أفريقيا

“ارتدادات سلبية”: تفاعلات الداخل الإثيوبي وانعكاساتها على دول القرن الأفريقي

تخوض حكومة رئيس الوزراء الإثيوبي “آبي أحمد” حربًا منذ عام مع الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي (TPLF)، التي توغلت جنوبًا خلال الأشهر الأخيرة ولم تستبعد احتمالية الزحف نحو العاصمة أديس أبابا في ظل انضمام قوات التيجراي إلى جيش تحرير أورومو (OLA). فضلًا عن اتفاق تسعة فصائل معارضة في إثيوبيا على تشكّيل تحالف لإسقاط حكومة “آبي أحمد”، فيما عرف باسم “الجبهة الموحدة للقوات الفيدرالية والكونفيدرالية الإثيوبية”.                  

تطورات متلاحقة

في الثلاثين من أكتوبر الماضي، سيطرت قوات تيجراي على مدينة دسي بإقليم أمهرة بعد نفي الحكومة الفيدرالية خسارتها لهذه المدينة الاستراتيجية، وبعد يومين فقط تم السيطرة على مدينة كومبولشا بنفس الإقليم، في ثاني إنجاز ميداني كبير يعلنه المتمردين وسط تقدمهم جنوب البلاد.        

وعليه، في الثاني من نوفمبر الجاري، أعلنت إثيوبيا حالة الطوارئ في جميع أنحاء البلاد وسط مخاوف من جبهة تيجراي والجماعات المتحالفة معها. وفى نفس اليوم، أعلنت الإدارة الأمريكية بقيادة “جو بايدن” في رسالة إلى الكونجرس أنه سيتم حذف إثيوبيا من قائمة المستفيدين من قانون النمو والفرص في إفريقيا (أجوا). اعتبارًا من 1 يناير 2022، وتم الكشف عن الإجراء بعد أسبوعين من توقيع “بايدن” على أمر تنفيذي يمهد الطريق لفرض عقوبات، بما في ذلك مصادرة الأصول ووقف المعاملات المالية للأطراف المتورطة في الصراع.     

وفي خضم هذا المشهد، في الحادي عشر من نوفمبر الجاري حددت إثيوبيا شروط المحادثات المحتملة مع المتمردين، بعد أيام من الجهود الدبلوماسية من قِبل المبعوثين الدوليين لتجنب تصعيد آخر في الأعمال العدائية والوحشية المتطرفة – Extreme Brutality. وإلحاقًا بذلك، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية “دينا مفتي” إن أحد شروط المحادثات هو انسحاب جبهة تيجراي من منطقتي أمهرة وعفر.              

تداعيات خطرة

يُشير القرن الأفريقي إلى المنطقة الفرعية في شرق أفريقيا التي تتكون من دول جيبوتي، إريتريا، إثيوبيا، الصومال، كينيا، السودان، جنوب السودان، وأوغندا، ويُعاني القرن الأفريقي من تهديدات أمنية ناشئة وطويلة الأمد وصراعات مسلحة تنبع من داخل الدول، ومن بين هذه الصراعات؛ الصراع المسلح في إقليم تيجراي بشمال إثيوبيا، والنزاع الحدودي بين السودان وإثيوبيا في منطقة الفشقة، وأزمة الحدود البحرية بين الصومال وكينيا.

وسيتم توضيح تداعيات حدود الارتباط بين التصعيد في إثيوبيا والفوضى الإقليمية وتصاعد مدّ القلق الخارجي، كما يلي:               

مخاطر تنامي نفوذ الجماعات الإرهابية: أجبرت الحرب إثيوبيا على تقليص قوة حفظ السلام التابعة لها في الصومال، حيث سحبت إثيوبيا بالفعل نحو 600 جندي من الحدود الغربية للصومال، رغم أنهم لم يكونوا مرتبطين بمهمة الاتحاد الأفريقي في الصومال (أمصيوم- AMISOM)، التي تدعمها إثيوبيا أيضًا، وسيخلق ذلك فرصة للمنظمات الإرهابية مثل حركة الشباب والجماعات التابعة لتنظيم داعش لإعادة تجميع صفوفها وتمدد نفوذها في ظل الأزمة الدستورية التي تمر بها الصومال.               

تدفقات موجات النزوح واللاجئين: نزح الآلاف سواء بسبب الصراع أو المخاوف من الصراع في إثيوبيا، وقد عبرت أعداد متزايدة من النازحين الحدود إلى السودان، مما يُهدد بـاستنزاف القدرات الحالية على تقديم المساعدات الإغاثية، وتفاقم أزمات نقص الغذاء والاحتياجات الغذائية القصوى في المنطقة، وأزمات إيجاد إيواء للاجئين في مواقع أخري. فقد تواجه إثيوبيا مجاعة واسعة النطاق، حيث خلفت المجاعة خلال فترة الثمانينيات مقتل 1.2 مليون إثيوبي، وقد تواجه مرة أخرى هذا السيناريو.                     

تصاعد التوترات الحدودية بين إثيوبيا والسودان: فر عشرات الآلاف من الإثيوبيين غربًا إلى السودان، مما زاد من توتر العلاقات بين البلدين، وتراجعت العلاقات إلى مستوى منخفض في أغسطس الماضي عندما استدعت الخرطوم سفيرها في إثيوبيا بعد أن رفضت حكومة “آبى أحمد” عرض السودان للمساعدة في التوسط لحل الصراع بإقليم تيجراي.                      

• تعثّر مفاوضات سدّ النهضة: تسود حالة من القلق بشأن مصير مفاوضات سد النهضة مع تفاقم الصراع في إثيوبيا، والمرحلة الانتقالية المتعثّرة في السودان، وقد تؤدي هذه الأوضاع إلى تجميد استئناف المفاوضات مرة أخرى بموجب بيان قرار مجلس الأمن لرعاية المفاوضات تحت مظلة الاتحاد الأفريقي، وإطالة أمد المفاوضات للتوصل إلى اتفاق قانوني مُلزم بشأن مل ء وتشغيل السد خلال فترة زمنية محددة.                   

• عرقلة عملية السلام في جنوب السودان: في ظل رعاية إثيوبيا لمحادثات السلام بين الفصائل المتحاربة في جوبا؛ “سلفاكير”، رئيس جنوب السودان، و”رياك مشار”، زعيم المعارضة، حيث تم التوقيع على اتفاقيتي السلام في إثيوبيا لعام 2015 و2018، وسيؤثر المشهد الراهن في إثيوبيا على مسار تنفيذ اتفاق السلام المنشط في جنوب السودان بشكل غير مباشر.       

مساعٍ عدّة

أصبحت إثيوبيا مصدرًا لعدم الاستقرار في إقليم شرق أفريقيا المضطرب، في ظل تصاعد حدة أعمال القتل وجرائم الإبادة الجماعية وتزايد عمليات الإعدام خارج نطاق القضاء، والتعذيب والعنف الجنسي والهجمات على اللاجئين، وتسييس المساعدات الإغاثية واستخدام التجويع كسلاح في حرب تيجراي.             

وعليه، هناك مساعٍ عدة لوقف إطلاق النار؛ إذ وصل المبعوث الأمريكي للقرن الأفريقي “جيفري فيلتمان” والمبعوث الخاص للاتحاد الأفريقي الخاص بمنطقة القرن الأفريقي “أولوسيجون أوباسانجو”، إلى إثيوبيا بداية شهر نوفمبر الجاري لتشجيع الأطراف على الدخول في محادثات وحوار لوقف الأعمال العدائية. وعلى الرغم من هذه اللقاءات إلا أن إحاطة الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأفريقي لمجلس الأمن، أوضحت أنه لا توجد فرصة كبيرة لإنهاء أعمال القتال والصراع في إثيوبيا.                  

على صعيد آخر، التقى الرئيس الكيني “أوهورو كينياتا” يوم الأحد الموافق 14 نوفمبر الجاري برئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد ورئيسة إثيوبيا “سهل-وورك زودي”، لمناقشة القضايا الأمنية قبل زيارة وزير الخارجية الأمريكي ” أنتوني بلينكن “إلى كينيا.   وفى هذا السياق، عززت كينيا الإجراءات الأمنية وحالة التأهب القصوى على طول حدودها وفي المنشآت الحرجة استجابة لتدهور الوضع الأمني في إثيوبيا، على الرغم من أن علاقة إثيوبيا بكينيا كانت تقليديًا أكثر ودية، إلا أن المخاوف من تدفق اللاجئين ألقت بظلالها على نيروبي، وشمال كينيا موطن لمخيمين للاجئين يضمان معًا أكثر من 400000 شخص- كواحدة من أكبر المستوطنات في العالم؛ إذ أعرب الرئيس الكيني “أوهورو كينياتا” عن قلقه بشأن احتمالات فرار اللاجئين إلى كينيا.         

كما دعا الرئيس الأوغندي “يوري موسيفيني” إلى اجتماع طارئ لزعماء شرق أفريقيا داخل هيئة “الإيجاد” الذي عُقد يوم 16 نوفمبر الجاري بالعاصمة الأوغندية “كمبالا”. فيما تراقب دولة جيبوتي التطورات عن كثب في إثيوبيا، بعد أعمال العنف الدامية خلال شهر أغسطس 2021 التي استهدفت مجتمع عفر الذي ينتشر شعبه على حدود جيبوتي مع إثيوبيا وإريتريا. ولذلك، زار رئيس وزراء جيبوتي “عبد القادر محمد كامل” المنطقة الحدودية للقاء سكان عفر وتهدئة الأوضاع واحتواء أي تصعيد قد يؤدي إلى أعمال عنف جديدة.              

ومن كلّ ما سبق، إذا استمر الصراع في مساره الحالي، فقد يدفع إثيوبيا إلى حرب أهلية واسعة النطاق مع عواقب إنسانية كارثية على منطقة القرن الأفريقي، مما سيخلق تحديات أمنية إقليمية وعالمية طويلة الأمد في ظل الخبرة التاريخية للصراعات الداخلية في إثيوبيا، التي تنتهي بانتصارات عسكرية وآثارها طويلة الأمد داخل البلاد والآثار غير المباشرة المتتالية في المنطقة.                 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى