيود التي يفرضها أطراف الصراع، بما في ذلك الضرائب التعسفية والعقبات البيروقراطية.         

• التداعيات السلبية للتغير المناخي وتزايد موجات النزوح واللجوء: واجه الصومال موسم الأمطار الخامس على التوالي الذي يقل عن المتوسط. أدى الصراع المستمر وانعدام الأمن، إلى جانب أنماط الطقس المتطرفة -التي يزداد حدتها وتكرارها بسبب تغير المناخ- إلى تفاقم ارتفاع أسعار الغذاء، وتفاقم مواطن الضعف القائمة لدى المجتمعات، حيث يعتمد الصومال بشكل كبير على واردات الغذاء، يأتي ما يصل إلى 90 % من إمدادات القمح من روسيا وأوكرانيا.

بالإضافة إلى ذلك، نفقت ثلاثة ملايين رأس من الماشية في عام 2022 بسبب موجات الجفاف، مما أثر بشدة على وصول المجتمعات الرعوية والزراعية إلى الاحتياجات الأساسية. في هذا السياق تزيد ظاهرة الاحتباس الحراري من معدلات العنف؛ إذ يؤدي الارتفاع في درجات الحرارة إلى موجات حر شديدة، وزيادة معدل التبخر، وتجفيف الآبار وفشل إنتاج المحاصيل الزراعية في الصومال وتحديدًا في وسط وجنوب البلاد. علاوة على ذلك، تشير التوقعات الحالية إلى أن الصومال سيشهد ارتفاع متوسط درجات الحرارة فوق المتوسط العالمي، حيث يرتفع بين 3.2٪ و4.3٪ بحلول عام 2100. 

ووفقًا لمنظمة أوكسفام، يحتل الصومال المرتبة 172 من أصل 182 دولة في القدرة على التعامل مع التغير المناخي، وأدى أسوأ جفاف منذ ما يقرب من 50 عامًا إلى دفع أكثر من 7 ملايين شخص إلى حافة الجوع ونفوق حوالي 3 ملايين من الماشية. ومنذ يناير 2022، نزح ما يقرب من مليون شخص، وأصبحت آثار التغير المناخي أكثر حدة منذ مايو 2022 فعانى حوالي 6 ملايين شخص من حالات طوارئ الجفاف الناتجة عن أربعة مواسم متتالية.

• الانقسامات العشائرية والقبلية والصراعات المحلية على الموارد: استغلت حركة الشباب هذه الانقسامات وقامت بابتزاز ملايين من سكان المجتمعات المحلية وتحديدًا الريفية والشركات في إطار سعي الحركة إلى فرض الخلافة الإسلامية؛ إذ تعد الانقسامات العشائرية مصدرًا للصراع تُستخدم لتقسيم الصوماليين، وتأجيج الاشتباكات على الموارد والسلطة، وتُستخدم لتعبئة الميليشيات، وتجعل من الصعب جدًا تحقيق المصالحة على نطاق واسع. دارت معظم الاشتباكات المسلحة في الصومال منذ عام 1991 باسم العشيرة، وغالبًا ما كان ذلك نتيجة لتلاعب الزعماء السياسيين بالعشيرة لتحقيق أغراضهم الخاصة. ومع ذلك، فإن شيوخ العشائر التقليدية هم مصدر أساسي للوساطة في النزاعات والصراعات، والقانون العرفي القائم على العشيرة يخدم كأساس لتسوية النزاعات وإدارة وحل الصراعات.  

في هذا الصدد، شهدت العشائر المختلفة في منطقة “باي” صراعات مع مرور الوقت مع المجتمعات الرعوية التي تتولى القيادة وبشكل أكثر تحديدًا، تم تسجيل العديد من النزاعات بين العشائر في منطقة “بيدوا “داخل قبيلة ديجيل وميريفلي والقبائل الفرعية التي تتقاتل على الموارد والقضايا السياسية، وهذا مثال على الانقسامات للتوضيح وليس للحصر، وتُظهر النتائج أن الصراعات غالبًا ما تكون على ملكية الأرض والمراعي والمياه، وتقاسم السلطة السياسية، كما يعمل التغير المناخي على تفاقم حدة الصراعات القائمة وتفجير صراعات جديدة. 

وفقًا للأزمات والتحديات السابقة، تمثلت السياسة الشاملة لحركة الشباب في تجنب الصراع العسكري المباشر بأي ثمن، والحفاظ على السيادة في المناطق الريفية في جنوب وسط الصومال، وتوسيعّ نطاق وصولها تدريجيًا إلى المدن والبلدات التي تبدو ظاهريًا تحت سلطة الحكومة. 

تحوّلات نوعية        

على مدى الأشهر القليلة الماضية، عززت القوات الحكومية الصومالية مكاسبها ضد حركة الشباب في هجوم واسع النطاق في المناطق الوسطى، في ظل محاربة الحكومة الصومالية الحركة ماديًا من خلال إيقاف 250 حسابًا مصرفيًا خاصًا بالمقاتلين في الحركة لوقف تمويلها. ويحاول الرئيس المنتخب حديثًا حسن شيخ محمود وإدارته استعادة الثقة في قدرة الجيش الصومالي على مواجهة مقاتلي حركة الشباب، والحرص على الحصول على الدعم الشعبي لهذه الجهود. 

وصرح نائب وزير الدفاع عبد الفتاح قاسم في التاسع من يناير 2023 بأن “حركة الشباب طلبت فتح المفاوضات والحوار مع الحكومة الصومالية، لكن هناك مجموعتان داخل حركة الشباب؛ الجزء الأول من الأجانب، والجزء الثاني من الصوماليين المحليين. هؤلاء السكان المحليون لديهم فرصة لفتح المفاوضات، لكن هؤلاء الأجانب الذين غزوا بلادنا ليس لهم الحق في المحادثات. الخيار الوحيد هو العودة بالنسبة للصوماليين، نحن على استعداد لاستقبالهم، لأنهم على استعداد للاستسلام للحكومة الصومالية”. وخلص إلى أن عليهم اتباع تعليمات الحكومة وإعادة الاندماج في مجتمعهم أو مواجهة الجيش الوطني الصومالي في الخطوط الأمامية”، ولكن نفى مسؤول إعلامي في حركة الشباب ذلك، وقال إنه لا يوجد حديث بينهم وبين الحكومة الصومالية. يمكن توضيح ذلك كالتالي:         

• هجمات القوات الحكومية والميليشيات المتحالفة معها: في يوليو 2022، تمردت الميليشيات العشائرية المحلية المعروفة باسم ميليشيات ماكاويسلي(Macawisley) ضد حركة الشباب في أجزاء من وسط الصومال، وفي ذلك الوقت أرسل الرئيس “شيخ محمود” قوات لدعمها في أغسطس 2022، واستطاعوا استعادة مساحة كبيرة من الأراضي في ولايتي جالمودوغ وهيرشابيل بدعم من قوات الاتحاد الأفريقي (أتميس) والولايات المتحدة الأمريكية. لكن وقع الهجوم الأكثر دموية خلال السنوات الخمس الماضية بالصومال في 29 أكتوبر 2022، حيث قُتل أكثر من مائة شخص في العاصمة مقديشو بانفجارين في وزارة التربية والتعليم، وفي نفس الشهر أيضًا أسفر تفجير ثلاثي في مدينة بلدوين عاصمة إقليم هيران عن مقتل 30 شخصًا، بينهم مسؤولون محليون. في 27 نوفمبر 2022، قُتل ثمانية مدنيين خلال حصار دام 21 ساعة على فندق “فيلا رايز” بالعاصمة مقديشو بالقرب من القصر الرئاسي (يعتبر هذا الفندق شديد التحصين).   

• الانخراط الأمريكي النشط: بناءً على طلب من الحكومة الفيدرالية الصومالية، شنت القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم) غارة جوية في 23 ديسمبر 2022 لدعم اشتباكات الجيش الوطني الصومالي ضد حركة الشباب على بعد 248 كيلومترًا شمال شرق مقديشو بالقرب من كادالي. في هذا السياق، تتخذ الحكومة الصومالية وقيادة (أفريكوم) تدابير كبيرة لمنع سقوط ضحايا من المدنيين، حيث تعتبر حماية المدنيين جزءًا أساسيًا من عمليات القيادة لتعزيز قدر أكبر من الأمن لجميع المجتمعات. 

ومن الملاحظ زيادة الضربات الجوية الأمريكية في الصومال بنسبة 30% في عام 2022، فزادت إدارة “بايدن” من التدخل الأمريكي في الصومال بعد التراجع عن الخطوة التي اتخذتها إدارة “ترامب” لسحب القوات الأمريكية من الصومال؛ إذ نفذ البنتاجون 15 غارة جوية في عام 2022 على حركة الشباب، وفقًا لمجلة The Long War Journal. وقالت قيادة أفريكوم إن الضربات قتلت ما لا يقل عن 107 من مقاتلي حركة الشباب. وقدمت الولايات المتحدة معدات بقيمة 9 ملايين دولار للجيش الوطني الصومالي، وشملت الحزمة أسلحة ثقيلة، ومركبات دعم إنشائية، وأطقم التخلص من الذخائر المتفجرة، وإمدادات طبية، ومعدات صيانة للمركبات والأسلحة.    

• استعادة مدن وبلدات استراتيجية: عملت القوات الصومالية على استعادة المدن والبلدات التي كانت تُسيطر عليها حركة الشباب مثل مدينة ماساغاوا في منطقة غالغودود الوسطى (كانت تحت سيطرة الحركة لمدة 15 عامًا). تأتي إعادة ماساغاوا في أعقاب استعادة منطقة رونيرجود جنوب البلاد في ديسمبر 2022 بعد ست سنوات من السيطرة عليهم. في حين تعد استعادة مدينة هاراديري الساحلية انتصارًا كبيرًا في القتال ضد حركة الشباب، حيث كانت قاعدة للقراصنة الصوماليين ومصدر تمويل رئيس لحركة الشباب من خلال فرض الضرائب على السلع المستوردة والهجمات على السفن. لذلك استعادة هذه المدينة خطوة مهمة كجزء من خطة إضفاء اللا مركزية على الإدارة، لأهمية المدينة في تسهيل حركة الأشخاص والبضائع لأن هذه المناطق كانت مغلقة عن بقية البلاد لفترة طويلة.              

على الرغم من الإجراءات والجهود السابقة، أعلنت حركة الشباب مسؤوليتها عن الهجوم المزدوج في الرابع من يناير 2023 بمنطقة هيران جنوب وسط الصومال مسرح الهجمات السابقة. وكان المكتب الإعلامي لحركة الشباب قد أعلن مسؤوليته عن الهجوم في بيان أكد فيه أنه موجه ضد المليشيات والجنود المرتدين.  وتواصل الحركة مهاجمة المقرات العسكرية والمباني الحكومية والفنادق. بالإضافة إلى أنه على الرغم من إجبار حركة الشباب على الخروج من مقديشو وغيرها من المراكز الحضرية الرئيسة منذ أكثر من عقد من الزمن، لا تزال الحركة راسخة في أجزاء من المناطق الريفية في وسط وجنوب الصومال.           

حاصل ما سبق، على الرغم من التقدم الذي أحرزته القوات الحكومية الصومالية ضد حركة الشباب، فإن تعزيز تلك المكاسب والوفاء بوعود السلطات للمجتمعات المحلية سيظل يُمثل تحديًا كبيرًا. وقد تراجعت آفاق المشاركة مع الجماعات المسلحة في خضم الصراع الحالي، على الرغم من أن حركة الشباب أظهرت في الماضي أنها لديها مرونة. ولا يزال تفاقم الوضع الإنساني بسبب تداعيات التغير المناخي، وارتداداتها على أزمات المجاعة وتدهور سُبل العيش وتغيير أنماط الحركة الرعوية وتكتيكات الجماعات المسلحة. لذا، يُمثل الصومال مفتاح الاستقرار والأمن في منطقة شرق أفريقيا لدوره المهم في الجغرافيا السياسية للمنطقة، والتشابك مع قضايا عالمية مثل: السلام والأمن، والأمن الغذائي، وتغير المناخ.  ومن هنا تبرز أهمية ضرورة الحفاظ على الأراضي المحررة من حركة الشباب الذي يظل تحديًا كبيرًا أمام الحكومة الصومالية والمجتمعات المحلية. وعليه، ستحتاج الحكومة لبناء ثقة المجتمعات المحلية وتأسيس وجود سريع لضمان عدم وقوع هذه المناطق المحررة حديثًا في أيدي الحركة مرة أخرى من خلال زيارات لقادة الحكومة لهذه المناطق، وتعزيز وجود القوات هناك لتجنب الخسارة مرة أخرى. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى