مقالات رأي

23 ديسمبر 1956 عيد النصر على العدوان الثلاثي

يشكل هذا اليوم صفحة مضيئة في تاريخ النضال الوطني المصري، ويؤرخ لانتصار مصر السياسي العسكري؛ ففي هذا اليوم تم انسحاب آخر جندي من جنود العدوان من منطقة قناة السويس. وكان قد بدأ التخطيط للعملية (قادش) باجتماع ثلاثي فرنسي بريطاني إسرائيلي في 22 أكتوبر 1956 بسيفر بفرنسا  بشكل سري، حيث لم تُبلَغ الولايات المتحدة مما انعكس على موقفها بنهاية الحرب. ليبرز السؤال المهم: ماهي أسباب ودوافع دول العدوان الثلاثة تجاه مصر؟ فإذا كانت واضحة لكل من فرنسا وبريطانيا نتيجة تأميم الرئيس جمال عبد الناصر لشركة قناة السويس، وهما صاحبتا أكبر أسهم الشركة مع دعمه للثورة الجزائرية،  فما هي دوافع إسرائيل التي ليس لها علاقة بقناة السويس؟ وهو ما سنجيب عليه بعودة قليلة إلى الخلف حيث يتراكم التاريخ..

بنجاح ثورة يوليو 1952 وتوقيع اتفاق الجلاء البريطاني عن مصر في مايو 1954 بواسطة رئيس وزرائها جمال عبد الناصر -قبل أن يصبح رئيسًا لمصر- و بعد 72عامًا من الاحتلال والمماطلة لنيل الاستقلال، حيث أسفر الاتفاق عن بقاء عتاد وسلاح الجيش البريطاني في منطقة قناة السويس مع عدد قليل من الخبراء بصفة مدنية؛  بهدف العودة البريطانية للدفاع المشترك مع مصر حالة تهديد قناة السويس. ولم يدُرْ بخلد ممثل الجانب البريطاني أنه هو من سيعود بعد عامين ليهدد قناة السويس ويفقد هذا العتاد والسلاح!

كان من ضمن أهداف الثورة الستة “بناء جيش وطني قوي” نتيجة مأساة حرب فلسطين 1948-1949 ونقص وتقادم العتاد المصري البريطاني الأصل؛ إذ كانت مصر تتبع تلك المدرسة تسليحًا وتكتيكًا منذ احتلالها عام 1882، وكانت بريطانيا صاحبة الانتداب على فلسطين منذ هزيمة الدولة العثمانية.

ولاحقا طلب الرئيس عبد الناصر من بريطانيا وبعد توقيع اتفاق الجلاء تسليح الجيش المصري(الحليف في قناة السويس)، ولكنها تلكأت للحفاظ على تفوق إسرائيل طبقًا للاتفاق السري الثلاثي مع كل من الولايات المتحدة وفرنسا، فذهب الرئيس عبد الناصر إلى أمريكا من ذات المدرسة العسكرية، وزاد بطلب التوسط لدى البنك الدولي للاقتراض لبناء السد العالي. ووافق الرئيس أيزنهاور بشرط أن تدخل مصر معه حلف بغداد لمحاصرة الاتحاد السوفيتي من الجنوب، ومنعه من الوصول إلى منطقة الخليج، وهو ما رفضه الرئيس عبد الناصر؛ لأنه لا يريد أن يكون طرفًا في حلف ضد آخر، وحتى لا يقال “إنني استبدلت الاستعمار البريطاني بالاستعمار الأمريكي” وهكذا كان يرى.

توجه ناصر إلى الاتحاد السوفيتي القوة العظمى الجديدة فرحب بكلتيهما، بما عرف بالصفقة التشيكية، وكانت أول صفقة تخرج من موسكو ولا تقصد الصين لتتم خلال عامي 1955-1956 وكان على الجيش المصري استيعاب تلك الصفقة الضخمة تدريبًا وتكتيكًا كاملًا بنهاية 1957، لذلك كان توقيت العدوان في 29 أكتوبر 1956 مثاليًا لإجهاض هذا التفوق المصري ضد إسرائيل. وقد كانت موسكو تجهل الاتفاق الثلاثي، ولكنها راعته لاحقًا قبل وأثناء حرب أكتوبر 1973.

رغم السعر الخاص ومميزات السداد بما فيها بعض المحاصيل المصرية، فقد كان المتبقي كبيرًا، فكان التفكير في تأميم قناة السويس لتعظيم الحصة المصرية للسداد، وهو ما تم في يوليو 1956. ليبدأ العدوان باستخدام إسرائيل كمخلب قط بقوات متفوقة ضد القوات المصرية المحدودة في سيناء-نظرًا لتدريب القوات الرئيسة في العمق خارج سيناء- لتوجه بريطانيا وفرنسا إنذارًا إلى مصر وإسرائيل لوقف القتال، فترفضه مصر لوجود قوات إسرائيلية بسيناء، لتتدخل بريطانيا وفرنسا (كما في السيناريو) ضد مصر بتدمير قواتها  الجوية، ثم دعم أعمال قتال القوات الإسرائيلية بسيناء، مع احتلال بعض مدن القناة بأعمال الإنزال الجوي ثم البحري لبريطانيا في بور سعيد ولفرنسا في بور فؤاد، حيث بادرت مصر بسحب قوات الدعم التي كانت على وشك عبور القناه نظرًا لاكتشاف المصيدة المخططة لتدمير الجيش المصري بعد تدمير طيرانه.

تدخل الاتحاد السوفيتي بإنذار شديد اللهجة لوقف القتال، وأعقبته الولايات المتحدة بإنذار شديد يعكس ضيقها بعدم إخطارها المسبق، لتنسحب القوات المعتدية وتعود القناة كشركة مساهمة مصرية مع الحفاظ على حقوق المساهمين، وتعود لها معظم الأسلحة البريطانية في القناة كغنائم حرب، وتدير مصر القناه بمرشديها بمعاونة زملائهم اليونانيين الذين رفضوا الانسحاب، ودعم بسفينة إرشاد سوفيتية. ليصبح 23 ديسمبر عيدًا للنصر، حيث حققت مصر أهدافها السياسية العسكرية، وفشلت دول العدوان في ذلك، وهو أهم المقاييس الاستراتيجية الحديثة لقياس النصر والهزيمة. فكل عام وشعب وجيش مصر بخير، ومن نصر إلى نصر بإذن الله.

نقلًا عن صحيفة الأهرام

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى