كورونا

معهد إيطالي.. كيف سيشكل وباء “كورونا” مُستقبل القارة الأفريقية؟

وصل فيروس “كورونا” المُستجد أخيرًا إلى أفريقيا جنوب الصحراء، وهي واحدة من آخر مناطق العالم التي تأثرت بالوباء، وتم توضيح مبررات التأثير المُباشر بالتحديد الأفريقي لفيروس كورونا نتيجة؛ ظروف المناخ ومتوسط العمر والكثافة السكانية، وما إلى ذلك، ولكن لن تنجو المنطقة من تأثير اقتصادي صادم، فى ظل تبنى الحكومات الأفريقية تدابير الإغلاق والتي تكون غير مستدامة للعاملين في القطاع غير الرسمي، وتكافح النظم الصحية الأفريقية الهشة للاستجابة لحالة الطوارئ، وعليه، كيف سيشكل وباء “كورونا” مُستقبل أفريقيا؟ وهل ستتمكن الحكومات الأفريقية من مُعالجة الأزمة الصحية العالمية وآثارها الاقتصادية بفعالية؟      

 يتضح ذلك من خلال ملف خاص صادر عن المعهد الإيطالى للدراسات السياسية الدولية (ISPI)، Italian Institute for International Political Studies، بعنوان: Coronavirus in Africa: How the Pandemic Will Shape a Continent’s Future، والذى قام بتحريرهGiovanni Carbone  (رئيس برنامج أفريقيا بالمعهد)، Camillo Casola (زميل أبحاث ببرنامج أفريقيا).     

فيروس “كورونا” سيضرب أفريقيا بشدة 

لم يتم إنقاذ أفريقيا من جائحة “كورونا”، إذ كانت أول الحالات المؤكدة في أفريقيا جنوب الصحراء لمواطن إيطالي سافر إلى نيجيريا من ميلانو “مركز تفشي الوباء”، ما يبُث الرعب الآن تنشيط سلاسل النقل المحلية مما يزيد من تفاقم احتمالات انتشار واسع النطاق للوباء، والتهديد بالضغط على قدرات الإدارة والاستجابة الأفريقية.

ستشكل جائحة “كورونا” زلزالًا اقتصاديًا للمنطقة بقدر ما يحدث في جميع أنحاء العالم، بالنسبة لأفريقيا يأتي في وقت معين ويفتح فصلًا جديدًا، ستؤثر آثار الصدمة الاقتصادية على أداء الدول الأفريقية لسنوات قادمة، فإذا كانت المرحلة الأولي (2000-2014) مرحلة صعود اقتصادي، والمرحلة الثانية (2015-2019) معتدلة، فالمرحلة الثانية ستكون وقتًا مزعجًا اجتماعيًا، ومتوقفًا اقتصاديًا بدءًا من عام 2020 لمدة غير متوقعة، حيث يتوقع البنك الدولي أول ركود للمنطقة منذ 25 عامًا، ومن المتوقع أيضًا أن يتباطأ النمو إلى 5.1%، وخسائر الإنتاج بين 37 مليار و79 مليار دولار لعام 2020، ووفقًا للجنة الاقتصادية لأفريقيا يمكن أن تتسبب في صدمات الطلب وانخفاض أسعار السلع وخاصةً للدول المصدرة للنفط.      

أفريقيا على حافة الانهيار… عواقب صحية   

 إذا كان الوباء قد جلب مثل هذه الإحصاءات والعواقب القاتمة إلى المناطق الأكثر قوة في العالم كما حدث فى (الولايات المتحدة الأمريكية، إيطاليا، اسبانيا، ألمانيا، والصين)، فما الذي يخبئه لأفريقيا؟ 

إذا انتشر وباء “كورونا” في القارة الأفريقية في ظل غياب لقاح فعال، سيكون من المستحيل على أنظمة الرعاية الصحية المحلية، التي تم تجاهلها بالفعل وتنقصها الموارد، تحمل المسؤولية عن المحتاجين، وسيجد الأفراد المرضي أنه من الصعب للغاية العثور على مكان في ظل العدد الصغير لوحدات العناية المركزة. 

