
مرتكزات الرؤية المصرية تجاه المنطقة العربية خلال فترة رئاسية جديدة
انطلاقًا من دور ومكانة مصر على المستوي الإقليمي والدولي، فإن تحركات الدولة المصرية إزاء أزمات وقضايا المنطقة العربية دائمًا ما تحرص على الحفاظ على وحدة وسيادة الدولة الوطنية، وضمان أمن واستقرار شعوبها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. وفى هذا السياق، لعبت شخصية الرئيس “عبد الفتاح السيسي” دورًا في صياغة الرؤية المصرية تجاه معادلة الأمن القومي العربي، وتحديد توجهات الدولة وتفاعلاتها باستخدام أدوات جديدة تهدف إلى تعزيز التعاون العربي-العربي، وخفض التوترات، والتطلع إلى آفاق مستقبلية تنموية. ضمن هذا الإطار يناقش التحليل فلسفة الرؤية المصرية للعلاقات العربية-العربية وتعزيز العمل العربي المشترك لاسيما مع بدء فترة رئاسية جديدة للرئيس “عبد الفتاح السيسي” في عام 2024.
أولًا: فلسفة الرؤية المصرية:
ترتكز فلسفة الرؤية المصرية حول دعم الاستقرار والتنمية في المنطقة، وترسيخ مفهوم الدولة الوطنية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وتعزيز الاستقرار والحفاظ على كيان الدولة، وتماسك المجتمع، وتفعيل مقومات التنمية، ومواجهة حالة الفوضى في المنطقة، ودعم مبادئ الاحترام بين الدول، وإعلاء مبادئ القانون الدولي، والمواثيق الدولية، ودور المنظمات الدولية، وتعزيز التضامن بين الدول العربية، بالإضافة إلى الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية وتقوية أجهزتها الأمنية في مواجهة الإرهاب والميليشيات، والتحرك في مسارات موازية تجمع بين الأمن والتنمية معًا.
وترتكز الرؤية المصرية في الفترة الجديدة للرئيس “عبد الفتاح السيسي” على استقرار الدول العربية وحماية الأمن القومي العربي، وتمثل الدائرة العربية أولوية ومحدد أساسي في السياسة الخارجية المصرية، في ظل تحديات متزامنة كالأزمات في دور الجوار الجغرافي لمصر في السودان وليبيا وفلسطين، بالإضافة إلى التحديات المرتبطة بالبحر الأحمر وقضية مياه النيل، بما يفرض حتمية استقرار هذه الدول لمواجهة التحديات.
إذ كانت خريطة الصراعات في المنطقة ومحاولات تفتيت الدول العربية، وما لها من انعكاسات على معادلة الاستقرار في المنطقة؛ دافعًا لتركيز الرؤية المصرية نحو الحفاظ على أمن واستقرار الدولة العربية والتأكيد على ذلك في المحافل الدولية والإقليمية، وانعكست هذه الرؤية المصرية في دور الدبلوماسية الرئاسية في اجتماعات وقمم دولية وإقليمية مختلفة للتنسيق بشأن قضايا المنطقة، مثل القمة العربية- الأمريكية في يوليو 2022، والتي جمعت قادة مصر والعراق والأردن ودول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة، والقمة العربية- الصينية في السعودية في ديسمبر 2022، وقمة جدة للأمن والتنمية في مايو 2023.
يضاف إلى ذلك البناء على صيغة تفكيك ومواجهة الأزمات التي تشهدها المنطقة من خلال تشكيل مجموعة الاتصال الوزارية العربية لتتولي المشاورات والتنسيق مع الأطراف في الأزمة الأوكرانية، والتي ضمت (مصر والجزائر والسعودية والإمارات والعراق والأردن والسودان)، فضلًا عن تشكل مجموعة اتصال عربية بقرار من الجامعة العربية في 7 مايو 2023 والتي ضمت مصر والسعودية والأمين العام للجامعة العربية لمواجهة الأزمة السودانية.
كذلك اتباع نهج جديد في العلاقات العربية- العربية عبر تعزيز العمل العربي المشترك، وقد بدأ هذا النهج خلال الفترة الماضية بعقد القمم واللقاءات المصغرة بهدف تنسيق الرؤي والجهود بين القادة العرب في مواجهة الأزمات التي تشهدها الدول العربية وبما يُمكن معه استغلال الثروات والقدرات العربية، خاصة أن التحديات التي تواجهها تستلزم تفعيل العمل الجماعي والعمل العربي المشترك، فمن الصعوبة في ظل تسارع التحديات أن تقوم أي دولة بمواجهتها بشكل منفرد دون التعاون مع دول محيطها الإقليمي.
ثانيًا: مرتكزات الرؤية المصرية:
تستند الرؤية المصرية تجاه المنطقة العربية وأزماتها وتفاعلاتها إلى بعض المرتكزات يتم توضيحها على النحو الآتي:
1-مواجهة التحديات: إن تشابك الأزمات العربية وسرعة التحولات في المنطقة والعالم، بالإضافة إلى إعادة تشكل التحالفات، جعل من الصعوبة على أي دولة في الإقليم أو العالم أو منظمة إقليمية أو دولية، أن تقوم بدور منفرد في إنهاء هذه الأزمات، خاصة أن تشابك الأزمات يرتبط بتعدد المصالح وحالة السيولة في المنطقة، وهو ما قاد إلى استمرار ملفات (السودان وليبيا واليمن وسوريا والصومال) في حالة اللا حسم، فضلًا عن معاناة دول من ضغوط اقتصادية، بالإضافة إلى التوترات التي تشهدها منطقة الخليج العربي فيما يتعلق بقضية الملاحة، بما قاد إلى رعاية مصر للقاءات ثلاثية ورباعية وخماسية بين الدول العربية لمواجهة هذه الأزمات، عبر تعزيز القدرات الجماعية للدول العربية، وتدشين أطر تعاونية جديدة مثل المشرق العربي.
وتتطلب المرحلة القادمة في ظل هذه التحديات تكاتف الدول العربية في مواجهة حالة الاستقطاب الدولي نتيجة الحرب الروسية –الأوكرانية، وحرب غزة في ظل تعدد المصالح الدولية والإقليمية وتشابكها، بالإضافة إلى قضية الملاحة في البحر الأحمر في ضوء تزايد عدد الدول الفاعلة في الإقليم، فهناك تنافس على المنافذ البحرية وعدم القدرة على التوافق حول آلية تنسيق التعاون في البحر الأحمر وتحويله إلى بحيرة عربية أو بناء منظومة عربية تحافظ على المصالح في المنطقة في ضوء تنامي الأطماع من الدول والقوي غير المطلة على البحر الأحمر مثل سعي إثيوبيا لبناء قوة بحرية في البحر الأحمر بالرغم من عدم امتلاكها منفذ على البحر.
يضاف إلى ذلك القضايا الجديدة وغير التقليدية التي تواجه الأمن القومي العربي، والتي تقتضي تحرك موازي بالرغم من حالة عدم الاستقرار التي تشهدها الدول العربية، إلا أن هناك ضرورة لمواجهة قضايا الهجرة غير الشرعية وأزمة الطاقة والغذاء والاتجار بالبشر والذكاء الاصطناعي وتأثيراته والتعامل معه، بالإضافة إلى مواجهة قضايا الأمن التقليدي ومخاطر التنظيمات الإرهابية والميليشيات والمرتزقة والسلاح في (سوريا وليبيا واليمن والعراق) لما تمثله من تهديد يقوض جهود السلام والحوار في المنطقة، لاسيما في ضوء توجيهها من قبل مصالح قوي أخري بما يتناقض مع مصالح الدول العربية، وهو ما عبر عنه الرئيس “عبد الفتاح السيسي” في قمة جدة للأمن والتنمية.
2-استعادة الدولة الوطنية: ترتكز الرؤية المصرية تجاه الأزمات العربية في الحفاظ على وحدة واستقرار الدولة وسيادتها ورفض التدخل في شؤونها، والحفاظ على دور مؤسسات الدولة. وتمثل ذلك في جهود مصر لدعم ومساندة استقرار الدولة في ليبيا، واستعادة دور مؤسسات الدولة الوطنية، والحفاظ على وحدة وسلامة الأراضي الليبية، والتأكيد على ضرورة انسحاب الميليشيات والمرتزقة من الأراضي الليبية، وعقد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، ولمصر دور محوري في حلحلة الأزمة عبر استضافة اجتماع الأطراف الليبية في إطار اللجنة الدستورية، فضلًا عن استضافة اجتماعات لجنة 5+5، وكذلك استضافة ملتقي القبائل الليبية في العام 2015، ومشايخ وأعيان القبائل الليبية في يوليو 2020، ومشاركة مصر في مؤتمري برلين 1 و2 لحل الأزمة، بالإضافة إلى المشاركة في الاجتماع التنسيقي الوزاري بين وزراء خارجية فرنسا واليونان وقبرص وإيطاليا، والاجتماعات الوزارية لدول جوار ليبيا والتي عقدت بالتناوب بين مصر وتونس والجزائر.
ويستمر الدور المصري إزاء القضية الفلسطينية عبر كافة المسارات السياسية والإنسانية؛ إذ ترتكز الرؤية المصرية حول تسوية عادلة وشاملة وفق القرارات الدولية وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو 1967، فقد بذلت جهودًا حثيثة في استضافة مؤتمر إعادة إعمار غزة في عام 2014 في القاهرة، بالإضافة إلى إطلاق المبادرة المصرية لإعادة إعمار غزة وتقديم مساعدات قيمتها 500 مليون دولار للقطاع، والدور المصري إزاء الحروب في غزة من 2008 وحتى هذه اللحظة، والجهود الحثيثة المتواصلة حاليًا للتوصل إلى وقف لإطلاق النار وإغاثة الفلسطينيين في قطاع غزة.
كذلك ترتكز الرؤية المصرية على وحدة وسلامة السودان، والحفاظ على مقدرات الشعب السوداني، واستعادة استقرار الدولة، وتقديم كافة أوجه الدعم للسودان، وتبين ذلك في مشاركة مصر في المبادرة الدولية لتسوية ديون السودان، ومشاركة رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي في اتفاق السلام التاريخي بين الحكومة السودانية والحركات المسلحة بالجبهة الثورية والذي عقد في جوبا في أكتوبر 2020، فضلًا عن الدور المصري الحالي لاستعادة استقرار الدولة عبر التشاور مع الأطراف المختلفة.
وكان لمصر نصيب في تحمل تكلفة الصراعات في المنطقة، بالرغم من الضغوط الاقتصادية التي تعاني منها، إذ استضافت الدولة أعدادًا من اللاجئين والمهاجرين تقدر بنحو 9 ملايين شخص من جنسيات مختلفة من سوريا والسودان واليمن والصومال وإريتريا وجنوب السودان وغيرها.
3- تعزيز التعاون العربي المشترك: ترتكز الرؤية المصرية حول تفعيل التعاون العربي –العربي بهدف تحقيق مصالح الدول العربية، فكانت مشاركة مصر في المؤتمر الدولي لدعم لبنان في 2020، ومحاولة تعزيز التعاون العربي بتوقيع اتفاق لنقل الغاز المصري إلى لبنان عبر الأردن وسوريا، بهدف الحد من نقص الطاقة في لبنان، بالإضافة إلى اعتزام العراق استيراد الغاز الطبيعي من سوريا، ومن ثم تفعيل البعد الاقتصادي في العلاقات العربية البينية.
يضاف إلى ذلك، تعزيز التعاون البيني في قضايا إدارة المياه بين مصر والعراق وبين العراق وسوريا. فضلًا عن تعزيز مشروعات الربط الكهربائي بين مصر والسودان، ومعالجة نقص إمدادات الكهرباء خاصة في ظل ما يعانيه لبنان من أزمة في هذا الصدد، وتنويع مصادر الطاقة بالنسبة للعراق دون الاعتماد على إيران فقط، وتفعيل الشراكات الصناعية بين مصر والإمارات والأردن، وبين مصر والأردن والعراق، وضخ استثمارات عربية في دول عربية أخري مثل الاستثمارات القطرية والسعودية والإماراتية في مصر وآخرها مشروع رأس الحكمة.
بالإضافة إلى تدشين آلية للتعاون الثلاثي بين مصر والعراق والأردن والتي كانت أولى اجتماعاتها في عام 2019، كخطوة حقيقية في طريق التكامل الاقتصادي بين الدول الثلاث، وقد اتفق القادة على ضرورة تعزيز مشروع الربط وتبادل الطاقة الكهربائية وربط شبكات نقل الغاز بين العراق ومصر عبر الأردن وإتاحة منفذ لتصدير النفط العراقي عبر الأردن ومصر من خلال المضي باستكمال خط الغاز العربي وإنشاء خط نقل النفط الخام (البصرة-العقبة).
واستكمالًا لهذا المسار التعاوني بين الدول العربية بهدف تعميق الشراكات الاقتصادية، عقدت عدة لقاءات عربية وهو ما تمثّل في عقد قادة مصر والإمارات والأردن قمة ثلاثية في القاهرة في أبريل 2022، أعقبها اجتماع قادة مصر والأردن والبحرين في يونيو 2022 بمدينة شرم الشيخ. وقد أسفرت هذه اللقاءات عن خطوة جديدة في طريق التكامل الاقتصادي العربي، حيث دشنت مصر والإمارات والأردن في مايو 2022 مبادرة “الشراكة الصناعية التكاملية لتنمية اقتصادية مستدامة” بهدف تعزيز دور القطاع الصناعي، وفي الخامس والعشرين من يوليو انضمت البحرين إلى هذه المبادرة، واستمر التنسيق العربي المشترك بعقد لقاء في مدينة العلمين الجديدة يوم الثاني والعشرين من أغسطس 2022 بين قادة مصر والإمارات والأردن والبحرين والعراق.
4- تحقيق التنمية المستدامة: ترتكز الرؤية المصرية على تحقيق التنمية المستدامة لبناء الدول، وتتوافق التوجهات العربية في هذا الإطار خاصة في ضوء وضع كل دولة لاستراتيجيات تنموية مستقبلية مثل رؤية مصر 2030، ورؤية السعودية 2030، ورؤية عمان 2040، ورؤية الإمارات 2031، وانعكس ذلك في طرح عدد من المبادرات التعاونية العربية في القمة العربية بجدة في مايو 2023 من خلال “مبادرة تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، وتستهدف أبناء الجيل الثاني والثالث من المهاجرين العرب بما يُسهم في تعزيز التواصل الحضاري بين الدول العربية والعالم. كذلك “مبادرة الثقافة والمستقبل الأخضر” وتهدف إلى رفع مستوى التزام القطاع الثقافي في الدول العربية تجاه أهداف التنمية المستدامة وتطوير السياسات الثقافية المرتبطة بالاستدامة والمساهمة في دعم الممارسات الثقافية الصديقة للبيئة وتوظيفها في دعم الاقتصاد الإبداعي في الدول العربية.
بالإضافة إلى “مبادرة استدامة سلاسل إمداد السلع الغذائية الأساسية للدول العربية” وتتمثل في مجموعة من الأنشطة وتوفير الفرص الاستثمارية ذات الجدوى الاقتصادية والمالية بما يُسهم في تحقيق الأمن الغذائي للدول العربية وتلبية احتياجاتها من السلع الغذائية. و”مبادرة البحث والتميز في صناعة وتحلية المياه” بهدف تحفيز البحث العلمي والتطبيقي والابتكار في صناعة انتاج المياه المحلاة وحلول لمياه الدول المهتمة والمحتاجة، بالإضافة إلى التركيز على نشر ومشاركة المعرفة والتجارب والمساهمة في تحسين اقتصاديات هذه الصناعة لخفض التكلفة، ورفع كفاءة العمليات واستدامتها بيئيًا، والمساهمة في اصدار المواصفات والمقاييس المعيارية والهيكلة المؤسسية لقطاعات المياه لتكون صناعة استراتيجية للدول العربية. ومبادرة “انشاء حاوية فكرية للبحوث والدراسات في الاستدامة والتنمية الاقتصادية” والتي من شأنها احتضان التوجهات والأفكار الجديدة في مجال التنمية المستدامة، مع تعزيز الاهتمام المشترك ومتعدد الأطراف بالتعاون البحثي وابرام شراكات استراتيجية.
ختامًا؛ تدعم الدولة المصرية سلامة واستقرار الدول العربية وتطوير العلاقات التعاونية بين دول المنطقة خاصة أن ارتفاع تكلفة الصراعات والأزمات التي تشهدها المنطقة، وكثرة التدخلات الخارجية في شؤونها تفرض ضرورة العمل على إحياء مسار التعاون العربي-العربي، وضرورة الحد من التنافس وتحمل الدول العربية مسؤولية تحقيق الاستقرار وحل الأزمات عبر توافقات عربية وإقليمية، لاسيما أن استمرار هذه الأزمات وانعكاساتها على أمن واستقرار الدول العربية يفرض ضرورة صياغة رؤية عربية موحدة بالإضافة إلى تفعيل آليات العمل العربي المشترك.
باحث ببرنامج العلاقات الدولية



