مقالات رأي

ثورة 30 يونيو بين الحتمية والتفرد

باستعراض وتحليل ظروف وطبيعة وأهداف الثورات بشكل عام وفى مصر بشكلٍ خاص وتحديدًا منذ الاحتلال البريطاني لها عام 1882 وحتى ثورة 30 يونيو 2013، سنجد أن الأخيرة تتوافق مع معظم الثورات في مصر والخارج بشكل عام، ولكنها تتفرد بظروف وطبيعة خاصة عن بعض الثورات العالمية وكل الثورات الداخلية الوطنية المصرية، حيث ننتقى بعض مؤشرات التفرد: 1 – الحشد التلقائي الكبير في وقت قصير: حيث رصدت التقارير العالمية المهتمة حوالي 35 مليون فرد بتصوير الأقمار الصناعية وكثافة عدد الأفراد في المتر المربع للتجمعات الرئيسية فقط، حيث تم التراكم في وقت قصير خلال النصف الثاني من يوم 30 يونيو. 

2 – وضوح الهدف: وهو الانتخابات الرئاسية المبكرة، بعد عام من أداء رئاسي ضعيف لفصيل الإسلام السياسي أضر بمصر داخليا وخارجيا، فحكم الجماعة لا يصلح لحكم الدولة. فإذا فاز الرئيس الأسبق فليكمل مرحلته ويصحح أخطاءه، وإذا خسر فليغادر بشرف، وربما لو كان الأمر بيده لوافق، ولكن الأمر بيد قيادته التي تعده مندوبها في القصر الرئاسي وتعرف أن فرص نجاحه في انتخابات مبكرة تكاد تكون معدومة، لذلك تم الرفض الفوقي..

الثورات والجيوش: هناك مثالان الأول: أن يبدأ الجيش الثورة ويؤيده الشعب كمثال ثورة يوليو 1952، والمثال الثاني: عكسي، بأن يبدأ الشعب ويؤيده ويحميه الجيش، وهو كما حدث في المرحلة الأولى لثورة 25 يناير. أما ثورة 30 يونيو فكانت مثالًا مختلفًا، فلم يكن هناك تنسيق مسبق بين الجيش والطوفان الجماهيري، فقدم الجيش متمثلا في وزير دفاعه الفريق أول عبد الفتاح السيسي نداء توافق مصري للخروج من هذا المأزق والخطر المحدق بالوطن خلال مهلة يومين (48 ساعة) تنتهي في الثاني من يوليو وإلا سيتدخل الجيش. وكان يمكن أن يتم التوافق، ولكن النظام الرئاسي التابع رفض أن يشاركه أحد للبحث عن حل للأزمة وإنقاذ الوطن، فكانت حتمية تدخل الجيش. 

خريطة الطريق والمرحلة الانتقالية: بدأت في الثالث من يوليو ببيان الثورة وألقاه وزير الدفاع في وجود ممثلي القيادات الشعبية والدينية والعسكرية، ولمدة عام ميلادي تولى فيه الرئاسة المستشار عدلي منصور رئيس المحكمة الدستورية العليا، للعمل في خطين متوازيين: الأول استعادة الدولة المصرية ووضعها على الطرق الصحيح الذى يليق بها بدءًا بوضع دستور جديد بواسطة لجنة الحكماء الخمسين الممثلين لكل أطياف الشعب برئاسة السيد عمرو موسى أمين عام الجامعة العربية الأسبق، ثم مجموعة استحقاقات انتخابية برلمانية ورئاسية أتت بالرئيس عبد الفتاح السيسي بإرادة شعبية كبيرة تعنى قبول الشعب لتحدى ومصاعب إعادة البناء الذى وعد به وزير الدفاع عندما طُلب منه بإرادة شعبية الترشح للرئاسة. 

والخط الثاني كان بدء المواجهة والحرب على الإرهاب الذي بدأ توسعه بالتزامن مع الفترة الانتقالية، وهو ما أكده القيادي الإخواني الدكتور البلتاجي بأنه سيتوقف في التو واللحظة التي يعود فيها الرئيس الأسبق، مما يؤكد متلازمة الإرهاب الذي هو في طريقه إلى الانحدار في بقعة محدودة بسيناء متاخمة لقطاع غزة. 

مرحلة الانطلاق لبناء مصر الحديثة: بنيت أسسها خلال المرحلة الانتقالية ثم كان الانطلاق الكبير بعدها وحتى الآن في شتى مجالات أمنها القومي، فعسكريا: تم استكمال بناء جيشها الوطني القوى فلا تنمية دون أمن، وسياسيا: دعمت مصر مكانتها الدولية وكذلك الإقليمية والإفريقية وحوض النيل بعد غياب غير مبرر، واقتصاديا: بإرساء البنى التحتية في شتى المجالات لنهضة صناعية وزراعية مع ربط سيناء بالوادي، واجتماعيا: لكل ما هو خدمي ويهم الفرد والأسرة وخاصة الشريحة المهمشة مع القضاء على العشوائيات.

وستستمر القوة الدافعة لاستنهاض القوة الشاملة للدولة المصرية الحديثة ودعم أمنها القومي كما أسست له ثورة 30 يونيو المتفردة بحق، رغم العوائق كجائحة كورونا وتداعيات الحرب الأوكرانية..

نقلًا عن جريدة الأهرام

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى