السودانأفريقيا

“توغل إثيوبي جديد”: لماذا تصاعد التوتر الحدودي في الفشقة؟

أعلن الجيش السوداني عن صدّه لهجوم بالأسلحة الثقيلة من ميليشيات “الشفتة” وعصابات الأمهرا التابعة للجيش الفيدرالي الإثيوبي يوم السبت المُوافق 27 من نوفمبر 2021، إذ تعرضّت القوات المُسلحة السودانية الموجودة بمنطقة الفشقة الصغرى وتحديدًا بمنطقة بركة نورين تجاه مستوطنة مالكامو الإثيوبية أثناء تأمين هذه القوات عملية الزراعة وموسم الحصاد لهذا الهجوم الدامي، فضلًا عن استهداف المزارعين وترويعهم وعمليات التوغل الداخلي وإفشال موسم الحصاد.  فماذا حدث على الحدود؟ وما دوافع الهجوم؟ وماهي أبرز تحركات الجيش السوداني لردع وتحجيم الأطماع الإثيوبية المُتكررة؟             

ونتج عن الهجوم الذي استمر لمدة 8 ساعات مقتل 21 من الجيش السوداني بينهم ضابط برتبة رائد وملازم أول، ومقتل ٤٠ مسلحًا من الجانب الإثيوبي، وإصابة أكثر من 30 شخصًا من الجانب السوداني. وارتفع عدد القتلى من الجانب السوداني منذ أبريل 2020 إلى 90 قتيلًا، ولكنّ نفت إثيوبيا هذا الهجوم، وحمّلت مسؤولية الهجوم للمتمردين من الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي.

دوافع التوغلات الإثيوبية          

تعمل الميليشيات المدعومة من حكومة أديس أبابا على اختطاف الرُعاة والمزارعين السودانيين وتُطالب بفدية مالية مُقابل إطلاق سراحهم، خصوصًا عند اقتراب فصل الخريف وموسم الحصاد، وبذلك أضحت منطقة الفشقة مسرحًا للاشتباكات المُسلحة والاتجار والتهريب.

ويعود سبب التوتر الحدودي إلى أن إثيوبيا تُطالب بإعادة ترسيم الحدود مع السودان، في وقت تتطلع الخرطوم إلى وضع علامات الحدود وليس إعادة ترسيمها، قائلة إنها تملك كافة الوثائق التي تثبت أن ترسيم الحدود بين البلدين أمر محسوم بالفعل، لكن إثيوبيا ترفض الاعتراف بترسيم الحدود الذي تم عام 1902، وتطالب بإعادة التفاوض بشأن الأراضي الحدودية المتنازع عليها.

ويأتي الهجوم بعد مرور عام من استعادة الجيش السوداني حوالي 95% من أراضي الفشقة الصغرى في ولاية القضارف في نوفمبر 2020، وقام بتطهير جبال استراتيجية والتمركز فيها مثل جبل أبو طيور، وبدء عمليات استزراع هذه الأراضي في 3 يوليو 2021. وعلاوةً على ذلك، عمل السودان على تكثيف حضوره العسكري والاقتصادي بمنطقة الفشقة، وتمثل ذلك في إقامة مشروعات التنمية ذات الأولوية، وإنشاء العديد من الجسور والمنشآت والطرق وحفر الآبار لتسهيل عملية التطوير والتنمية في المنطقة.

ويأتي الاشتباك الحدودي الأخير في وقت يواجه فيه البلدان تحديات داخلية من تقدم قوات الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي وزحفها نحو العاصمة أديس أبابا، وحالة الانتقال الديمقراطي المتعثّرة في السودان. وجاءت التوغلات الأخيرة بهدف:                              

إفساد موسم الحصاد: في موسم الخريف الحالي يتم حصاد محصول 10 آلاف فدان من مساحات الأراضي الزراعية السودانية التي تعد من أخصب الأراضي الزراعية في العالم، وجاء الهجوم بغرض إفشال الحصاد وعدم الاستفادة من استرداد الأراضي السودانية في ظل دعم الميليشيات والقوات الإثيوبية والقوات الإريترية التي تم تجميعها من عدة مناطق وقدر عددها ما يُقرب من 6000 مقاتل، للقيام بهذه التوترات المُتكررة في هذا التوقيت.        

إعاقة تقدم التيجراي: ترغب حكومة أديس أبابا في قطع الطريق أمام تقدم قوات جبهة تيجراي إلى منطقة بحر دار الإثيوبية، ومنع أي دعم محتمل لقوات التيجراي عبر الحدود في الفشقة من خلال وقف إمدادات السلاح لهم وخلق مسرح عملياتي جديد لإعاقة تقدمهم، ومحاولة الالتفاف حول “آبى أحمد” وضرب جبهة التيجراي من الخلف، وتخفيف الضغوط على قواتها المسؤولة عن تأمين العاصمة أديس أبابا من خلال نقل الحرب إلى منطقة الفشقة، وتأمين الحدود الغربية في منطقتي عفر وأمهرا لتعزيز تقدم قوات الجيش الإثيوبي إلى مناطق إقليم تيجراي ونقاط أخرى على هذه الحدود.                      

آليات مُواجهة الاستفزازات الإثيوبية    

قام السودان مؤخرًا بمجموعة من الجهود والإجراءات لردع وتحجيم الهجوم والاعتداءات الإثيوبية المُتكررة على الحدود بمنطقة الفشقة، وتمثلت في تعزيز الحشود العسكرية لتأمين المنطقة، وإغلاق المعبر الحدودي بين البلدين لتجنب تدفقات اللاجئين جراء الصراع الدائر في إقليم تيجراي، فضلًا عن زيارات رفيعة المستوي للمنطقة، وقد ذكرنا في مقال سابق أهم آليات المواجهة السودانية من التحركات العسكرية وحملات إعادة الأراضي، ويمكن توضيح ذلك، كما يلي:

• تعزيزات عسكرية: قام الجيش السوداني بتحصين المنطقة في وقت سابق عن الهجوم الأخير، وسيكون هناك خلال الأيام القادمة مجموعة من التعزيزات العسكرية على الحدود للتصدي لأي هجوم، وتم تفريغ منطقة “ملكامو” الحدودية من الميلشيات الإثيوبية التي تكبدت خسائر في الأرواح والمعدات، وعدد من القتلى والجرحى في جانب القوات الإثيوبية، فضلًا عن الدفع بقوات لدعم المنطقة بقيادة مدير الاستخبارات العسكرية الجديد، اللواء “محمد صبير” قبل زيارة “البرهان” الأخيرة للمنطقة. 

•إغلاق معبر “القلابات”: قام السودان بإغلاق هذا المعبر الحدودي بين إثيوبيا والسودان، وتم نشر أفراد عسكريين على الحدود في ظل أزمات تدفق اللاجئين جراء الصراع في تيجراي، وتداعيات الحروب الأهلية المتفرقة بين الأقاليم المختلفة في إثيوبيا، حيث تنقسم معسكرات اللاجئين في ولايات كسلا والقضارف السودانية، وتوجد حالة من الاستعداد والتأهب من الدوريات ونقاط التفتيش.

• دلالات زيارة “البرهان”: زار رئيس مجلس السيادة القائد العام للجيش السوداني الفريق أول ركن “عبد الفتاح البرهان” على الفور منطقة الفشقة الصغرى لتفقد القوات المسلحة والخطوط الأمامية على الحدود الشرقية، يوم الاثنين الموافق 29 نوفمبر 2021، وهي منطقة ذات أهمية قصوى بالنسبة للسودان في ظل استعادتها من القوات الإثيوبية.

وأكدّ “البرهان”، أن “الفشقة أرض سودانية خالصة، ولن نفرط في شبر من أراضينا”. وعملت الزيارة على رفع الروح المعنوية للقوات المُسلحة السودانية، وتوصيل رسائل للميلشيات الإثيوبية بعدم تهاون الجيش السوداني مع تدخلها في المنطقة أو السماح بترويع المزارعين، فضلًا عن مُساندة الجيش السوداني للمزارعين بعد استعادة أراضيهم، وقيام “البرهان” بزيارة ميدانية للجرحى في ولاية القضارف.                       

باختصار، يتضح من الهجوم الأخير سياسة رئيس الوزراء الإثيوبي “آبى أحمد” للهروب إلى الأمام من أزماته الداخلية، وافتعال أزمة خارجية للانشغال بها، ومحاولته لإدارة أزمة بأزمة، وتشتيت انتباه الشعب الإثيوبي، وحشد الدعم الداخلي له في حربه ضد التيجراي؛ في ظل الأطماع الإثيوبية المُتكررة في منطقة الفشقة، وتهرب إثيوبيا من أية اتفاقيات لمحاولة تهدئة الاشتباكات الحدودية. وتضيف هذه الأحداث مزيدًا من الضغوط على الوضع الداخلي في كلا البلدين.     

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى