
عصر الغليان.. هل فقد العالم بوصلته لتصحيح مسار تغير المناخ؟
أكد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، في نيويورك، التحذيرات المتعلقة بخطر زيادة وتيرة التغيرات المناخية، معلقًا بأنه ما لم يحدث “عصر جليدي صغير” في الأيام القادمة، فإن الصيف الحالي بالنصف الشمالي من الكوكب، سيشهد كسرًا للأرقام القياسية على جميع المستويات. وصرح بأن تغير المناخ الحالي قد أصبح مخيفًا، مشيرًا إلى أن هذا هو فقط بداية المطاف. وحذر من أن النتائج ستكون واضحة ومؤلمة، مثل أطفال يُجرفون بعيدًا بسبب الأمطار الموسمية، وعائلات تهرب من النيران، وعمال ينهارون بسبب الحرارة اللاهبة.
توجد بالفعل درجة حرارة مرجعية يتفق عليها العلماء الذين يدرسون التغيرات المناخية، وهي درجة حرارة متوسطة عالمية تسمى “درجة حرارة الأرض المتوسطة”. واختيرت درجة حرارة الأرض المتوسطة كمؤشر رئيس لتغيرات المناخ لأنها تمثل المتوسط العالمي لدرجات الحرارة على سطح الأرض وفي المحيطات. واتفق العلماء على أن يكون الهدف هو عدم زيادة درجة الحرارة العالمية لتتجاوز مستويات ما قبل الثورة الصناعية بأكثر من درجتين مئويتين، وهو ما يعرف باسم “هدف باريس المناخي”، مع إضافة هدف مرحلي ب1.5 درجة مئوية. ولكن لم يتم اتخاذ هذا الهدف كقاعدة صارمة، بل هو مجرد اتفاق عام غير ملزم بصورة جدية. فضلًا عن أنه يمكن أن يتغير بمرور الوقت وفقًا للأدلة العلمية والظروف العالمية المتغيرة.
حالة مناخية فريدة ودرجات حرارة قياسية
في جنيف، وصف علماء منظمة الأرصاد الجوية العالمية وخدمة تغير المناخ في الاتحاد الأوروبي “كوبيرنيكوس” الأحوال الجوية لشهر يوليو الماضي بأنها “لافتة للنظر وغير مسبوقة”. وأشاروا إلى أن البيانات الجديدة تُظهر أن يوليو شهد أعلى ثلاثة أسابيع حرارة تم تسجيلها على الإطلاق، والأيام الثلاثة الأكثر حرارة في التاريخ.
وصرح كارلو بوينتمبو مدير خدمة تغير المناخ في “كوبيرنيكوس” بأنه يمكننا القول إن الأسابيع الثلاثة الأولى من يوليو كانت الفترات الأكثر دفئًا التي تم رصدها في تاريخنا. وأضاف أن هذه الانحرافات الكبيرة بالنسبة للأشهر الأخرى التي سجلت أرقامًا قياسية في تاريخنا تجعلنا على ثقة شبه تامة بأن هذا الشهر، في مجمله، سيصبح أكثر شهور يوليو دفئًا تسجيلًا، وأكثر الأشهر دفئًا على الإطلاق بكل تأكيد.
كان الأمر مقلقًا منذ فترة بنفس القدر بسبب ما أشارت إليه حقيقة أن حرارة المحيطات تسجل أعلى مستوياتها التي تم تسجيلها على الإطلاق لهذا الوقت من العام. وهذا الاتجاه كان واضحًا منذ نهاية أبريل. واستشهد مدير خدمات المناخ في منظمة الأرصاد الجوية العالمية كريس هيويت بمعدلات التدفئة الواضحة والمتزايدة بدرجة فجائية عقد بعد عقد منذ سبعينيات القرن الماضي، مشيرًا إلى أن الفترة من 2015 إلى 2022 شهدت أكثر ثمانية أعوام دفئًا تم تسجيلها في تاريخنا، استنادًا إلى مجموعة بيانات تم جمعها على مدى 173 عامًا.
وأوضح السيد “هيويت” أن هذا كان رغم حقيقة أن ظاهرة تبريد البحر سادت في نهاية تلك الفترة في منطقة المحيط الهادئ، مما أدى إلى انخفاض درجات الحرارة العالمية بشكل طفيف. وأشار المسؤول إلى أنه تلك الظاهرة ذات النتائج الإيجابية والمعروفة باسم “لا نينيا” قد انتهت الآن، لتحل محلها ظاهرة “إل نينيو” المسخنة للمحيطات، حيث بدأت المياه تسخن في المحيط الهادئ الاستوائي، مما يجلب احتمالًا شبه مؤكد أن واحدة من السنوات الخمس القادمة ستكون الأكثر دفئًا تسجيلًا عبر التاريخ.
وأضاف عالم المناخ في منظمة الأرصاد الجوية العالمية أنه قد أصبح أكثر من المرجح أن تتجاوز درجات الحرارة العالمية المتوسطة العتبة المؤقتة للـ 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية لمدة سنة واحدة على الأقل من بين الخمس سنوات القادمة.
بداية عصر الغليان
في كلمته بمقر الأمم المتحدة، شدد الأمين العام على ضرورة اتخاذ إجراءات عالمية للحد من الانبعاثات وتكييف المناخ وتمويله. وحذر من أن عصر الاحتباس الحراري قد انتهى، وأن عصر الغليان العالمي قد حل. وعلى الرغم من التيقن من حدوث ظاهرة التغيرات المناخية بالفعل، إلا أن الأمين العام يرى أنه لا يزال بإمكاننا منع الأسوأ. إضافة إلى ذلك صرح بأنه يجب على العالم للقيام بذلك أن يحول عامًا من الحرارة المحترقة إلى عامٍ من “الطموح المحترق”، في إشارة إلى الحاجة الماسة إلى خطط تنفيذية عاجلة.
في نفس الصعيد، أردف الأمين العام بأن القادة يجب أن يتخذوا إجراءات للحفاظ على المناخ والعدالة المناخية، خاصة الذين ينتمون إلى مجموعة العشرين الدول الصناعية الرائدة المسؤولة عن 80٪ من الانبعاثات العالمية. وأشار إلى كون القمم القادمة، بما في ذلك قمة الطموح المناخي في الأمم المتحدة في سبتمبر ومؤتمر المناخ COP28 في الإمارات العربية المتحدة في نوفمبر، فرص حاسمة.
وشدد السيد “جوتيريش” على ضرورة وضع أهداف جديدة للانبعاثات الوطنية من أعضاء مجموعة العشرين، وحث جميع الدول على العمل على تحقيق صافي الانبعاثات الصفرية بحلول منتصف القرن. كذلك أكد أنه يجب على جميع الجهات المعنية أن تتحد لتسريع الانتقال العادل والمنصف من الوقود الأحفوري إلى الطاقة المتجددة، ووقف توسع صناعة النفط والغاز والتخلص من الفحم بحلول عام 2040. وأضاف أن العمل من الشركات والمدن والمناطق والمؤسسات المالية وشركات الوقود الأحفوري أيضًا حاسم. وألمح لعمليات الغسيل الأخضر والخداع المرتبط بها، داعيًا إلى وقف أي تشويه سيئ لقوانين مكافحة الاحتكار لتخريب تحالفات الصفر الصافي.
صندوق الخسائر والأضرار والالتزام الدولي
ناشد السيد أنطونيو جوتيريش، مع تحول الظواهر الجوية المتطرفة إلى واقع حالي، بأن يندفع العالم نحو الاستثمار في التكيف بهدف إنقاذ الملايين من آثار التغير المناخي، وخاصة في الدول النامية. وقال إن الدول المتقدمة يجب أن تقدم خارطة طريق واضحة وموثوقة لمضاعفة تمويل التكيف بحلول عام 2025. وعلاوة على ذلك، يجب على جميع الحكومات تنفيذ خطة عمل للأمم المتحدة تهدف إلى ضمان حماية الجميع على الكوكب بواسطة نظم الإنذار المبكر بحلول عام 2027.
كانت الدولة المصرية قد قادت المجتمع الدولي من خلال وزير الخارجية سامح شكري إلى تبني فكرة إنشاء صندوق الخسائر والأضرار والمعني بمساعدة الدول المتضررة من آثار التغيرات المناخية، وذلك أثناء رئاسة “شكري” لمؤتمر المناخ بمدينة شرم الشيخ بالعام السابق 2022. ففي نفس الصدد وفيما يتعلق بالتمويل، حث الأمين العام الدول الأغنى على الوفاء بتعهداتها بتوفير 100 مليار دولار سنويًا لدعم المناخ في الدول النامية وإعادة تمويل صندوق المناخ الأخضر بالكامل.
وأعرب عن قلقه بأنه من وسط دول مجموعة السبع قطعت كندا وألمانيا فقط وعودًا لإعادة التمويل. وأضاف أنه يجب على الدول تفعيل صندوق الخسائر والأضرار في COP28 هذا العام، مطالبًا بألا يكون هناك مزيد من التأجيلات أو الأعذار. وأكد ضرورة “تصحيح المسار في النظام المالي العالمي لدعم التحرك السريع في مجال المناخ. وتشمل هذه الإجراءات وضع سعر للكربون وزيادة تمويل المصارف التنموية المتعددة للطاقة المتجددة والتكيف والخسائر والأضرار.
في الوقت الحالي، يبدو أن العالم يستفيق متأخرًا للوضع المقلق للتغيرات المناخية التي أصبحت تهدد عمليات التنمية المختلفة، خاصة في الدول النامية غير القادرة على حماية مواطنيها من أضرار الكوارث البيئية المرتبطة بالظاهرة.
باحث ببرنامج السياسات العامة



