أفريقيا

“أزمة مُتجددة”.. لماذا اشتعل التوتر الحدودي بين السودان وإثيوبيا مؤخرًا؟

تَشهد العلاقات السودانية-الإثيوبية توترًا متصاعدًا منذ أسابيع على خلفية هجمات مُسلحة على حدود البلدين، حيث تحفل منطقة “الفشقة” بحشود عسكرية ضخمة في ظل دفع سلطات الأمهرة بقوات وتعزيزات عسكرية، والانتشار الأمني واسع النطاق للجيش الإثيوبي في مدينة المتمة الإثيوبية بإقليم أمهرة القريبة من الفشقة، فضلاً عن الاشتباكات بين الجيش السوداني والميلشيات الإثيوبية “الشفتة” المدعومة من حكومة أديس أبابا، حيث تعمل هذه المليشيات على اختطاف الرُعاة والمزارعين السودانيين وتُطالب بفدية مالية مُقابل إطلاق سراحهم، خصوصًا عند اقتراب فصل الخريف وموسم الحصاد، وبذلك أضحت المنطقة مسرحًا للاشتباكات المُسلحة والاتجار والتهريب، ويتزامن التوتر الحدودي في وقت تُواجه فيه البلدان تحديات داخلية.        

دوافع التصعيد الأخير              

على الرغم من المُحادثات المُكثفة بين إثيوبيا والسودان بمدينة القلابات السودانية للاتفاق على تهدئة الأوضاع الأمنية على الشريط الحدودي بين البلدين، ولكنّ سرعان ما انهارت هذه الاتفاقية بعد الهجمات المُتكررة من قِبل الميلشيات الإثيوبية، وتوغل هذه الميلشيات داخل الأراضي السودانية، واختراق الحدود السودانية واختطاف الأطفال، وخلال الفترة الأخيرة عملت ميليشيات الشفتة على ترويع المواطنين والمزارعين السودانيين، ونجحت في ذلك طوال السنوات الماضية من خلال الاستيلاء على أراضيهم واستغلال مئات الهكتارات من الأراضي، وجاء التصعيد الأخير  في العلاقات بين البلدين نتيجة مجموعة من العوامل، ويُمكن توضيح أبرزها:           

  • اتهامات مُتبادلة: تتهم إثيوبيا السودان باجتياح أراضيها واستغلال الفراغ الأمني ​​الناجم عن الأزمة في إقليم التيجراي. في حين يقول ممثلو الجيش السوداني إن الإثيوبيين يوسعّون أراضيهم الزراعية إلى السودان بدعم من الميليشيات المحلية التي تتركب جرائم حرب ضد المدنيين، وتصر إثيوبيا على انسحاب الجيش السوداني من المنطقة قبل الدخول في أية مفاوضات، لكنّ السودان يرفض ذلك، حيث تقع الفشقة تاريخيًا داخل أراضيه، والحدود تم ترسيمها في الماضي وفقًا للاتفاقيات الدولية للحدود، ويري أن هناك حاجة للمشاورات الفنية فقط لتحديد علامات الحدود في ظل اعتراف الحكومات الإثيوبية المتعاقبة بالفشقة كأراضي سودانية، وسماح السودان للمزارعين الإثيوبيين بزراعة الأرض حفاظًا  على العلاقات الجيدة بين البلدين.                 
  • استرداد الجيش السوداني معظم أراضي الفشقة: أعلن الجيش السوداني بدء عمليات استزراع الأراضي التي تم استردادها من المليشيات الاثيوبية بالفشقة الصغرى في ولاية القضارف شرقي البلاد في 3 يوليو 2021، وقال خلال حديثه لوفد من حزب التجمع الاتحادي الذي زار ولاية القضارف عن إنشاء معبرين واكتمال العمل فيهما بنسبة 90% في منطقتي ود عاروض وود كولي بطول 160 كلم. بالإضافة إلى ذلك، تشييد أربعة جسور في مناطق سفاوة في الفشقة الكبرى وبركة نورين في محلية القريشة وسندس على نهر الرهد والواقعة بمحلية القلابات الشرقية، وإنشاء أيضًا معبر جبل حلاوة بمحلية باسندة الحدودية.         
  • اختطاف الأطفال: أعلن السودان يوم السبت الماضي المُوافق 24 يوليو 2021، إغلاق المعبر الحدودي بين السودان وإثيوبيا بمدينة القلابات السودانية في منطقة باسندة بولاية القضارف بعد اختفاء النقيب “بهاء الدين يوسف”، قائد المنطقة أثناء مُطاردة ميليشيات إثيوبية داخل الأراضي السودانية عَقب اختطاف ثلاثة أطفال من قبائل الفلاتة السودانية عبر الحدود بالقرب من إقليم أمهرة الإثيوبي، وبعد ذلك، طالبت الميلشيات الإثيوبية بفدية مالية كبيرة مُقابل إطلاق سراح هؤلاء الأطفال.          

آليات المُواجهة السودانية        

سادت سنوات من الترقب والحذر وسط استغلال إثيوبيا للأراضي السودانية في منطقة الفشقة الحدودية بين البلدين، حيث تتاخم منطقة الفشقة شمال غرب إقليم أمهرة بولاية القضارف، وجاءت ومُحاولات السودان لاستعادة أراضيها من الميلشيات الإثيوبية من خلال:   

  • التحركات العسكرية السودانية: تصدت القوات المُسلحة السودانية وقوات الاحتياط بالفرقة الثانية لهجوم شنته الميلشيات الإثيوبية في 16 يوليو 2021 على منطقة جبل طيارة شمال شرقي معسكر الأنفال، بمحلية القلابات الشرقية بولاية القضارف شرق السودان، حيث تركزت عمليات الجيش السوداني في مناطق “أم دبلو”  وحسكنيت وخور سنط بمنطقة باسندة، وقطعت الطريق أمامها ما أدى إلى استشهاد العريف “آدم إبراهيم”، التابع للكتيبة 121بالفرقة الثانية مشاة.  
  • قيادة الجيش السوداني حملات إعادة الأراضي: بعد استعادة الجيش السوداني حوالي 95% من أراضي الفشقة في نوفمبر 2020، وقام بتطهير جبال استراتيجية والتمركز فيها مثل جبل أبو طيور. وعلاوةً على ذلك، وعمل السودان على تكثيف حضوره العسكري والاقتصادي بمنطقة الفشقة بعد إعلان إثيوبيا خطط لزراعة الأراضي التي كانت تحت سيطرة الميلشيات الإثيوبية، وتَمثل ذلك في إقامة مشروعات التنمية ذات الأولوية، وإنشاء العديد من الجسور والمنشآت والطرق وحفر الآبار لتسّهيل عملية التطوير والتنمية في المنطقة.           
  • زيارات مُكثفة: وصلت قيادات رفيعة المستوي من الجيش السوداني إلى منطقة الفشقة، بالتزامن مع حلول عيد الأضحى، بهدف أداء صلاة العيد، ومُخاطبة ضباط الصف والجنود والمواطنين السودانيين بالمنطقة، والإشراف على برامج توزيع الأضاحي، والذي نفذته الحكومة السودانية بولاية القضارف،  وفى هذا السياق، كان الوفد المُرافق لمحمد عثمان الحسين، رئيس هيئة الأركان للقوات المُسلحة السودانية، رئيس هيئة الاستخبارات العسكرية بالجيش السوداني، واللواء أحمدان محمد خير، قائد المنطقة العسكرية الشرقية، واللواء حيدر الطريفي، قائد الفرقة الثانية مشاة بالقضارف.   

رسائل ودلالات سودانية 

لطالما كانت الحدود السودانية–الإثيوبية تَحكمها مجموعة من المُحددات سواءٍ المُتعلقة بملف الفشقة أو التأثير العرقي أو التطورات التي يشهدها الداخل السوادني والإثيوبي وإقليم شرق أفريقيا في ظل أهمية منطقة الفشقة الجيو-اقتصادية، وسياسة فرض الأمر الواقع من الجانب الإثيوبي، وتغيير موقف السودان الأخير تجاه ملف الفشقة، ويُمكن توضيح ذلك التغيير، فيما يلي:        

  • التأهب والاستعداد: جاءت زيارة “محمد عثمان الحسين”، لمنطقة الفشقة للتأكيد على تأهب وجاهزية الجيش السوداني للتصدي لأي هجوم من قِبل الميلشيات الإثيوبية وتوافر الدعم السياسي والشعبي لذلك من خلال الالتفاف حول الجيش السوداني، حيث تَعهد الجيش السوداني، يوم الثلاثاء الماضي المُوافق 20 يوليو 2021، بالإبقاء على قواته في أراضي الفشقة لحين استعادة الأمن والاستقرار وأشار إلى فتح الطرق وانشاء الجسور التي تربط المنطقة ببقية أنحاء البلاد.          
  • توضيح مسار خط الحدود بين البلدين: يشدّد السودان على توضيح علامات الحدود بين البلدين بناءً على الاتفاقيات الدولية، حيث تتمادي إثيوبيا في دفع تكلفة ترسيم الحدود على الأرض بوضع العلامات والبالغة 12 مليون دولار مناصفة مع السودان من خلال ادعاء عدم القدرة وفى أحيان أخري برفضها مقترح السودان بدفع ما عليها بحجة أن المسألة تتعلق بالسيادة.      
  • تحجيم أطماع الميلشيات الإثيوبية المُتجددة: تعهد والي القضارف على الاستمرار في التنمية وتوفير كافة الخدمات لتحقيق استقرار المنطقة، وإيجاد التمويل اللازم لكلٍ من المشروعات الإنتاجية من خلال استزراع الأراضي وعودة مئات الأسر والسكان المحليين لاستزراع هذه المناطق لأول مرة منذ 25 عامًا، وتوفير الحكومة آليات الزراعة وضمان الاستفادة من عوائدها، وتطوير ما يقرب من مليون فدان بالمنطقة في ظل الفراغ الأمني في إثيوبيا جراء الأوضاع في إقليم التيجراي بشمال البلاد، لتمكّين المواطنين والسكان المحليين من السيطرة على أراضيهم، وتضييق الخناق على القوات الفيدرالية الإثيوبية بعد هزيمتها في تيجراي، وعدم قدرتها على الانخراط والتدخل في أكثر من جبهة للقتال.   

باختصار، يُوضح التصعيد الأخير الاعتداءات والانتهاكات المُتكررة من قِبل الميلشيات الإثيوبية داخل الأراضي السودانية بالفشقة، وعدم التزام إثيوبيا باتفاقيات تهدئة الأوضاع الأمنية وخفض حدة التوترات الحدودية، في ظل آليات المُواجهة السودانية المُتعددة سواءٍ بالتحركات العسكرية لحماية الحدود وتأمين المنطقة واستعادة الأراضي المنهوبة، وحالة التأهب والاستعداد لأي هجوم من هذه الميلشيات وتحجيم أطماعها المُتجددة.      

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى