تغير المناخ

مؤتمر المناخ الـ29 وأزمة تمويل متجددة

انتهت أحداث مؤتمر المناخ الأخير كوب 29 باتفاق جديد حول جمع التمويلات اللازمة لمواجهة والتكيف مع التغيرات المناخية. وعلى الرغم من زيادة الأرقام المطلوبة سنوياً إلى 300 مليار دولار عوضاً عن 100 مليار دولار، إلا أن الرقم جاء مخيباً للآمال.

جاء اختيار أذربيجان لاستضافة المؤتمر الـ29 لتغير المناخ التابع للأمم المتحدة، من ١١ إلى ٢٢ نوفمبر ٢٠٢٤، مثيرًا للجدل بسبب كونها منتجًا رئيسيًا للنفط والغاز. لكن المؤتمر انتهى باتفاق على خطط للتمويل للتخفيف من آثار تغير المناخ ومساعدة الدول النامية على الانتقال إلى مصادر طاقة أكثر استدامة. كما تم الاتفاق أيضًا على قواعد لتسهيل وتسجيل التداول الدولي لرصيد الكربون.

على الرغم من النتائج الإيجابية في المؤتمر التمهيدي الذي أقيم في مدينة بون في يونيو ٢٠٢٤، المتعلقة بالهدف الكمي المشترك الجديد ومؤشرات التكيف لـ COP29، لم يُحرز تقدمًا كبيرًا في التنفيذ الفعال للمادة 6 من اتفاقية باريس، مع بقاء قضايا لم تُحسم بعد تتعلق بأنظمة رصيد الكربون وتجنب الانبعاثات.

وبعدها في يوليو ٢٠٢٤، أعلنت أذربيجان عن إنشاء صندوق العمل المالي لتغير المناخ، وهو صندوق يهدف إلى جمع مليار دولار أمريكي سنويًا من مساهمات الدول والشركات المنتجة للوقود الأحفوري، ليتم استثمارها بعد ذلك في الطاقة المتجددة ودعم مشاريع المناخ في الدول النامية. كما تم الإعلان عن تخصيص نصف الموارد للخطط الوطنية لتحقيق الأهداف المحددة في اتفاق باريس الملزم، وسيتم تخصيص ٢٠٪ من إجمالي العائدات لمنشأة تمويل الاستجابة السريعة لدعم مواجهة الكوارث.

وفي 10 و11 أكتوبر، استضافت أذربيجان اجتماعًا سابقًا لـ COP29 السنوي لبدء المناقشات وتفعيل شعار “تعزيز الطموحات وضمان التحرك” للمؤتمر، ليتناول أولويات مثل تلبية الحاجة إلى هدف جديد لتمويل المناخ واستبدال الهدف السابق البالغ قيمته 100 مليار دولار، وتفعيل كامل لصندوق الخسائر والأضرار الذي أُنشئ أثناء COP27 في شرم الشيخ المصرية، وكذلك دعمًا أوسع للمجتمعات المعرضة لأخطار التغيرات المناخية.

تضمنت المناقشات أيضًا المساهمات الوطنية المحددة حديثًا من الدول، واستكمال الإرشادات لأسواق الكربون بموجب المادة 6 من اتفاقية باريس. وقد أكد القادة على ضرورة وضع حد للتغير المناخي العالمي عند 1.5 درجة مئوية، حيث أوضحت البيانات من برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن الالتزامات الموجودة في مجال التغير المناخي قد تسمح بزيادة إجمالية تبلغ 2.9 درجة مئوية، وهو رقم يعبر عن سوء وضع الجهود الدولية صوب تخفيض الانبعاثات.

خلال المؤتمر، اعتُبر تمويل المناخ موضوعًا مركزيًا، امتدادًا لمحاولات الدولة المصرية والإمارات العربية المتحدة خلال المؤتمرين السابقين، مع التركيز على توسيع الموارد المتاحة للدول النامية للتصدي لتأثيرات التغير المناخي والانتقال إلى اقتصادات منخفضة الكربون.

كان أحد بنود جدول الأعمال الرئيسية هو التفاوض حول الهدف الكمي المشترك الجديد في مجال تمويل المناخ، لتحديد هدفًا ماليًا جديدًا لدعم الدول النامية بعد عام 2025، معتمدًا على تنمية الالتزام السابق بقيمة 100 مليار دولار سنويًا.  وتضمنت الحلول المقترحة التمويل المدمج الذي يجمع بين الاستثمارات العامة والخاصة لتعزيز تمويل مبادرات المناخ، وصفقات تبادل الديون التي ستسمح للدول بإعادة توجيه أقساط الدين نحو مشاريع بيئية ومناخية.

ومن بين التطورات الرئيسية، التزمت البنوك التنموية العالمية، بما في ذلك البنك الدولي والبنك الأوروبي للاستثمار، بزيادة القروض المتعلقة بالمناخ إلى 120 مليار دولار سنويًا للدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط، بينما أعلن البنك الآسيوي للتنمية عن 7.2 مليار دولار في استثمارات إضافية وبرنامج بقيمة 3.5 مليار دولار يستهدف ذوبان الأنهار الجليدية في آسيا الوسطى وجنوب القوقاز.

كما التزمت شركة الاستثمار غير الربحية “أكيومين” بمبلغ 300 مليون دولار لتكييف الزراعة في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، في حين أطلقت صناديق الاستثمار في المناخ برنامج إصدار سندات بقيمة 75 مليار دولار على بورصة لندن. بالإضافة إلى ما سبق، التزمت جمعية بنوك أذربيجان بما يقارب 1.2 مليار دولار لدعم عملية انتقال البلاد إلى اقتصاد منخفض الكربون.

وفي المؤتمر، وافق القادة العالميون على إطار أساسي بموجب المادة 6-4 من اتفاقية باريس، بإنشاء هيئة تنظيمية تدعمها الأمم المتحدة لتنظيم تجارة الرصيد الكربوني الدولية، ومن المتوقع أن تفتح هذه القرارات أبواب تمويل المناخ بمليارات الدولارات تُوجَّه بشكل رئيسي إلى الدول النامية.

كما توصلت الوفود إلى اتفاق يلزم الدول المتقدمة بالتزام سنوي بقيمة 300 مليار دولار بحلول عام 2035، بهدف مساعدة الدول النامية على الحصول على موارد اقتصادية أوسع لمواجهة الانبعاثات والكوارث المناخية. ووصف مقرر COP29 المكلف بالرئاسة “مختار باباييف” الالتزام بأنه “انقلاب”، على الرغم من أن اقتراحه النهائي يشير إلى أن احتياجات تمويل التكيف المناخي المقدرة للدول النامية تتراوح بين 215 مليار دولار و387 مليار دولار سنويًا حتى عام 2030. كما أبرز الاقتراح النهائي “الفجوة بين تدفقات تمويل المناخ والاحتياجات”، خاصة بالنسبة للبلدان الأكثر تأثرًا بتغير المناخ.

انتقدت الدول الفقيرة المبلغ، معتبرة إياه غير كافٍ، حيث دفع العديد منها نحو تحديد هدف أدنى بقيمة ٥٠٠ مليار دولار. بالرغم من اعتبار الصفقة خطوةً صغيرة، فقد اعتبرها النقاد، بمن فيهم مسؤولون بالأمم المتحدة، غير كافية، خاصةً بسبب عدم وجود تبرعات إلزامية من قوى اقتصادية معتبرة مثل الصين.

الالتزام بقيمة ٣٠٠ مليار دولار يتناقض بشكل واضح مع التكلفة المقدرة لتحقيق أهداف المناخ والتنمية، والتي يتوقع الخبراء أن تصل إلى تريليون دولار سنويًا. تعتمد هذه الأرقام على تقرير مجموعة الخبراء المستقلّة عالية المستوى حول تمويل المناخ لعام ٢٠٢٣، الذي أظهر أيضًا أن تدفقات تمويل المناخ العالميّة لا تزال “منخفضة للغاية” مقارنةً بما هو مطلوب لتسريع الانتقال إلى الطاقة النظيفة وبناء المرونة لمواجهة الأحداث المُحفّزة من قبل تغيّر المناخ.

نقاط التوتر الرئيسية في المفاوضات كانت قاعدة الجهات المانحة، حيث أصرت الدول ذات الاقتصاديات المتقدمة مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على أن تساهم الدول ذات الموارد مثل الصين ودول مجلس التعاون الخليجي، افتراضياً، بحصة من التمويل القادمة من الميزانيات العامة.  وأصرت الدول النامية على زيادات كبيرة في المنح العامة غير المقرضة. وأشار النص النهائي، بقيمة 300 مليار دولار، إلى أن تمويل المناخ سيأتي من مصادر عامة وخاصة، وشجع على التبرعات الطوعية من الدول النامية، بما في ذلك الصين ودول الشرق الأوسط.

مع نهاية المؤتمر، يمكن القول بأن الوضع المناخي لا يزال غير مطمئن للعالم، مع بوادر شبه واضحة على عدم القدرة على تحقيق أهداف اتفاقية باريس، وكذلك أهداف التنمية المستدامة، خاصةً الهدف رقم 13 المتعلق بالمناخ. ومع التشكيك المستمر، بسبب التجارب الفاشلة السابقة، في مدى الالتزام بتجميع المبلغ المطلوب، وليس فقط قدرته على مواجهة الأزمة، يبدو أن الدول الصناعية الكبرى خصوصاً قد لا تتخذ موقفاً جاداً تجاه القضية إلا في احتمالية تزايد تدهور الأزمة بما يصيب اقتصادياتها.

المصادر:

  1. “UN Climate Change Conference Baku – November 2024”. UNFCCC.
  2. Gayle، Damien (2024-01-05). “Oil industry veteran to lead next round of Cop climate change summit”. The Guardian. ISSN 0261-3077.
  3. McGrath، Matt (2024-01-05). “Climate change: Former oil executive Mukhtar Babayev to lead COP29 talks in Azerbaijan”. BBC.
  4. Max Bearak (2024-11-23)، “Climate Talks End With a Bitter Fight and a Deal on Money”، New York Times
  5. Virginia Furness; Kate Abnett; Simon Jessop (2024-11-23)، “COP29 agrees deal to kick-start global carbon credit trading”، Reuters
  6. “June Climate Meetings Take Modest Steps Forward; Steep Mountain Still to Climb Ahead of COP29”. UNFCCC.
  7. “Further groundwork for Article 6 Paris Agreement laid at Bonn Climate Change Conference”. White & Case LLP.
  8. “The NCQG: What is it and why does it matter?”. World Economic Forum.
  9. Larsen، Gaia; Waskow، David; Alayza، Natalia; Cogswell، Nathan; Boehm، Sophie; Srouji، Jamal; Fransen، Taryn; Carter، Rebecca; Swaby، Gabrielle; Chakrabarty، Subrata; Warszawski، Nate (2024-10-29). “Will COP29 Unlock a New Era of Action? What to Watch at the 2024 Climate Summit”.

“COP29 climate talks: What finance deals have been announced?”.

+ posts

باحث ببرنامج السياسات العامة

د. عمر الحسيني

باحث ببرنامج السياسات العامة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى