مقالات رأي

النيران الصديقة الإسرائيلية وأكذوبة 7 أكتوبر

لن يتورع قادة إسرائيل في يوم ما وبعد أن تضع الحرب الضروس اللا إنسانية على غزة أوزارها، أن يعتذروا بكل تبجح ووقاحة للشعب الإسرائيلي عما اقترفته أيديهم متمثلة في إحدى أو بعض مروحيات “الأباتشي” أمريكية الصنع العملاقة في القتل بطريق الخطأ للمئات من المحتفلين في إحدى المستوطنات المحيطة (بغلاف) قطاع غزة، التي كانت على مقربة من الوحدة العسكرية الاستخباراتية المعروفة باسم (وحدة غزة) وهي هدف عملية طوفان الأقصى. 

وسيكون هذا الاعتذار مشابهًا لاعتذار الرئيس جورج بوش الابن للشعب الأمريكي عن خطأ قرار الحرب الأمريكية على العراق عام 2003 بدعوى أن العراق يملك أسلحة نووية صغيرة يمكن للإرهابيين استخدامها ضد الولايات المتحدة، وهو ما ثبت خطؤه لاحقًا وأن تسويق هذه الأكذوبة كان فقط لامتصاص غضب الشعب الأمريكي على التقصير الأمني لقياداته التي أفضت إلى هجمات 11 سبتمبر2001 ضد برجي مركز التجارة العالمي بنيويورك وإسقاطهما، ومهاجمة مبنى وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) في العاصمة واشنطن والذي يمثل قدس الأقداس في منظومة الأمن القومي الأمريكي، حيث بدا الرئيس بوش الابن مترددا ومطأطئ الرأس قبل أن ينطق بكلمة الاعتذار. وكان الاعتذار للشعب الأمريكي دافع ضرائب تكلفة الحرب وصاحب أسر ضحاياها من قتلى وجرحى، ومن المؤسف ألا يشمل هذا الاعتذار الشعب العراقي الضحية.

وذلك هو الأقرب للسيناريو الإسرائيلي المتوقع للاعتذار عن القتل الخطأ والنيران الإسرائيلية الصديقة التي أودت بحياة المئات من المحتفلين بالإضافة إلى المباني والأسر المحيطة بمكان الاحتفال، وأيضًا دون توقع أي اعتذار للجانب الفلسطيني لسببين: الأول أن إسرائيل تصنف المقاومة الغزاوية بالإرهابيين، والثاني ينسف مبرر الحرب الضارية على قطاع غزة من مدنيين معظمهم من النساء والأطفال مع تهجيرهم القسري إلى النصف الجنوبي من القطاع جنوب وادي غزة ثم إعادة قصف الجنوب، مع تدمير معظم المباني والبنية الأساسية كما لم تسلم دور العبادة من مساجد وكنائس وكذلك المستشفيات، بدعوى البحث عن مقاتلي حماس غير الموجودين أساسًا على سطح الأرض. 

ومن المتوقع أن يكون الاعتذار عن الخسائر في الأرواح من الجيش والشعب الإسرائيلي، دون الوقوف عند النيران الصديقة لعدم إظهار ضعف الجاهزية القتالية والتخبط لدى قوات الحالة الأولى والطوارئ سواء البرية أو الجوية، وضعف المعلومات الاستخباراتية، وضعف منظومة القيادة والسيطرة. كما أنه ينسف السبب الجوهري للعقاب العسكري المفرط وغير الإنساني ضد الشعب الغزاوي بدعوى البحث والقضاء على قوات المقاومة الغزاوية خاصة حماس.

وإلى أن يحين وقت الاعتذار والكذب الإسرائيلي، يمكننا أن نحاول قراءة مشهد هجوم المقاومة الغزاوية يوم السابع من اكتوبر، سواء ما نُشر مصورًا أو ما يمكن استنتاجه منطقيًا من طبيعة الأشياء. 

أولًا: الهدف من عملية طوفان الأقصى هو مهاجمة (وحدة غزة) المسؤولة عن كل ما يخص قطاع غزة استخباراتيًا وعسكريًا، بالحصول على معلومات موثقة من خلال الحواسب والوثائق. مع أسر أكبر عدد من جنود تلك الوحدة لاستجوابهم والحصول على وتأكيد المعلومات وهو ما كان، ثم المقايضة عليهم بعدد أكبر من المسجونين الفلسطينيين. 

وربما امتد حماس المهاجمين إلى جوار الوحدة العسكرية نظرًا لقلة عدد الجنود المناوبين؛ بهدف زيادة عدد الرهائن. 

ثانيًا: من غير المنطقي أن يحدث هذا الهجوم المحدود مستخدم الدراجات الهوائية والنارية كل هذا الدمار بحرق مئات السيارات وعشرات الجثامين المتفحمة على الشاحنات المكشوفة التي يسهل القفز منها. ثم أكذوبة ذبح الأطفال والاغتصاب في هذا المناخ بما يتنافى مع حديث الأم اليهودية وطفليها مع اثنين من المهاجمين، وأنهما لم يجدا ما يبحثان عنه، وقالت إنهما مسلمان ولا يؤذيان سيدة أو طفلا قبل أن ينصرفا!.

والعكس مع مثال آخر للعنف والتطرف الإسرائيلي على لسان وزير التراث الإسرائيلي عميحاي إلياهو وهو عضو في حزب ديني متطرف وذي جذور شرقية (سفرديم) عراقية، الذي هدد بمحو غزة بالسلاح النووي الإسرائيلي، حيث بادر رئيس الوزراء نتنياهو وبعض وزرائه برفض ما قاله “إلياهو”. ولم يكن ذلك الرفض لسبب إنساني كما أرادوا أن يبدو ولكن لسببين آخرين.

الأول قوله إن موت الأسرى والرهائن الإسرائيليين لدى حماس لن يكون أغلى من موت جنود الجيش الإسرائيلي. أما السبب الثاني والأهم فهو الإفصاح الرسمي من شخصية وزارية مسؤولة عن حقيقة امتلاك إسرائيل للسلاح النووي الذي تحاول إنكار امتلاكه، وإن دائرة الإفصاح والإنكار السابق تكرارها تندرج تحت فلسفة ما يسمى الردع بالشك بين حقيقة هل تملك أم لا تملك. والحقيقة أنها تملك على لسان مصادر أمريكية رسمية لتبقى إسرائيل المحتلة للأراضي الفلسطينية والعربية هي منبع العنف وعدم استقرار المنطقة.

نقلًا عن جريدة الأهرام

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى