مقالات رأي

أبريل 1945 وسقوط برلين واستسلام ألمانيا

كان تاريخًا فارقًا، أرّخ لهزيمة ألمانيا قائدة قوات المحور في مواجهة قوات الحلفاء المنتصرين في مسرح الحرب الأوروبي، حيث تشكلت قوات المحور الرئيسة -بالإضافة إلى ألمانيا- من كل من إيطاليا واليابان. بينما تشكلت قوات الحلفاء من قيادة غربية بزعامة الولايات المتحدة ومعها بريطانيا وفرنسا، وقيادة شرقية بزعامة الاتحاد السوفيتي الذي بدأ الحرب باتفاقية سرية مع ألمانيا لاقتسام بعض الدول الأوروبية، عرفت باتفاقية روبينتروب-مولوتوف وزيري خارجية الدولتين، والثاني من عائلة مخترع القنبلة الشهيرة (مولوتوف).

ولخلاف بين هتلر وستالين بعد اقتسام بولندا، أعلنت ألمانيا الحرب على الاتحاد السوفيتي حيث انضم الأخير إلى الحلفاء وقاد الجبهة الشرقية بقيادة الجنرال زوكوف ليقابل الجبهة الغربية بقيادة الجنرال ايزينهاور في منتصف أبريل في برلين عاصمة ألمانيا التي وقّعت وثيقة الاستسلام دون قيد أو شرط، وقُدم قادتها إلى محاكم (نورنبيرج) الشهيرة حيث اُعدم معظمهم. وقُسمت ألمانيا إلى شرقية وغربية بما فيها برلين التي قسمها سور كئيب ضخم صمد لقرابة نصف قرن، وكان انهياره مقدمة لإعادة اتحاد ألمانيا ثم تفكك الاتحاد السوفيتي 1991.

غيرت تلك الأحداث الخريطة الاستراتيجية لأوروبا وكانت بمثابة نهاية نظام عالمي مزدوج القطبية وبداية نظام عالمي جديد مفرد القطبية بزعامة الولايات المتحدة، واستمر حتى بدء الحرب الروسية الاُوكرانية الحالية وهو ما يوحى ببزوغ نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب الرئيسة مع تعدد القوى المتوسطة. وهنا نعود إلى التاريخ وإلى الأول من سبتمبر1939حيث أشعلت ألمانيا شرارة الحرب العالمية الثانية باجتياحها بولندا بدءًا بإقليم بروسيا الشرقية الذي تعده جزءًا من ألمانيا التاريخية.

الخلفية السياسية والعسكرية للحرب: كانت الحرب العالمية الأولى 1914-1918 قد انتهت بهزيمة ألمانيا أيضًا وحلفائها من الإمبراطوريتين النمساوية والعثمانية أمام ذات الحلفاء، ودفعت ألمانيا ثمنًا باهظًا حيث فقدت كل مستعمراتها التي تمدها بالمواد الخام وحوالي 13%من أراضي الإمبراطورية الألمانية، وعلى المستوى العسكري تم تقليص جيشها إلى 100 ألف مقاتل و1500 ضابط فقط، وبدون أسلحة ثقيلة برية أو بحرية، وهو نوع من ضبط التسلح الجائر.

كانت تلك الإجراءات عقابية ومجحفة، وهو ما عدّته ألمانيا ظلمًا وخططت لرده. وهوما تم بعد 21 عامًا ولكن بظلم أكبر (احتاجت مصر فقط إلى 6 سنوات لتحول هزيمة 1967 إلى نصر أكتوبر 1973) حيث بلغت خسائر تلك الحرب العالمية من القوى البشرية للطرفين من القتلى والجرحى العسكريين والمدنيين قرابة 73 مليون نسمة، كآخر الحروب المفتوحة لانتصار كامل لطرف وهزيمة واستسلام كامل ومُوثًق للطرف الآخر، ليملي المنتصر شروطه المجحفة التي يتقبلها المهزوم صاغرًا ليتحين الفرصة لرد الظلم، وغالبا ما يكون الرد أكثر ظلمًا. مما كان دافعًا لإنشاء الأمم المتحدة ومجلس الأمن كآلية دولية توقف الحروب التي أصبحت مرحلة وسيطة بين السياسة والسياسة حفاظًا على السلم والأمن الدوليين.

لم تكن الولايات المتحدة طرفا في تك الحرب، إلى أن هاجمت اليابان اُسطولها في 7 ديسمبر 1941 المنتقل للتو من كاليفورنيا إلى ميناء بيرل هاربار بجزر هاواي (انضمت لاحقًا كولاية أمريكية عام 1958)، وكان الهجوم ردًا على معاونة الولايات المتحدة للحلفاء بالمواد الخام الداخلة في التصنيع العسكري، وهنا تدخلت أمريكا بقوة لتقود الحلفاء إلى انتصارات متتالية. 

ففي المسرح الأوروبي، تم أكبر إنزال بحري ومظلي في التاريخ على شاطئ نورماندي الفرنسي ليتم تحرير نصف فرنسا المحتل بالقوات الألمانية (جسدته السينما العالمية بفيلم رائع هو أطول يوم في التاريخ) ثم التقدم شمالًا لتحرير دول غرب أوروبا، وصولًا إلى حدود ألمانيا ذاتها، ثم عبور نهر الرايِن (ظل يدرس دوليًا عن عبور الموانع المائية حتى ألغاه عبور القوات المصرية لقناة السويس الأصعب كمانع ودفاعات) ثم العمق الألماني إلى برلين حيث السقوط والاستسلام وانتحار هتلر.

وقد سبق ذلك سقوط واستسلام إيطالي في جنوب أوروبا والبحر المتوسط، وأيضًا هزيمة القوات الألمانية والإيطالية بقيادة الجنرال الألماني روميل في معركة العلمين بشمال غرب مصر، حيث قاد قوات الحلفاء الجنرال مونتيجومري. وتم التخطيط في (سويت) مازال يحمل اسمه في فندق مينا هاوس تحت سفح الهرم.

وهنا نذكر أن مصر و9 دول عربية أخرى أعلنت الحرب على ألمانيا في المراحل الأخيرة تحت ضغط بريطاني وفرنسي مقابل نيل الاستقلال في حالة انتصارهم (الحلفاء) وهو ما لم يتم بعد الانتصار. وزاد الطين بلة بغطاء الانتداب البريطاني على فلسطين حتى قيام دولة إسرائيل، فكان هذا التراكم إيذانًا بحتمية قيام ثورة يوليو 1952..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى