
يوم شهداء مصر الأبرار والفريق عبد المنعم رياض
تحتفل مصر بيوم الشهيد في التاسع من مارس، وهو ذكرى استشهاد الفريق أول عبد المنعم رياض الملقب بالجنرال الذهبي كما أطلق عليه القادة السوفيت عند دراسته بأكاديمية (فرونز) العسكرية العليا بموسكو؛ نظرًا لنبوغه وتفوقه والتزامه وانضباطه كرمزمشرف للعسكرية المصرية، فقد اتُخذ من يوم استشهاده عام 1969 يوم لكل شهداء مصر الأبرار عسكريين ومدنيين، وكل من ضحى بحياته من أجل الوطن.
استُشهد الفريق عبد المنعم رياض وهو رئيس أركان حرب القوات المسلحة، أي الرجل الثاني بعد وزير الدفاع الفريق أول محمد فوزي حينذاك. وخلال مرحلة حرب الاستنزاف التي كانت بمثابة مرحلة وسيطة بين حرب عام 1967 -التي صُنفت هزيمة بلا حرب- وانتصار حرب رمضان أكتوبر 1973 المُؤزًر.
كان الفريق عبد المنعم رياض يؤمن بأهمية وجود القائد بين جنوده وضباطه، وخاصة على الخطوط الأمامية؛ لرفع روحهم المعنوية، ومناقشتهم في مهامهم، والإجابة على أسئلتهم التي كانت تتمحور حول متى سيحين وقت الحرب للأخذ بالثأر؟ ومع الإستفزازات الإسرائيلية عبر صفحة القناة التي لا تعدو 220 مترًا وتحملتها قواتنا في صبر خاصة قبل تهجير مدن القناة التي كانت تغل يد قواتنا حيث يرد العدو باستهداف تلك المدن. وكانت إجابته دائمًا أن الحرب آتية لا محالة، وعلينا أن نستعد لها جيدا بدراسة العدو واستيعاب أسلحتنا التي ترد من الاتحاد السوفيتى تباعًا، رغم عدم مواكبتها لحداثة ما لدى العدو من الترسانة الأمريكية.
مرت مرحلة حرب الاستنزاف بثلاث مراحل فرعية ارتبطت بنمو القوة العسكرية المصرية تسليحًا وتدريبًا، بدءًا بمرحلة الصمود وبناء الدفاعات ثم مرحلة التصدي بعد التهجير والاشتباكات النيرانية المختلفة عبر القناة، انتهاءً بمرحلة الردع ردًا على عربدة الطيران الإسرائيلي بالعمق المدني المصري. وذلك بعبور القوت المصرية لقتال القوات الإسرائيلية في سيناء سواء بكمائن ضد دوريات العدو، وصولًا إلى الإغارات على المواقع الحصينة لخط بارليف التي تكبد فيها العدو خسائر كبيرة في الأفراد والأسلحة والمعدات، مع العديد من الأسرى الذين أفادوا في التخطيط لحرب أكتوبر. وتكونت تلك القوات من وحدات قتال خاصة كمجموعة البطل إبراهيم الرفاعي، وكذلك مجموعات الفدائيين المتطوعين من الوحدات المقاتلة على شاطئ القناة، وكان الكاتب أحد قادتها بموقع الاستشهاد.
في التاسع من مارس 1969 زار الفريق عبد المنعم رياض عدة مواقع على الجبهة لتفقد نتائج القصف المدفعي المصري المركًز في اليوم السابق وكانت الزيارة الأخيرة لموقع المعدية رقم 6 الشجرية شرق الإسماعيلية حيث يوجد موقعان مهمان من خط بارليف. الأول يسمى لسان التمساح (بروز أرضي داخل بحيرة التمساح) والثاني شرق المعدية رقم 6 حيث استشعر العدو نشاطًا زائدًا فأطلق كافة نيرانه بكثافة، لتسقط إحدى القذائف على مقربة من خندق وجود الفريق عبد المنعم رياض، ليصاب بالشظايا وموجة الضغط الكبيرة، فأسلم روحه الطاهرة بين رجاله في الساعة الثانية وخمسة وعشرين دقيقة، ليدفن بملابسه العسكرية شهيدًا للوطن. وقد نعاه الرئيس جمال عبد الناصر بما يليق ببطولته وشجاعته، فكان استشهاده وقودًا دافعًا وثأرًا إضافيًا.
وفي ذكرى الأربعين لاستشهاده وفي التاسع عشر من أبريل التالي كان موقع العدو بلسان التمساح على موعد مع العقاب الشديد بمجموعة قتال البطل إبراهيم الرفاعي الذين عبروا من جانب بحيرة التمساح تحت ستر مدفعيتنا، واقتحموا موقع العدو، وأنزلوا به خسائر جسيمة في الأفراد والأسلحة والمعدات كما حكى البطل سمير نوح. ثم كان موقع العدو في رقم 6 على موعد مع عقاب لاحق ليلة التاسع من يوليو التالي عندما عادت وحدة الكاتب من التدريب في الخلف في نهاية شهر مايو 1969 إلى رقم 6 مكان استشهاد الفريق عبد المنعم رياض، حيث تشرف الكاتب بقيادة تلك الإغارة عبر القناة مع الرجال، أذكر منهم الأبطال مصطفى رمضان ومحمد عابدين ومحمد سعودي. وتشرفنا بمنحنا نوط الشجاعة العسكري من الطبقة الأولى من الرئيس جمال عبد الناصر بعد خمسة أيام فقط من التنفيذ.
والبطل الشهيد ابن قرية سبيرباي بطنطا والده القائم مقام محمد رياض الذي كان ضمن الجيش المصري بالسودان. لذلك أقام الفتى عبد المنعم رياض في بيت خاله محمد أمين الخولى عمدة القرية، حيث نشأ متأثرًا بأصالة ومروءة ريف مصر الطيب الذي ظل على اتصال به حتى استشهاده. فسلام على روحه وأرواح شهداء مصر الأبرار في يوم ذكراهم العطرة..