ولذا يجب مُكافحة الوباء من خلال المراقبة النشطة وتدابير الاحتواء والعزل، ولكن سيكون هذا صعبًا للغاية خاصةً في المدن الكبرى في أفريقيا، ويجب أن يركز عمل أخصائيي الرعاية الصحية على أنشطة الرعاية والفرز وعزل المرضي وإدارة الحالات على مستوى المستشفيات، وتطوير المبادئ التوجيهية والبروتوكولات والمواد الإعلامية للإدارة المتكاملة لأنظمة الرعاية الصحية مع السلطات المحلية على المستوى الوزاري، ويجب وضع نظام للاستمرار في تقديم خدمات الصحة الأولية للسكان المحليين من خلال خطة عمل للتعامل مع الوباء.   

الدبلوماسية الصحية للصين في أفريقيا.. صعوبات وراء الدور القيادي 

لم تقل الصين صراحةً حتى الآن أن التبرع بالأقنعة وغيرها من معدات الحماية للدول النامية جزء من استراتيجية رسمية، في حين عملت على تنشيط أجهزتها الدبلوماسية في أفريقيا من خلال إنشاء العديد من الموارد عبر الإنترنت لتبادل خبرتها بشأن الوباء، وأرسلت 12000 مجموعة اختبار إلى العديد من البلدان الأفريقية، ونظمت جلسات التداول بالفيديو مع قادة الصحة من 20 دولة أفريقية.  

في حين أن الصين تحركت بسرعة لتقديم الدعم، فإن دبلوماسيتها الصحية ذات الاتجاه الثنائي في الغالب، مقابل المشاركة في النظام الصحي العالمي المتعدد الأطراف، بالكاد ستضعها في وضع يمكنها من تنسيق المساعدة الدولية لأفريقيا، ولكنها مع ذلك قد تمنحها موقعًا فرديًا رائدًا، ولكن فى المقابل ينتشر الإدراك فى أفريقيا بأن السلع والأدوية الصينية الصنع ذات نوعية رديئة، مما يضر بسمعة الصين ويقوض محاولاتها لتقديم نفسها كداعم للدول الأفريقية.

وضع المهاجرين في غرب أفريقيا  

 أثرت القيود المفروضة على الحركة وإغلاق الحدود وحظر التجول المفروضة في جميع أنحاء الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا على ملايين الأشخاص الذين يتنقلون من اكتظاظ اللاجئين في الأراضي الجافة التي تمزقها الصراعات في مالي وبوركينا فاسو والنيجر وحوض بحيرة تشاد إلى مناطق أخرى، وأيضًا اللاجئين الحضريين في المدن الكبرى مثل لاجوس وأكرا إلى ملايين العمال الريفيين الموسميين في دور الضيافة في ساحل العاج أو بوركينا فاسو.     

ويتعرض العمال المهاجرون المحليون والدوليون لمخاطر الصحة العامة، في حين أن مئات الآلاف من المهاجرين الداخليين كانت لديهم فرص لمغادرة باماكو أو لاجوس أو داكار أو أبيدجان للوصول إلى مواطنهم الأصلية، كانت هذه العملية بالنسبة للمهاجرين الدوليين أكثر خطورة وأحيانًا غير عملية، وبالتالى ستؤثر هذه الحركات على القطاعات الاقتصادية التي تعتمد على القوى العاملة المهاجرة، مثل أعمال البناء والزراعة والتجارة، وتعطيل سلاسل الإمدادات الغذائية، وعمليات إعادة التوطين في بلدان آمنة للاجئين، كما تم تعليق برامج العودة الطوعية للمهاجرين الذين تقطعت بهم السبل أو المحتجزون في ليبيا والنيجر إلى بلدان أخرى في غرب أفريقيا.  

جائحة ” كورونا”… ملتقى الفقر والعولمة في أفريقيا   

 يركز قادة العالم على تأثير كورونا على الفئات الأكثر ضعفًا، ولاسيما في أفريقيا، وستكون هذه الآثار محسوسة بشكل خاص في أفريقيا، حيث يعيش الناس بالقرب من خط الخبز أكثر من مناطق أخرى من العالم، مع القليل من المدخرات التي يتراجعون عنها، فأفريقيا موطن لغالبية فقراء العالم، والآن في لحظة ضغط شديد من المحتمل أن يكون هذا المزيج من الدخل المنخفض والوسائل المحدودة مميتًا، وعلاوة على ذلك، فإن تأثير انهيار أسعار النفط، وانعدام الأمن الغذائي، وتعطيل التجارة ستؤثر بشكل خاص على الاقتصادات الأفريقية سريعة النمو، من حيث التوقف المفاجئ في تدفقات السياحة والاستثمار الأجنبي المباشر، وظروف أكثر صرامة على الأسواق المالية، كلها تضع ضغوطًا إضافية على الدول الأفريقية.    

ومن المرجح أن يؤثر الفيروس التاجي على الفقراء، لأنهم يعيشون في مستوطنات غير رسمية حيث يكون الازدحام هو القاعدة، مما يجعل من المستحيل عليهم ممارسة التباعد الاجتماعي، حيث أحجام الغرف في منازلهم صغيرة وقد لا يكون العمل من المنزل ممكنًا، ومن المحتمل أن تتأثر أعمالهم من خلال انخفاض الطلب على سلعهم، وبالتالى ستكون أزمة إنمائية لسنوات قادمة، سيتراجع الطلب على السلع الأساسية في أفريقيا مثل النفط والمعادن والكاكاو والبن، كما تراجعت التحويلات بالفعل.

إجمالًا؛ يمكن للخبرة في إدارة حالات الطوارئ الصحية في جميع أنحاء القارة الأفريقية أن توفر لهذه الدول أصولًا أساسية من حيث تجربة السيطرة على الطوارئ والاستجابة لها، وفي هذا الصدد ينبغي بناء قدرات الاستجابة على الهياكل القائمة وإشراك المجتمعات المحلية لوقف انتشار الوباء وتكييف تدابير الاحتواء مع الظروف المحلية والخصائص الثقافية.   

وقد تتحول حالة طوارئ الفيروسات التاجية إلى فرصة تجارية لقطاع الأمن العالمي وإعادة توجيه صناديق الاتحاد الأوروبي الخارجية لأفريقيا، في لحظة حرجة لتحديد الإطار المالي للسنوات السبع المُقبلة.

كما يعطى فيروس “كورونا” المُستجد فرصة لإعادة التفكير فى نهج تجاه الفقر، من خلال إعادة التفكير في نماذج تنموية موجهة للتخفيف من حدة الفقر، ووفقًا لمارتن لوثر كينغ جونيور: “نحن عالقون في شبكة لا مفر منها من التبادل، مرتبطة بثوب واحد من المصير، ما يؤثر بشيء واحد بشكل مباشر، يؤثر بجميع الاشياء بشكل غير مباشر”، والتعامل مع الفقر والمرض سوف يستدعي الحاجة إلى إعادة التفاوض على النموذج الرأسمالي للتنمية الذي يحكم على البعض بالفقر الدائم.  

وسيستمر اعتماد القارة الأفريقية على المساعدات الخارجية للتعامل مع تداعيات الأوبئة، من حيث تمويل معظم الأدوية المضادة للفيروسات، التي تأتي لمساعدة أفريقيا خلال الأزمات، وهذا يعني أن المساعدة في شكل إمدادات وأدوية قد لا تكون واردة، حيث تعمل هذه البلدان (الاتحاد الأووربى والصين والولايات المتحدة الأمريكية) أولًا على معالجة قضايا مواطنيها، وهذا يترك أفريقيا في وضع صعب، ويزيد هذا الأمر من تعقيد الوضع بالنسبة للفقراء في أفريقيا، الذين ليس لديهم موارد أو تأمين لتخفيف الأثر الاجتماعي والاقتصادي للوباء.          

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى