مقالات رأي

لواء أ.ح دكتور/ محمد قشقوش يكتب :لماذا 30 يونيو ثورة مختلفة ومُتفرٍدة ؟

باستعراض وتحليل ظروف وطبيعة وأهداف الثورات بشكل عام وفى مصر بشكلٍ خاص وتحديداً منذ الاحتلال البريطاني لها عام 1882 وحتى ثورة 30 يونيو 2013 ، سنجد أن الأخيرة تتوافق في القليل أو الكثير مع بعض او معظم الثورات في مصر والخارج بشكل عام، ولكنها تتفرد بظروف وطبيعة خاصة عن بعض الثورات العالمية وكل الثورات الداخلية الوطنية المصرية كما سنعرض له من أمثلة.

  • الحشد الكبير في وقت قصير: هناك أمثلة لحشود كبيرة لثورات عديدة ولكن 30 يونيو جمعت بين الحشد وفي زمن قياسي، وقد رصدت التقارير العالمية المهتمة لحوالي 35 مليون بتصوير الأقمار الصناعية وكثافة عدد الأفراد في المتر المربع للتجمعات الرئيسية دون الفرعية وإلا لزاد العدد، كما أن هذا الرقم يزيد عن تعداد نصف دول العالم في الأمم المتحدة! وان ذلك اكتمل في وقت قصير جدا وبشكل تلقائي خلال النصف الثاني من يوم 30 يونيو.
  • تحديد ووضوح الهدف: وهو الانتخابات الرئاسية المبكرة، فالشعب الذي أتى بالرئيس الاسبق محمد مرسي بأغلبية طفيفة، كانت بالتأكيد أقل من 35 مليون، هو نفسه من يطالبه بعد عام من أداء رئاسي ضعيف بانتخابات مبكرة- فحكم الجماعة لا يصلح لحكم الدولة- فإذا فاز فليكمل مرحلته ويصحح أخطاء أدائه، وإذا خسر فليغادر بشرف سيُذكر له. وأعتقد لو كان الأمر كله بيد الرئيس الأسبق وحده، لو وافق على الانتخابات المبكرة ولكن جُل الأمر بيد قيادته التي سبق لها ترشيحه وتعرف أن فرص النجاح في انتخابات مبكرة تكاد تكون معدومة ولذلك تم الرفض الفوقي.
    -الوصول إلى الهدف دون قيادة: كانت حالة ثورية فريدة دون قيادة ولكنها ثورة جماعية حاشدة تلقائية، كما تعرف هدفها بعد رفض الانتخابات المبكرة، وهو وجوب التغيير الرئاسي السلمي بالزحف إلى القصر الرئاسي .وهنا كان الدور المزدوج للقوات المسلحة متمثلة في قوات الحرس الجمهوري بقيادة اللواء محمد زكي، لتأمين القصر الرئاسي بمن فيه، مع تأمين الحشود الشعبية حوله وهو ما حدى بتوجيه مواسير الدبابات إلى الخلف عكس مواجهة الجماهير في رسالة مفادها ” أننا جيشكم ولن نطلق النار عليكم”
    -الثورات والجيوش: هناك مثالان الأول، أن يبدأ الجيش الثورة ويؤيده الشعب كمثال ثورة يوليو 1952 والمثال الثاني عكسي، بأن يبدا الشعب ويؤيده الجيش، وهو كما حدث في المرحلة الأولى من ثورة 25 يناير 2011 حيث حماها الجيش، ولكنها فشلت لعدم وجود قيادة وعدم وجود هدف قومي ما بعد اسقاط وتنحى الرئيس الاسبق مبارك، فتم اختطاف الثورة وأخذت منحى بعيد عن صالح الوطن فتدخل الجيش لحماية أمن مصر القومى بعيدا عن التشرذم وأجندات المصالح الداخلية والخارجية.
    أما ثورة 30 يونيو فكانت مثال مختلف، فلم يكن هناك تنسيقا مسبقا بين الجيش والطوفان الجماهيري الذي لم يكن له قيادة ولكنها إرادة شعبية جمعية استشعرت الخطر على الوطن بعد الإعلان الرئاسي ورفض الرئاسة للانتخابات المبكرة. كما استشعر الجيش الخطر الذي يهدد الأمن القومي المصري وكيان الدولة المصرية ذاتها، فقدم الجيش متمثلا في وزير دفاعه الفريق أول عبد الفتاح السيسي نداء توافق مصري للخروج من هذا المأزق والخطر المحدق بالوطن خلال مهلة يومين(48 ساعة) تنتهي في الثاني من يوليو وإلا سوف يتدخل الجيش، وكان يمكن أن يتم التوافق ولكن النظام الرئاسي التابع رفض أن يشاركه أحد للبحث عن حل للأزمة وإنقاذ الوطن، فكانت حتمية تدخل الجيش.
    بانتهاء المدة دون حل أو توافق وفي الثالث من يوليو تم إعلان وزير الدفاع لبيان الثورة وخريطة الطريق لمرحلة انتقالية لمدة عام، وتم ذلك في وجود ممثلي المجلس الأعلى للقوات المسلحة والقيادات الشعبية والدينية والسياسية ممثلة في الدكتور البرادعي الذى كان مرشحا ليكون نائبا لرئيس الجمهورية.
    الثورات والمراحل الانتقالية: تعتبر ثورة 30 يونيو من الثورات القلائل عالميا والوحيدة مصريا، التي بدأت بفترة انتقالية خلال كل ثورات مصر منذ الاحتلال البريطاني عام 1882حيث عادةً ما تبدأ الثورات بأحكام عرفية وأحيانا بعنف شديد مثل الثورة الفرنسية والرومانية الأكثر دموية، فقد حددت ثورة 30 يونيو فترة انتقالية لمدة عام برئاسة الرئيس عدلي منصور رئيس المحكمة الدستورية العليا، وحددت خريطة طريق واستحقاقات أهمها لجنه الحكماء الخمسين برئاسة السيد عمرو موسي أمين عام الجامعة العربية الأسبق لوضع دستور يليق بمصر ويواكب المرحلة القادمة، ثم استحقاقات برلمانية واخيراً رئاسية أتت بالرئيس عبد الفتاح السيسي بإرادة شعبية كبيرة حيث كانت المرحلة الانتقالية بمثابة استعادة الدولة المصرية.
    تحديات المرحلة الانتقالية: كان تحديا مزدوجا يجمع بين استعادة الدولة وبين محاربة الإرهاب وخاصة في سيناء حيث نذكر المقولة الشهيرة للقيادي الإخواني محمد البلتاجي المحكوم عليه بالاعدام : “سوف يتوقف الارهاب في التو واللحظة التي يتم فيها عودة الرئيس مرسي” في اشارة واضحة لتبعية الإرهاب. الذي كُسِرت شوكته داخليا ومن يتعاون معه خارجيا. ورغم ذلك تم التأسيس لمرحلة انطلاق مصر في شتى المجالات.
    مرحلة الانطلاق لبناء مصر الحديثة: بنهاية المرحلة الانتقالية تم الانطلاق الفعلي لبناء مصر الحديثة تمهيدا لوضعها في المكانة التي تستحقها، باستنهاض القوى الشاملة للدولة المصرية ودعم أمنها القومى الشامل في مجالاته العسكرية والسياسية والاقتصادية والمجتمعية، التي سنتناولها باختصار:
    -في المجال العسكري: استكمال بناء جيش وطني قوي، والذي كان مطلبا ثوريا منذ أهداف ثورة يوليو 1952لتأمين الدولة المصرية وحدودها ومكتسباتها ضد أى تهديدات إقليمية أو دولية فلا تنمية بدون أمن.
    -في المجال السياسي: دعمت مصر مكانتها السياسية الدولية واستعادت مكانتها الأفريقية الغائية منذ منتصف العقد الاخير من القرن الماضي وعقب محاولة اغتيال الرئيس الأسبق مبارك في أديس ابابا بإثيوبيا ،مما نتج عنه فراغ سياسي أضر بالدولة المصرية وخاصة في حوض النيل وسد النهضة، رغم ان مصر رائدة وداعمة ومؤسسة لمنظمة الوحدة الأفريقية- الاتحاد الأفريقي لاحقا- حيث عادت مصر عامل استقرار في المنطقة يعتد به ويُرجع اليه دوليا وإقليميا.
    -في المجال الاقتصادي: إرساء البنى التحتية للطرق والسكك الحديدية والموانئ البحرية والجوية، كما فعلت الولايات المتحدة الامريكية وهى تؤسس لدولة عظمى اقتصادية وعسكرية بعد الحرب الاهلية بن الشمال والجنوب، كما أسست مصر أقاليم اقتصادية على غرار خليج وقناة السويس وحتى استكمال الجزء المتبقي من ازدواجها، مع استثمار غاز شرق المتوسط الواعد وكذلك توطين الطاقة النووية.
    -في المجال المجتمعي: وهو عصب مجالات الأمن القومي، المتدرج إلى الاسرة ثم الفرد الذى هو غاية ووسيلة الأمن القومي الشامل في ذات الوقت، فالفرد في المجال العسكري هو الضابط والجندي، وفى المجال الاقتصادي هو الصانع والزارع والتاجر. الخ، وفى المجال السياسي هو الدبلوماسي والقنصلي، وفى المجال المجتمعي هو كل شيء تعليمي وصحى وخدمي.. الخ.
    ونشير فقط الى اليسير مثل القضاء على فيروس (سي)وخطة القضاء على العشوائيات المتراكمة منذ عقود، بمجتمعات سكنية إنسانية وحضارية ومد شبكة التامين الصحى ومحاربة البطالة والفقر وصولا الى تحسين مستوى معيشة الطبقة المتوسطة عماد المجتمع. ونخلص الى: أن ثورة 30 يونيو عام 2013 كانت ثورة متفردة مقارنة بدراسة العديد من الثورات الخارجة وجميع الثورات المصرية منذ الاحتلال البريطاني عام 1882 فمعظم الثورات يقوم بها الجيش ثم يؤيدها الشعب فتنجح كثورة يوليو 1952ويكون للثورة قيادة محددة ولكن ثورة 30 يونيو كانت ثورة شعبية حاشدة وفى زمن قياسي ودون قيادة او تنسيق مسبق مع الجيش، ولكن الهدف كان واضح بطلب انتخابات رئاسية مبكرة تُقبل نتيجتها، وفى حالة الرفض فثورة شعبية عارمة – وهو ما كان- وهو ما استدعى الجيش الى حمايتها وتنفيذ مطالبها بالتغيير الرئاسي ،ومن خلال صندوق استفتاء شعبي حجمه شوارع وميادين مصر لعشرات الملايين كالتقديرات الدولية، لتلحق مصر بما فاتها من نراجع اقتصادي وغَفلة سياسية، لتشرع في بناء مصر الحديثة في شتى المجالات بسواعد وعلم أبنائها في إطار أمن قومي شامل تصونه قواتها المسلحة . حمى الله مصر..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى