الاقتصاد المصري

الإصلاح الاقتصادي… ما تحقق ورؤى المستقبل

عاش الاقتصاد المصري لعقود بسياسة المسكنات التي تحاول تخفيف الأعراض التي تسببها المشاكل الهيكلية التي يمر بها الاقتصاد المصري منذ عقود؛ فمنذ عقود يعاني الاقتصاد المصري من ارتفاع مستويات العجز بالموازنة العامة للدولة، وارتفاع العجز بالميزان الجاري، واعتماد الحكومة بشكل كبير على الميزان الرأسمالي لتمويل عجز الميزان الجاري، وارتفاع معدلات التضخم وانتشار البطالة، وارتفاع تكلفة الدعم التي التهمت معظم موارد الموازنة.

كانت القيادة المصرية ومنذ لحظه توليها لزمام الأمور مدركة لكافة الاختلالات الهيكلية الجسيمة التي تصيب جسد الاقتصاد المصري، وكان ذلك دافعًا رئيسا لتبني سياسة مصارحة مع الشعب، وانتهاجها منهجًا أكثر شفافية حول حجم المشكلة التي يمر بها الاقتصاد المصري، وتبني مجموعة من السياسات الواسعة خلال الفترة من 2014 وحتى 2024 والتي اشتبكت مع كافة المشاكل الهيكلية التي تواجه الاقتصاد المصري وتراكمت لعقود. وهو ما دفع الدولة إلى التعاون مع المؤسسات الدولية وخبراء الاقتصاد عالميًا لتطبيق برنامج إصلاح اقتصادي شامل لإعادة الاقتصاد المصري إلى الحياة مرة أخرى.

ماذا تحقق للإصلاح الاقتصادي

ويُعرف الإصلاح الاقتصادي بأنه مجموعة من السياسات والإجراءات التي تهدف إلى تحسين الأداء الاقتصادي للبلد أو المنطقة يتضمن الإصلاح الاقتصادي عادة تحرير الاقتصاد، والتقليل من التدخل الحكومي، وزيادة الفاعلية في استخدام الموارد، وتعزيز التنافسية، وتعزيز القطاع الخاص، وتحسين بيئة الأعمال، وتشجيع الاستثمار، وتحسين البنية التحتية، وتطوير السوق المالية، وتعزيز التعليم والتدريب، وتقديم برامج للحماية الاجتماعية وتعزيز الشمول المالي. وتهدف كافة الإجراءات التي سبق الإشارة إليها في النهاية إلى تحقيق نمو اقتصادي مستدام وتحسين معيشة السكان.

وقد سبق لمصر تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي بشكل غير متكامل خلال تاريخها بداية من برنامج الإصلاح الاشتراكي في عام 1952، وبرنامج الانفتاح الاقتصادي في عام 1974، وبرنامج الإصلاح الهيكلي في عام 1987، وبرنامج الإصلاح الاقتصادي في عام 1991، وبرنامج الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي في عام 2004، وبرنامج الإصلاح الاقتصادي في عام 2016، وبرنامج الإصلاح الاقتصادي 2022 والذي يعد المرحلة الثانية من برنامج الإصلاح الاقتصادي الأول الذي طبقته مصر خلال الفترة من 2016 وحتى العام 2021.

شمل برنامج الإصلاح الاقتصادي في عام 2016  تطبيق مجموعة من القرارات الاقتصادية الإصلاحية التي استهدفت 7 محاور رئيسة، بداية من تحرير سعر الصرف والذي تم على مرحلتين الأولى في نوفمبر 2016 عندما سمح للجنيه المصري بالانخفاض أمام الدولار الأمريكي، أما المحور الثاني فهو ملف الدعم والذي وضعت فيه الحكومة المصرية مستهدفات لخفض فاتورة دعم الطاقة من خلال وضع خطة لخفض الدعم من الوقود والكهرباء تدريجيًا، هذا فضلًا عن إصلاح نظام دعم السلع التموينية من خلال إعادة فحص المقيدين بسجلات الحصول على السلع التموينية واستهداف مستحقي الدعم فقط.

أما المحور الثالث فهو يتمثل في زيادة إيرادات الموازنة العامة للدولة من خلال توسيع قاعدة الضرائب وإطلاق ضريبة القيمة المضافة 14% في عام 2016، وزيادة ضريبة الدخل على الأفراد والشركات. أما المحور الرابع فهو يتمثل في تحسين بيئة الأعمال من خلال إصدار قانون جديد للاستثمار حيث تم إصدار قانون الاستثمار في عام 2017 لتشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي وتطوير البنية التحتية من خلال التوسع في الاستثمار الحكومي بمشروعات البنية التحتية التي تم خلالها إنجاز العديد من المشروعات الكبرى في مجال الطرق والمواني والمواصلات وغيرها من القطاعات الأخرى. 

أما المحور الخامس فهو يتمثل في علاج المشكلات الهيكلية التي تواجه الموازنة العامة للدولة بهدف تحقيق الاستقرار الاقتصادي، وقد تم استهداف خفض عجز الموازنة من خلال وضع مستهدفات للعجز الأولي والعجز الكلى، واستهداف التضخم من خلال خفض أسعار الفائدة والسيطرة على السيولة النقدية. أما المحور السادس فهو يتمثل في برامج الحماية الاجتماعية والذي يشمل إطلاق برنامجي تكافل وكرامة ليتخصص برنامج تكافل في دعم الأسر الفقيرة ويختص برنامج كرامة بدعم كبار السن وذوي الإعاقة. هذا فضلًا عن تطبيق عدد من الإصلاحات الأخرى في مناحٍ متعددة من الاقتصاد المصري، مثل إصلاح نظام الخدمة المدنية لتحسين كفاءة الأداء، ومكافحة الفساد الإداري بالدولة من خلال إطلاق استراتيجيتين للدولة المصرية لمكافحة الفساد.

يمكن الحكم على نتائج الإصلاح الاقتصادي بما تحقق من نتائج في الفترة الأولى من خلال المقارنة بين البيانات قبل تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي (بيانات العام المالي 2015/2016) وبين البيانات ما قبل جائحة كورونا (بيانات العام المالي 2019/2020). فقد كان لبرنامج الإصلاح الاقتصادي نتائج إيجابية حيث انخفضت معدلات التضخم من 14.0% في العام المالي (2015/2016) إلى 0.7% في عام (2019/2020)، وانخفضت معدلات البطالة من حوالي 12.5% في عام (2015/2016) إلى حوالي 7.2% في عام (2019/2020)، وارتفع صافي احتياطي النقد الأجنبي من 17.6 مليار دولار إلى حوالي 38.2 مليار دولار، وهو ما رفع قدرة الاحتياطي على تغطية الواردات المصرية من حوالي 3.7 أشهر إلى 7.3 أشهر.

واستطاعت الموازنة العامة للدولة أن تحقق فائضًا أوليًا بحوالي 1.6% في عام (2019/2020) مقابل عجز بقيمة 3.7% في عام (2015/2016)، وانخفض العجز الكلي من 12.7% في عام (2015/2016) إلى 7.4% في عام (2019/2020)، وانخفض الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي من 102.8% في عام (2015/2016) إلى 80.9 % في عام (2019/2020).

لكن الفترة من عام 2020 وحتى 2022 كانت مختلفة، حيث ضربت جائحة كورونا العالم في عام 2020 وعاش العالم مع تلك الجائحة لمدة عام تقريبًا، وتستمر تداعيات تلك الجائحة حتى الآن. وجاءت الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022 لتتسبب في ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء عالميًا إلى مستويات غير معهودة، وتسببت تلك الأوضاع الاقتصادية في انخفاض احتياطي النقد الأجنبي إلى 34.6 مليار دولار في عام (2022/2023) وارتفع إجمالي الدين الخارجي بحوالي 41.3 مليار دولار في عامين فقط نتيجة لالتزام الحكومة بالاتفاق على برامج الرعاية الصحية والتوسع في إنشاء المستشفيات الميدانية وتوفير المستلزمات الطبية للتعاطي مع جائحة كورونا، وتسبب تلك الجائحة في مضاعفة العجز الكلي بالموازنة العامة للدولة تقريبًا من 472 مليار جنيه في (2019/2020) لتصل إلى 824 مليار جنيه في (2022/2023).

في 6 مارس 2024، أعلنت الدولة المصرية عن نجاح المراجعة الأولى والثانية من برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تتبناه الدولة بالتعاون مع صندوق النقد الدولي بداية من عام 2022، يستهدف هذا البرنامج استكمال ما بدأته الدولة المصرية، ويركز على 4 جوانب رئيسة، وهي: إصلاح نقدي، وإصلاح مالي، وإصلاح هيكلي، وبرنامج للرعاية الاجتماعية.

وبالنظر إلى الإصلاحات الماضية التي نفذتها الدولة المصرية، فإن البرنامج الحالي يختلف جزئيًا عما سبق تنفيذه؛ إذ إن البرنامج الإصلاحي الحالي يركز على الإصلاحات الهيكلية بالاقتصاد المصري، والتي تتضمن بشكل رئيس جذب الاستثمار الأجنبي المباشر، مثل الإعلان عن النجاح في التوصل لاتفاق مع صندوق النقد الدولي واتباع آلية تسعير الجنيه المصري وفقا لسعر السوق جاءت بعد أيام قليلة من إعلان مجلس الوزراء التوصل لاتفاق مع الصندوق السيادي لابوظبي القابضة ADQ باستثمارات سياحية وعقارية بحوالي 35 مليار دولار أمريكي بالقطاع العقاري والفندقي، وتعد تلك الصفقة الاكبر في تاريخ مصر من حيث حجمها وقد تحتل مرتبة عالمية متقدمة بين الصفقات التي أُبرمت في هذا القطاع، لكن السؤال الأهم ما هي النتائج المتوقعة على الاقتصاد المصري من البرنامج الاصلاحي الأخير؟

بالنظر إلى البرنامج الإصلاحي الحالي الذي تطبقه الحكومة المصرية فهو لن يختلف عن البرنامج السابق تطبيقه من حيث الملفات التي تعمل عليها الدولة المصرية والتي تم الإشارة لها بالمقال، إلا أن هناك ملفًا إضافيًا مهمًا وهو الإصلاح الاقتصادي الحقيقي والمتمثل في النهوض بالاقتصاد الحقيقي المتمثل في القطاعات الصناعية الحقيقية، وقد كانت البداية بصفقة رأس الحكمة التي جذبت للدولة المصرية استثمارات بحوالي 35 مليار دولار أمريكي، ويتم الحديث حاليًا عن صفقات أخرى مشابهة مثل صفقة رأس جميلة التي يتم التفاوض بشأنها مع المملكة العربية السعودية، هذا فضلًا عن وضع الدولة لمستهدف النهوض بالصادرات المصرية إلى 100 مليار دولار وهو ما تتبناه المبادرة الوطنية لتطوير الصناعة المصرية “ابدأ” والتي تركز على عقد الشراكات مع القطاع الخاص لإحلال الواردات ودعم التصدير وتوفير التمويل للقطاع الخاص وتمكين القطاع الخاص من الإدارة والسيطرة على زمام الأمور.

لقد كانت النتائج الأولية للإجراءات الأخيرة التي قامت بها الدولة المصرية مبشرة للغاية، حيث انتهت أزمة سعر صرف السوق الموازي بشكل كامل واتخذ سعر صرف الجنيه المصري مسارًا هبوطيًا بداية من يوم 6 مارس وحتى تاريخ كتابة التقرير (23 مارس)، هذا فضلًا عن تغيير وكالات التصنيف الائتماني الدولي لنظرتها للاقتصاد المصري من سلبية إلى إيجابية، وإعلان المركزي عن نهاية القيود التشددية على سعر صرف الدولار الأمريكي وعلى بطاقات الائتمان.

ومن المتوقع أن تستمر الإجراءات التيسيرية للقيود التي سبق فرضها على سوق النقد الأجنبي بمصر، الأمر الذي يسهم في انتهاء أزمة النقد الأجنبي والسماح للواردات المصرية بالنفاذ من الجمارك وعودة المصانع للعمل بشكل كامل، وهو ما سيسهم في زيادة العرض بالسوق ومن ثم انخفاض الأسعار تدريجيا خاصة مع بداية دورة رأس المال الجديدة.

أما عن جذب الاستثمارات الأجنبية، فقد أظهرت الاستثمارات بأدوات الدين المصرية جاذبيتها للمستثمرين الأجانب بشكل كبير بعد ان قدمت أدوات الدين المصرية عوائد على الجنيه المصري مغرية تصل إلى 30% خلال عام، ذلك الأمر من شأنه أن يحسن من تدفق الأموال الساخنة بالاقتصاد المصري ومن ثم توفير السيولة بالسوق وتحسن قيمة الجنيه بالمستقبل.

أحمد بيومي

باحث ببرنامج السياسات العامة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى