السودان

استقالة “حمدوك”… نحو تأزم المشهد أم انفراجة في المسار الانتقالي؟

أعلن “عبد الله حمدوك” رئيس الوزراء السوداني استقالته الأحد المُوافق 2 يناير 2022، وذلك بعد مرور شهرين من الإجراءات الاستثنائية التي قام بها رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن “عبد الفتاح البرهان” في الخامس والعشرين من أكتوبر 2021، وتوقيع الاتفاق السياسي الإطاري بين “البرهان” و “حمدوك” في الواحد والعشرين من نوفمبر 2021. 

وجاءت بعدها مرحلة من محاولات التفاوض بين كافة القوى السياسية لتشكّيل حكومة مدنية من كفاءات مُستقلة، ولكنّ لم تفلح هذه المحاولات في ظل استمرار الحراك المُتمثل في المظاهرات والاحتجاجات الرافضة للشراكة مع المكون العسكري في السلطة. وأُحيل المشهد في النهاية إلى استقالة “حمدوك”، ويدور الموضوع حول تساؤلات رئيسة؛ هل كانت الاستقالة مفاجئة أم متوقعة؟ وماهي تداعيات استقالة “حمدوك” على المشهد السوداني؟ وماذا بعد الاستقالة؟  

دوافع استقالة “حمدوك” 

بعدما كانت تُنتظر نتائج المشاورات بين القوى السياسية من الجبهة الثورية ومجموعة الميثاق الوطني وكذلك المجلس المركزي للحرية والتغيير ورئيس الوزراء من أجل اتخاذ قرارات سريعة بشأن تشكيل الحكومة والمجلس التشريعي والهيئات القضائية والانتخابية، جاءت استقالة “حمدوك” بعد أن كان هناك تلوّيح “بالاستقالة في وقت سابق. وكانت الاستقالة متوقعة فى ضوء عددٍ من المُعطيات والمتغيرات في المشهد السوداني، وكان الشعب السوداني في حالة من الانتظار والترقب لخطاب “حمدوك”.

وفى هذا السياق، تزايد اتساع الهُوة بين الشارع في ظل المُبادرات المختلفة، والخلط بين المفاهيم فى الداخل السوداني بين مفهوم الثورة، العلاقات المدنية- العسكرية، وإدارة المرحلة الانتقالية، حيث يتوجب الانتهاء من مرحلة الثورة عند حد زمني معين، وإيجاد أسس لإدارة المرحلة الانتقالية، بما يتضمن توافقات وتفاهمات مُشتركة بين جميع المكونات المدنية والعسكرية، وضرورة تقديم تنازلات من الأطراف.  

واتصالًا بالسابق، توجد أزمة ثقة ين القوى السياسية والشارع السوداني، وبين المكونات المدنية والعسكرية، وتعثّر الاتفاق الإطاري بين “البرهان” و”حمدوك”، وتفاقم الأزمة وعجز “حمدوك” عن تشكيل الحكومة لأكثر من شهر بسبب انقسامات القوى السياسية. 

دلالات خطاب “حمدوك”

جاء خطاب “حمدوك” بمجموعة من الرسائل والمعاني؛ إذ أشار إلى التحديات التى تُواجه المرحلة الانتقالية فى السودان، وتوضيح الإنجازات التى قدمتها حكومته من خلال مُحاولاته لتجنب انزلاق البلاد في منعطف حرج من حالة الانقسامات والصراعات والحروب الأهلية، والخروج من حالة العزلة الخارجية عن طريق رفع البلاد من قائمة الدول الراعية للإرهاب، والإصلاحات الهيكلية للاقتصاد والدخول في مُبادرة إعفاء ديون الدول المُثقلة بالديون.

وأوضح “حمدوك” تحديات المرحلة الانتقالية، ومنها استمرار النزاع بين شركاء الحكم الانتقالي من المكونات المدنية والعسكرية، مؤكدًا صمود رجال المقاومة الشعبية في الشارع السوداني، وأن السلطة النهائية بيد الشعب، معددّا أهم التحديات: التدهور الاقتصادي، العزلة الدولية، الفساد والديون، تردي الخدمة المدنية في قطاعات التعليم والصحة، انهيار النسيج الاجتماعي في ظل الحرب الدائرة في إقليم دارفور بغرب البلاد، والمناطق الأخرى في جنوب كردفان والنيل الأزرق.  

فضلاً عن تحقيق بعض الإنجازات في مجال السلام بتوقيع اتفاق جوبا للسلام في أكتوبر 2020، في ظل العراقيل المختلفة في طريق السلام، ولكن استطاعت الحكومة السودانية إسكات صوت البندقية، وعودة ملايين اللاجئين والنازحين من معسكرات النزوح، وحدوث نوع من التعافي الوطني في البلاد. وأشار إلى مُبادرات حل الأزمة، بما فيها الأزمة الوطنية وقضايا الانتقال- الطريق إلى الأمام في يونيو 2021، وخارطة الطريق في 15 أكتوبر 2021، ومُبادرة خلية الأزمة (6+1) في 18 أكتوبر 2021، من خلال دعوة كافة مكونات الحكم وقوى الثورة للدخول في الحوار والتفاوض، ولكنّ باءت جميعها بالفشل.      

ماذا بعد الاستقالة؟    

عقب استقالة “حمدوك” شددّ “البرهان” على ضرورة تشكّيل حكومة مُستقلة ذات مهام محددة بتوافق جميع السودانيين، والعمل على تحقيق مهام الفترة الانتقالية من تحقيق السلام والأمن والوصول إلى الانتخابات. ومن المتوقع تولي شخصية أخرى محل “حمدوك” من خلال تعييّن مجلس السيادة الانتقالي رئيس وزراء جديد، والإسراع في تشكّيل حكومة جديدة وفقًا للوثيقة الدستورية.

وفى سياقٍ آخر، من المُحتمل زيادة وتيرة العنف وحالة الفوضى العارمة فى ظل خيارات المُواجهة المفتوحة بين الأطراف نتيجة حالة التباعد والتجاذبات بين كافة المكونات السودانية، فضلًا عن حالة الحيرة والارتباك بشأن تعاطي المجتمع الدولي مع المشهد السوداني. ذلك بالإضافة إلى الارتدادات السياسية والاقتصادية والأمنية الخطيرة في البلاد؛ إذ تسود حالة من الارتباك فى المشهد من خلال التداعيات السياسية والدستورية وموقف اللجان الثورية.

وترتيبًا على السابق، في ظل سوء الأوضاع بعد الاتفاق بين البرهان وحمدوك، ووجود جانب من الشارع السوداني كان داعمًا لفكرة استقالة “حمدوك” بسبب حالة الغموض حول إيجاد مخرج وبديل يتوافق عليه شركاء الحكم الانتقالي؛ سيكون من الضروري تنحية الخلافات جنبًا لضمان استمرار الحكم المدني، وتقديم بعض التنازلات للتوافق على تشكّيل حكومة كفاءات مُستقلة، وضمان استقلالية القضاء وسن قانون للعملية الانتخابية، واستكمال تشكّيل المفوضيات فى ظل المُبادرات الممختلفة ومنها مُبادرة حزب الأمة لحل الأزمة من خلال التوافق بين القوى المدنية ثم طرحها على المكون العسكري عن طريق تشكّيل لجنة مع المجلس المركزي لقوي الحرية والتغيير لرسم ودراسة خارطة طريق لحل الأزمة.  

وفى التقدير، يظل المشهد متأزم حيال إيجاد مناخ من الثقة بين شركاء الحكم الانتقالي والنجاح للوصول إلى الحوار الوطني بين كافة القوى السياسية للتوافق على ميثاق وطني لرسم خارطة الطريق لاستكمال مسار التحوّل الديمقراطي والسلام المُستدام وحسم التفلتات الأمنية وتحقيق السلام المجتمعي، مع الالتزام ببنود الوثيقة الدستورية الحاكمة للفترة الانتقالية.     

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى