الحوار الوطني

ما إمكانية تطبيق نظام القوائم النسبية في الانتخابات البرلمانية في مصر؟

مع انطلاق أولى جلسات الحوار الوطني، الأحد 14 مايو الجاري ومناقشة تعديل قانون مجلس النواب للتحول من نظام القوائم المطلقة المغلقة إلى القوائم النسبية، أثير التساؤل حول إمكانية تطبيق هذا النظام في ظل وجود مواد دستورية حاكمة لضمان تمثيل نسبي محدد للمرأة، ومناسب للعمال والفلاحين والمسيحيين وذوي الهمم والمصريين المقيمين في الخارج، ويضمن نظام القوائم المطلقة المطبق حاليًا هذا التمثيل. فهل يمكن تطبيق نظام القوائم النسبية في ظل الدستور الحالي وضمانة تمثيل الفئات التي يحميها الدستور؟

الوضع الراهن

قانون 140 لسنة 2020 واحد من أبرز القوانين الحاكمة للعملية الانتخابية بمصر، والذي يقضي في مادته الأولى بأن يُشكل مجلس النواب من (568) عضوًا، ينتخبون بالاقتراع العام السري المباشر، وذلك بدلًا من 540 بالقانون السابق عليه، على أن يخصص للمرأة ما لا يقل عن 25% من إجمالي عدد المقاعد، التزاما بالمادة 102 من الدستور المعدل في 2019، على أن يتم توزيع المقاعد مناصفة بين النظامين الفردي والقوائم، ليكون انتخاب مجلس النواب بواقع (284) مقعدًا بالنظام الفردي، و(284) مقعدًا بنظام القوائم المغلقة المطلقة، ويحق للأحزاب والمستقلين الترشح في كل منهما. على أن تقسم الجمهورية إلى عدد من الدوائر تخصص للانتخاب بالنظام الفردي، وعدد (4) دوائر تخصص للانتخاب بنظام القوائم، يخصص لدائرتين منهما عدد (42) مقعدًا لكل منهما، ويخصص للدائرتين الأخريين عدد (100) مقعد لكل منها.

وحدد القانون في مادته الخامسة أنه يجب أن تتضمن كل قائمة انتخابية عددًا من المترشحين يساوي العدد المطلوب انتخابه في الدائرة وعددًا من الاحتياطيين مساويًا له. وحدد القانون عددًا من الصفات يجب أن تتوافر بمرشحي القوائم، وذلك التزامًا بالمادتين (243 و244) من الدستور المعدل عام 2019، والتي تؤكد على أن الدولة يجب أن تعمل على تمثيل الشباب والمسيحيين والأشخاص ذوي الإعاقة والمصريين المقيمين في الخارج تمثيلًا ملائمًا في مجلس النواب، وذلك على النحو الذي يحدده القانون.

وعلى هذا النحو، حدد القانون 140 لسنة 2020 بأنه يتعين أن تتضمن كل قائمة مخصص لها عدد (42) مقعدًا الأعداد والصفات الآتية على الأقل: (ثلاثة مرشحين من المسيحيين، مترشحين من العمال والفلاحين، مترشحين من الشباب، مترشح من الأشخاص ذوي الإعاقة، مترشح من المصريين المقيمين في الخارج)، على أن يكون من بين أصحاب هذه الصفات أو من غيرهم (21) امرأة على الأقل.

كذلك يتعين أن تتضمن كل قائمة مخصص لها عدد (100) مقعد الأعداد والصفات الآتية على الأقل: (تسعة مترشحين من المسيحيين، ستة مترشحين من العمال والفلاحين، ستة مترشحين من الشباب، ثلاثة مترشحين من الأشخاص ذوي الإعاقة، ثلاثة مترشحين من المصريين المقيمين في الخارج.)، على أن يكون من بين أصحاب هذه الصفات أو من غيرهم (50) امرأة على الأقل.

عدالة التوزيع

يعد تمثيل المرأة والفئات الاجتماعية المختلفة كـ (الشباب والمسيحيين والأشخاص ذوي الإعاقة والمصريين المقيمين في الخارج) مؤشرًا مهمًا لمدى قدرة النظام السياسي على استيعاب وتمثيل هذه الفئات بما يتناسب مع كثافتها العددية وقوتها الانتخابية بالمجتمع، بخلاف كونها معيارًا لمدى قدرة النظام على تطبيق قيم ومبادئ الديمقراطية والمواطنة بين أبناء الشعب. 

الشكل التالي يوضح إحصائية نواب مجلس النواب المصري وفقًا للصفة

ورغم حصول المرأة على حق الترشح والانتخاب منذ دستور 1956، إلا أن التمثيل البرلماني الحر للمرأة لم يكن ليتخطى 15% من إجمالي المقاعد البرلمانية، فمازالت ثقافة المجتمع وموروثاته تقيد اندماج المرأة في الحياة السياسية دون دعائم دستورية وقانونية تحقق لها بعض من التمييز الإيجابي، هذا إلى جانب عدم وجود الدعم المادي الكافي لبعض السيدات لخوض غمار العملية الانتخابية.  

فبالرغم من أن المرأة المصرية بدأت الحياة البرلمانية في عام 1957، وحصلت النائبتان راوية عطية وأمنية شكري على مقعدين لأول مرة في تاريخ مصر، إلا أن تطور عدد المقاعد الذي حصلت عليه منذ ذلك التاريخ لم تكن للتناسب مع حجم الإناث ككتلة من المجتمع؛ فزاد عدد النائبات في 1960 إلى 6، وفى انتخابات 1964، حصلت المرأة على 8 مقاعد، ثم تناقص العدد ليصل إلى 3 مقاعد في انتخابات 1969، وعاد مرة أخرى في انتخابات 1971، إلى 8 نائبات، ثم انخفض في انتخابات عام 1976 إلى 6 مقاعد.

إلا إنه في عام 1979 تم تعديل قانون الانتخابات ليتم تخصيص 30 مقعدًا للنساء بواقع مقعد على الأقل لكل محافظة، وهو ما أسفر عن طفرة في عدد النائبات الممثلات، ليصل إجمالي عدد النائبات إلى 35 نائبة، إلا أن في العام نفسه صدر قرار من المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية القانون بدعوى التمييز خاصة إنه ليس له ظهير دستوري. 

وعلى هذا النحو، انخفض عدد المقاعد التي حصلت عليها المرأة إلى 18 مقعدًا وذلك في ضوء تطبيق نظام القائمة النسبية. وفى عامي 1990 و1995، تراجعت نسبة تمثيل المرأة لتصل إلى 10 مقاعد، وإلى 4 مقاعد في انتخابات 2000 و2005. لكن مع صدور القانون رقم 149 لسنة 2009، تم تخصيص 64 مقعد للمرأة. بينما شهد عام 2012 تراجعًا كبيرًا، فلم تستطع أي امرأة الفوز بأي مقعد فردي، بينما استطاعت خمس سيدات فقط الفوز من خلال القوائم. 

إلى أن تم تعديل الدستور المصري وقانون انتخابات مجلس النواب، لتصبح نسبة تمثيل النساء بالبرلمان لا تقل عن 25%، وذلك لما أكده دور المرأة المصرية في تغيير واقع الحياة السياسية في هذا التوقيت. ويأتي تحديد “كوتة” للمرأة تماشيًا مع اتفاقيات مكافحة التمييز التي وقعتها مصر، كاتفاقية “سيداو” للقضاء على التمييز ضد المرأة والتي وقعتها مصر عام 1980، وتم التصديق عليها عام 1981. 

على الجانب الآخر، يعد تحديد “كوتة” للمرأة أمرًا متعارفًا عليه خاصة في الأنظمة السياسية الصاعدة، على العكس من الأنظمة الديمقراطية التي لها باع في دعم المرأة كلاعب رئيس في المشهد السياسي والتي ترتفع فيها نسبة تمثيل المرأة تدريجيًا نتيجة زيادة اهتمام المرأة بالحياة السياسية وزيادة الثقة بقدرتها على تحمل المسئولية السياسية من قبل الناخبين.

وفي السياق نفسه، يضمن الدستور المصري وقانون الانتخابات القائمين تمثيلًا مناسبًا لكافة الفئات المعنية بالدستور، والتي قد تعاني من التهميش الانتخابي نتيجة ثقافة المجتمع، وقد نجحت القوانين السائدة في تحقيق تمثيل مناسب لهذه الفئات. فمثلًا، وصل عدد نواب البرلمان المسيحيين عام 2021 إلى 31 نائبًا مسيحيًا منتخبًا، مقارنة بـ 5 نواب مسيحيين منتخبين عام 2012. كذلك ولأول مرة في تاريخ مجلس الشيوخ يصل عدد المقاعد المسيحية إلى 24 مقعدًا في 2020، مقارنة بـ 15 مقعدًا مسيحيًا في 2012. ووصل عدد الشباب (تحت سن الأربعين) بالبرلمان إلى قرابة الـ 100 نائب. 

التعددية الحزبية

رغم قدرة النظام القائم على تحقيق تمثيل لكافة الفئات التي يرعاها الدستور إلا إنه واجه اتهامات بالعوار تجاه تحقيق التنافس الديمقراطي العادل، والتعددية الحزبية خاصة للأحزاب الصغيرة والمستقلة، والوصول إلى نظام ديمقراطي متعدد الأطراف. فبالرغم من وجود نحو 107 أحزاب (مؤسس، وتحت التأسيس)، لم يحصل سوى 13 حزبًا فقط على مقاعد داخل البرلمان، وترى الكتل الحزبية الموجودة أن السبب هو تطبيق نظام القائمة المطلقة المغلقة. 

لكن على الرغم من هذا الاتهام فإنه خلق خريطة حقيقية لمكانة وقوة وفاعلية الأحزاب المصرية الموجودة على الأرض، ومدى قدرتها على استقطاب الناخبين وقوة برامجها الانتخابية. وهو ما أكد على وجود عوار بالأرضية الحزبية الموجودة، فيوجد عدد هائل من الأحزاب السياسية لكن دون أي تأثير. فمن الأجدى أن يكون هناك 10 أحزاب لكن ذات تفاعل وتواصل حقيقي ومباشر مع المواطن ومشاكله على أن يكون لدينا قاعدة حزبية ضخمة تتخطى المئة حزب ولكن دون أي فاعلية.

على الجانب الآخر، تحقيق التعددية الحزبية والتنوع السياسي –حسب مطالب القوى السياسية- يتطلب في المقام الأول توفر حرية تأسيس الأحزاب وممارسة نشاطها بكل حرية ودون تعرض للقمع أو التضييق، وهو ما يتحقق من خلال القوانين القائمة (قانون رقم 40 لسنة 1977، ومرسوم بقانون رقم 12 لسنة 2011 الصادر عن المجلس الأعلى للقوات المسلحة)، والتي سمحت بتأسيس قرابة 100 حزب حتى الآن. إلا أن هذه القوانين قد آن الأوان لإجراء بعض التعديل عليها لتسمح بدمج الأحزاب التي تتشابه في التوجهات والأهداف، والسماح بتكوين تكتلات حزبية قد يسمح توحيد جهودها أن يكون لها تأثير مجتمعي وسياسي واضح.

وهو ما ينقلنا للمحدد الآخر لتحقيق التعددية الحزبية، وهو تعزيز ثقافة الانفتاح السياسي واحترام التعددية والتنوع السياسي، وتشجيع التعاون والحوار بين الأحزاب المختلفة بما يحقق مصالح المجتمع في النهاية، فتنوع واختلاف الآراء لا يعني أبدًا خيانة الوطن ومقدراته. فخلق مناخ ديمقراطي حر يعزز من المشاركة السياسية الفعالة للمواطنين سواء كناخبين أو مرشحين، أو حتى الانضمام للأحزاب السياسية كلا وفق أيديولوجيته الخاصة. 

وتكوين أيديولوجية المواطنين هو في الأساس مسؤولية مشتركة بين كافة الأطراف كـ (الحكومة، الأحزاب السياسية، المجتمع المدني، الإعلام، … وغيرها)، بتوفير وتعزيز التوعية السياسية بين المواطنين وتوفير فرص التدريب والتثقيف السياسي، حيث يتعرف المواطنون على الأحزاب والمرشحين المختلفين وبرامجهم السياسية، ويتمكنوا من اتخاذ قرارات مطلعة فيما يتعلق بالاختيارات الانتخابية. لذا يجب على كافة الأطراف وعلى رأسها الأحزاب السياسية في المقام الأول أن تضطلع بدورها في الاندماج المجتمعي وتكوين أرضية شعبية ورفع وعي المواطنين، حتى يتم بناء مناخ سياسي حر وديمقراطي وتتحقق التعددية الحزبية بشكل حقيقي وفعال ولا تتحول إلى مجرد شعارات رنانة يتم ترديدها في المنصات الإعلامية فقط. 

آلية التطبيق

والآن بغض النظر عن مسببات الطرح ومآلاته، تبقى المعضلة الأهم في التوصل إلى آلية تنفيذ الطرح في ظل وجود قيود دستورية حاكمة، بضرورة تمثيل ما لا يقل عن 25% من مقاعد البرلمان من النساء، بخلاف تمثيل مناسب لعدد من الفئات. 

فمن الممكن تطبيق نظام القائمة النسبية المغلقة، وفيها يتم تقسيم المقاعد بناءً على نسبة الأصوات التي حصلت عليها، على أن يتم تحديد ترتيب واختيار النواب وفق تصويت داخلي بالحزب القائم على تنظيم القائمة، بشرط أن يكون 25% من القائمة التي تم تحديدها كفائزين من النساء، ويفضل أن تراعي أيضًا تمثيلًا مناسبًا للفئات الأخرى التي كفلها الدستور. على أن يعول على النسبة المقررة لرئيس تعيينها مراعاة الفئات الأقل تمثيلًا بالبرلمان. 

أو تطبيق نظام القائمة الهجينة (النسبية المفتوحة) تجمع بين عناصر من القوائم النسبية والمفتوحة، فيُسمح للناخبين باختيار المرشحين المفضلين من القائمة الانتخابية، وفي نفس الوقت يتم توزيع المقاعد بناءً على نسبة الأصوات التي حصلت عليها القوائم. فمن أهم شروط صلاحية القائمة المتقدم بها الحزب أن تتضمن ما لا يقل عن 25% من عددها نساء، وأن يكون من بين شروط صلاحية وصحة الاختيار من قبل الناخبين أن يقوم باختيار على الأقل ما نسبته 25% من النساء. 

وتكون النسبة المرجحة لفوز القائمة هي نفسها المرجحة والمحددة لاختيار النساء بالقائمة على أن يتم تحديد أولوية تحديد المرشحين وفق نسب الترشيح الإجمالية. إلا أنه من المرجح عدم نجاح هذه الطريقة نظرًا لانتشار الأمية وانخفاض المستوى التعليمي والسياسي بين القاعدة العامة للناخبين، وعلاج ذلك يكون بإجراء ندوات ميدانية وإعلامية توعوية سابقة لعملية التصويت لتوعية المواطنين بطريقة التصويت الصحيحة.

أو من الممكن الاستمرار بالعمل بنظام القوائم المطلقة المغلقة لتوقيت محدد وليكن فصلين أو ثلاثة فصول برلمانية أخرى لحين نضج الأحزاب وتكوين تكتلات فاعلة وأيضًا تعزيز الثقافة السياسية لدى المواطنين، بما يسمح بإقامة نظام انتخابي حر دون أية تمييز إيجابي لأي فئة، ويكون البرنامج السياسي لكل حزب ومرشح هو المحدد المقوم الرئيسي لفوزه في أي انتخابات سواء فيما يخص الانتخابات البرلمانية أو المحليات. 

لذا يقترح على هامش الانتخابات بهذه الفصول البرلمانية أن يتم إجراء انتخابات هامشية لكافة الأحزاب والتكتلات السياسية الموجودة بالدولة بنظام التصويت التفضيلي أو التتابعي، وبموجبها يتم تحديد نسبة مئوية من الأصوات العامة كحد أدنى يجب أن تحصل عليه الأحزاب للتأهل للمشاركة في القوائم النسبية، والتوزيع العادل للمقاعد. 

أخيرًا، مهمة تحديد النظام الانتخابي المناسب تعتمد على الاعتبارات السياسية والثقافية والاجتماعية المحلية. فجل ما تأمله الشعوب في النهاية تحقيق نظام انتخابي حر وديمقراطي وشفاف وعادل يتيح التنافس السياسي بين الأحزاب، بما يوفر للناخبين فرصة التقييم الشامل للمرشحين والأفكار التي يمثلونها، كما يحقق تمثيلًا شعبيًا فعالًا ويعزز من فرصة وإرادة المواطنين في صنع القرارات السياسية، ويبني مستقبلًا ديمقراطيًا مستدامًا ومزدهرًا لأي دولة. 

+ posts

باحث أول بالمرصد المصري

هبة زين

باحث أول بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى