
نتائج الانتخابات الرئاسية التايوانية وأفق العلاقة مع بكين
مثّلت نتائج الانتخابات الرئاسية التايوانية ردًا قويًا على الصين بعدما أُعيد انتخاب الرئيسة “تساي إينج وين”، رئيسة الحزب الديمقراطي التقدمي التي تعهدت بالحفاظ على سيادة الجزيرة عن بكين وتحسين الاقتصاد، وساعدها في تحقيق نتائج تاريخية منذ بدء الانتخاب المباشر للرئيس في 1996، ومقارنةً بالانتخابات الماضية أيضًا، إذ حصلت على 8,1 مليون صوت من إجمالي عدد سكان 23 مليون نسمة، بزيادة ما يزيد بـ 1.3 مليون عن الأصوات التي نالتها في انتخابات 2016. وتعد هذه هي المرة الرابعة التي يحتفظ فيها حزب “تساي” بالرئاسة منذ عام 2000.
وتعبر النتائج أيضًا عن تخوفات الناخبين من المساعي الصينية، مدفوعين بالاحتجاجات التي شهدتها هونج كونج كمثال سيء عما يمكن استنتاجه من الوحدة بشروط الحزب الشيوعي. كما عكس التصويت القوة السياسية لـ “تساي”، والنتائج العكسية لحملة ضغط بكين عليها، مما يثير احتمالات حول الصراع المسلح. وأكدت “تساي” في خطاب فوزها أن كل انتخابات تمر بها البلاد تُظهرها أمام العالم بأنها دولة ديمقراطية يُعتز بها، لذا يجب الحفاظ على سلامة البلاد وسيادتها. وأضافت أن “تايوان أظهرت للعالم إلى أي مدى نحب نمط حياتنا الحر والديمقراطي، وإلى أي مدى نحب أمتنا”، معبّرة عن أملها بأن “تفهم السلطات في بكين أن تايوان البلد الديمقراطي الذي ترأسه حكومة اختارها الشعب لن تذعن للتهديدات والترهيب”، وأن “السلام يعني تخلي الصين عن تهديداتها تجاه تايوان”.
كانت توجهات “تساي” معاكسة لتوجهات منافسها الرئيسي هان كيو يو المنتمي للحزب القومي الصيني، الذي اعترف بالهزيمة وتراجعت أسهمه مع تصاعد المعارضة ضده بعد تعهد خلال حملته باستعادة العلاقات مع البر الرئيسي.
عملت تايوان على تطوير هوية منفصلة مميزة تجعل الوحدة مع بكين غير مرجح رغم جهود تشجيعه من الرئيس الصيني، الذي رأى أن تايبيه يمكن أن تنضم إلى الصين وتظل محافظة على حرياتها السياسية والاجتماعية بموجب الصيغة السياسية “دولة واحدة ونظامان”، لكن رفضت “تساي” هذا الأمر، لأن هونج كونج تكافح لإظهار عدم نجاح هذا الشعار.
إقرار قانون ضد التوغل الصيني
قبل أيام من الاقتراع في الانتخابات الرئاسية، أقرت تايوان مشروع قانون “مكافحة التوغل”، قدّمه حزب “تساي”. يهدف إلى مواجهة النفوذ الصيني في البلاد، ويحظر على قوى أجنبية عدائية القيام بنشاطات، من بينها تنظيم حملات وتقديم التبرعات السياسية وعرقلة النظام العام أو نشر المعلومات المضللة المتعلقة بالانتخابات، على أن يواجه مخالفو القانون حكماً بالسجن لمدة خمس سنوات وغرامة تصل إلى نحو 332 ألف دولار.
تعرّض القانون لمعارضة قوية من الحزب القومي الصيني خلال اعتصام برلماني، وامتنع عن التصويت. وخرج عدد من الناشطين الموالين للصين بلافتات كُتب عليها “تسقط تساي إينج- وين”.
الموقف الصيني وأفق العلاقة بين البلدين
يؤكد الرئيس الصيني “شي جين بينغ” مرارًا أن التوحيد مع تايوان أمر لا فرار منه، وقّدم فرص عمل للتايوانيين في البر الرئيسي الصيني، وقال إن الصين ستستخدم القوة إذا لزم الأمر لمنع الجزيرة من اتخاذ خطوات نحو الاستقلال الرسمي.
وتجنب بيان المتحدث باسم الإدارة المشرفة على شؤون تايوان ذكر اسم الرئيسة “تساي”، وحذر من أي شكل للمؤامرة الانفصالية في تايوان، معارضة بكين لذلك بشدة، وسيتم تشجيع نموذج “بلد واحد ونظامان”.
كما سلكت بكين خطوات تصعيدية، فقد ذكرت أنباء جهود سرية للمخابرات العسكرية الصينية للتلاعب بنتائج الانتخابات، وبالفعل حذر مسؤولون من أن الصين تحاول التأثير عبر حملات تضليل على الإنترنت. بالإضافة إلى قطع المبادلات الرسمية بين بكين وحكومة “تساي”، كما تعرضت لضغوط اقتصادية –كون بكين أكبر شريك تجاري لها- تمثلت في حظر سفر السياح الصينيين، لكن استطاعت تايبيه جذب الشركات المصنّعة من الخارج، وتخفيض معدّل البطالة وارتفاع الأجور. كذلك، وجّهت بكين حاملة الطائرات شاندونغ مرتين عبر مضيق تايوان خلال الحملة الرئاسية.
وعليه تصرّ بكين على تخلي “تساي” عن نص ميثاق حزبها الذي يعترف بتايوان كدولة مستقلة كشرط لأي تحسن في العلاقات، وقالت إنها لن تغير موقفها بأن تايوان إقليم تابع لها وإن العالم لن يعترف مطلقا إلا “بصين واحدة”، بالاستناد لإجماع المجتمع الدولي على هذا المبدأ.
لذا فمن المتوقع أن يواجه الرئيس “شي” ضغوطًا داخلية لفشله في نموذج” دولة واحدة ونظامان”، مما قد يجعل سلوكه أكثر قوة، فقد دعا مسؤولون صراحة الصين إلى اتخاذ المزيد من الإجراءات العدوانية، على اعتبار أن التوحيد السلمي مع تايوان قد فات أوانه.
باحثة ببرنامج العلاقات الدولية



