أفريقيا

تداعيات مُمتدة: تجاذبات العلاقة بين مالي والإيكواس

بعد بيان القمة الاستثنائية للمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا “الإيكواس” بشأن مالي في 9 يناير 2022، حيث كانت القمة برئاسة الرئيس الغاني “نانا أكوفو أدو” بمدينة أكرا، فرضت الإيكواس مجموعة من العقوبات على مالي في ضوء فشل السلطات الانتقالية في اتخاذ الخطوات اللازمة لتنظيم الانتخابات الرئاسية قبل 27 فبراير 2022، وعدم تنفيذ الاتفاق الذي تم التوصل إليه مع سلطة الإيكواس في 15 سبتمبر 2020، والافتقار للإرادة السياسية وغياب أي تقدم ملموس في الاستعدادات للانتخابات مع حالة الجدال حول المدة الزمنية للانتخابات المُقررة لإعادة السلطة للمدنيين، ورفض اقتراح المجلس العسكري بشأن تمديد الفترة الانتقالية لخمس سنوات إضافية حتى عام 2026.                

عقوبات قاسية         

تأتي عقوبات الإيكواس في سياق متوتر في العلاقات بين مالي وفرنسا، فضلًا عن تفاقم حالة الصراع وانعدام الأمن الغذائي والضغوط من صندوق النقد الدولي لخفض الإنفاق العام بشكل كبير لتعويض الخسائر الاقتصادية جراء جائحة كوفيد-19؛ إذ أدانت الحكومة المالية العقوبات باعتبارها غير قانونية وشرعية وانتهاك للنصوص التأسيسية للإيكواس، وقامت مالي بتطبيق مبدأ المعاملة بالمثل من خلال إغلاق حدودها مع دول الإيكواس، ويمكن توضيح هذه العقوبات، كما يلي:          

  • تجميد أصول مالي في البنوك المركزية والتجارية التابعة للإيكواس، ولا سيما بنك الإيكواس للاستثمار والتنمية (EBID) وبنك التنمية لغرب أفريقيا (WADB).       
  • إغلاق الحدود البرية والجوية وفرض الحظر التجاري بين دول الإيكواس ومالي.
  • استدعاء فوري لسفراء المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا من مالي.  
  • تعليق جميع المعاملات التجارية والمالية مع مالي باستثناء الضروريات المواد الغذائية والأدوية والمنتجات الطبية والوقود والكهرباء.         

تداعيات مُمتدة          

تؤثر العقوبات الجديدة التي فرضتها الإيكواس على دولة مالي من عدة جوانب، حيث يعتبر المدنيين والفئات محدودة الدخل أكثر المتضررين، ويظهر ذلك في تأزم الوضع الإنساني المتردي، وعجز الحكومة عن دفع رواتب الموظفين، وتوقف عمل بعض القطاعات الحيوية للدولة مثل قطاع تصدير الذهب، ويمكن توضيحها على النحو التالي:                           

• الوضع الإنساني: يُواجه سكان مالي أسوأ انعدام للأمن الغذائي منذ 10 سنوات، حيث يحتاج ثلاثة أشخاص أو أكثر من 7.5 مليون شخصًا إلى مساعدات إنسانية، ويمكن أن تزيد هذه القيود الجديدة من إعاقة قدرة الناس على الوصول إلى المساعدة الإنسانية والخدمات الاجتماعية الأساسية في ظل احتياج 70٪ من الشعب المالي للمواد الغذائية ومُعاناة 1.2 مليون من أزمات غذائية مع اعتماد مالي على المساعدة الخارجية لتمويل الخدمات الاجتماعية الأساسية، على سبيل المثال في مجال الصحة، شمل المانحون الخارجيون 33٪ من إجمالي الإنفاق الصحي في عام 2019.                       

وفى هذا المنظور، حذّرت 13 منظمة غير حكومية من أن العقوبات الجديدة على مالي يمكن أن يكون لها أثر مُدمر على بلد يعتمد فيه واحد من كل ثلاثة أشخاص على المساعدات الإنسانية، وتُطالب هذه المنظمات بإعفاءات إنسانية من العقوبات، ومن هذه المنظمات لجنة الإنقاذ الدولية (IRC)، وأوكسفام، وورلد فيجن إنترناشونال (WVI)، وميرسي كوربس، والعمل ضد الجوع، ومنظمة بلان إنترناشونال.             

•  قطاع تصدير الذهب: سيتأثر هذا القطاع في ظل تعطل وتوقف عمل بعض شركات التعدين في القيام بعملياتها، حيث شكّل الذهب أكثر من 80٪ من صادرات البلاد وحوالي 10٪ من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2020، وكان للعقوبات السابقة التي فرضتها الإيكواس في أعقاب انقلاب مايو 2021 تأثير ضئيل على ما يقرب من 13 منجم ذهب تُديرها شركات متعددة الجنسيات بسبب استمرار الحظر لأسابيع فقط، ولكن هذه المرة مختلفة مع حالة العقوبات الجديدة.           

•  تأخر دفع الرواتب: أوقف البنك المركزي لدول غرب أفريقيا محاولة مالي لجمع حوالي 52 مليون دولار من أذون الخزانة، وبدون إصدار هذا النوع من النقد وأذون الخزانة، لن تتمكن حكومة مالي من دفع كشوف المرتبات العامة الخاصة بها وعدم قدرتها على الوفاء بالمستحقات.              

• تعلّيق رحلات الطيران: أوقفت عددٍ من شركات الطيران رحلاتها إلى مالي، ومن بين شركات الطيران التي أوقفت رحلاتها شركات الطيران الوطنية الإقليمية لدول السنغال وساحل العاج (كوت ديفوار)، وأيضًا شركة “إير فرانس” التابعة لدولة فرنسا، مما سيزيد من عزلة مالي الخارجية.                                

رؤى مُتباينة                      

جاءت ردود الفعل لعقوبات الإيكواس مختلفة بين الرفض الشعبي لها وتأييد للمجلس العسكري في مالي ورفض الوجود الفرنسي، وانقسام الدول في مجلس الأمن الدولي بين من يؤيد العقوبات مثل الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، ومن يرفضها مثل الصين وروسيا. بالإضافة إلى ذلك، توصيات اجتماع مجلس الأمن والسلم الأفريقي بشأن مدة الفترة الانتقالية، ودور دولة الجزائر في حلحلة الأزمة في ضوء اتفاقية السلام والمصالحة لعام 2015، ويمكن إبراز أهم هذه الردود، على النحو التالي:                      

• الداخل المالي: انتقدت أحزاب المعارضة في مالي المجلس العسكري لتأجيل الانتخابات وألقت باللوم عليه نتيجة العقوبات، بينما احتشد العديد من الماليين خلفه، حيث غمرت الرسائل القومية وسائل التواصل الاجتماعي في 14 يناير 2022، واستجاب آلاف المتظاهرين في جميع أنحاء البلاد لدعوة الحكومة لإظهار رفضهم للعقوبات ورفع المتظاهرون لافتات بعنوان: “تسقط الإيكواس وفرنسا”.           

الجزائر: عبرت عن دعمها المستمر لإيجاد حل ومخرج توافقي يخدم مصالح الشعب المالي من خلال إنشاء نظام دستوري مُوحد بهدف حماية وتعزيز إنجازات وتوصيات السلام والمصالحة في مالي المنبثقة عن اتفاقية الجزائر لعام 2015. كما دعت الجزائر إلى مفاوضات سلمية واقترحت جدولاً زمنيًا انتقاليًا يبلغ حوالي 12شهرًا.                                     

• مجلس السلم والأمن الأفريقي: دعا مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي السلطات الانتقالية في مالي إلى تمديد الفترة الانتقالية إلى مدة قصيرة لا تتجاوز 16 شهرًا على الأكثر، وأيد المجلس العقوبات المفروضة على مالي من جانب الإيكواس، كما عبرّ عن أسفه لتدهور الوضع الأمني وغياب سلطة الدولة في وسط مالي.  كما طلب المجلس من مفوضية الاتحاد الأفريقي إجراء مشاورات عاجلة بين دول جوار مالي وتقديم تقرير بالنتائج المتفق عليها مع اعتبار اتفاق السلام والمصالحة لعام 2015 أولوية، باعتباره السبيل الوحيد لضمان حل شامل للتعامل مع التحديات التي تواجه مالي.           

• مجلس الأمن الدولي: اختلف أعضاء المجلس مع فرنسا ودول أخرى في الاتحاد الأوروبي التي تدعم عقوبات الإيكواس، بينما منعت روسيا والصين قرارًا مؤيدًا للعقوبات، حيث قال ممثل فرنسا لدى الأمم المتحدة إن فرنسا تأسف لاستخدام السلطات الانتقالية المالية للأموال العامة لدفع رواتب المرتزقة الأجانب مثل شركة فاجنر، ودعا إلى جدول زمني للانتخابات لتنفيذ اتفاق السلام ووضع استراتيجية لتحقيق الاستقرار في وسط مالي، ووفقًا لبيان على موقع وزارة الخارجية الأمريكية: “نحن نؤيد قرار الإيكواس بفرض عقوبات اقتصادية ومالية إضافية لحث الحكومة الانتقالية على الوفاء بتعهدها للشعب المالي بإعادة بلاده إلى الديمقراطية “. في حين قال “جوزيب بوريل”، الممثل السامي للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، “إن الاتحاد الأوروبي سيفرض عقوبات على مالي تماشيًا مع الإجراءات التي اتخذتها مجموعة الإيكواس”.                                                        

وأخيرًا، تسود حالة من الغموض واللا يقين في الأفق القريب بشأن حل الأزمة المالية والعودة إلى الحكم المدني والتحوّل إلى المسار الديمقراطي في ظل عرقلة الجدول الزمني لعقد الانتخابات، والضغوط والعقوبات الإقليمية والدولية المتصاعدة. ولذا، يجب استمرار المساعدات الإنسانية والإغاثية والإبقاء على خطوط الإمداد الطبيعي بالمنتجات الأساسية للشعب المالي، وضرورة التوصل إلى مخرج توافقي بشأن الأزمة من خلال إقامة حوار وطني من مُمثلي المستويات الحكومية سواء المحلية أو الوطنية ومُتابعة تنفيذ اتفاقية الجزائر بشأن السلام والمصالحة في مالي باعتبارها الحل الشامل للتحديات في البلاد.               

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى