
مؤشرات الكفاءة في إدارة الدولة المصرية للكوارث والأزمات
يمكن أن تواجه المجتمعات في كل مكان أزمات وكوارث وأحداث تخل بالنظام الطبيعي للحياة اليومية، وغالبًا ما تنطوي الأزمة على ظروف غير مرغوب فيها تتميز بتهديد متصور على نطاق واسع للجوهر. وفي أعقاب الأزمات والكوارث في أي مجتمع، يواجه المسؤولون ومتخذو القرار مجموعة مذهلة من القضايا التي تتطلب معالجة فورية. وبسبب حتمية حدوث الأزمات وقدرتها على تهديد البلاد، تقوم الدول بوضع خطط لإدارة الأزمات.
وإذا بحثنا في مصطلح “إدارة الأزمات” نجد أنه كمفهوم سياسي بدأ في الظهور في ستينيات القرن الماضي، عندما اشتعلت أزمة حادة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية حول وجود صواريخ نووية في كوبا، وخشي الكثير من الناس أن يكون العالم على شفا حرب نووية. ومع ذلك، تم تجنب الكارثة رغم التوتر الهائل، ووجد القادة السوفييت والأمريكيون طريقة للخروج من المأزق، حينما تبادلوا الرسائل والاتصالات؛ فأرسل “خروتشوف” رسالة إلى “كينيدي” عرض فيها إزالة الصواريخ الكوبية مقابل وعد من قادة الولايات المتحدة بعدم غزو كوبا، وفي اليوم التالي أرسل الزعيم السوفيتي خطابًا يقترح فيه أن يقوم الاتحاد السوفيتي بتفكيك صواريخه في كوبا إذا أزال الأمريكيون منشآتهم الصاروخية في تركيا.
وتمت إدارة الأزمة عندما وافقت الولايات المتحدة على عرض الزعيم السوفيتي نيكيتا خروتشوف لإزالة الصواريخ الكوبية مقابل وعد الولايات المتحدة بعدم غزو كوبا. كما وافق الرئيس الأمريكي جون كينيدي سرا على إزالة الصواريخ الأمريكية من تركيا. وحينها أعلن وزير الدفاع الأمريكي “ماكنمارا” أن عصر المواجهات العسكرية قد انتهى، وبدأ عصر جديد يمكن أن نطلق عليه اسم عصر إدارة الأزمات.
وقـد تـم تعريـف مفهـوم إدارة الأزمـات بأنهـا تعنـي بالأسـاس كيفيـة التغلـب علـى الأزمـات بـالأدوات العلميـة والإدارية المختلفة، وتجنب سلبياتها، والاستفادة من إيجابياتها؛ فعلم إدارة الأزمات هو علـم إدارة التوازنـات والتكيـف مع المتغيرات المختلفة وبحث آثارها في كافة المجالات. ولهذا تقاس درجة كفاءة أي إدارة بدرجة تعاملها مع الكوارث والأزمات، فكيف واجهت الإدارة المصرية أزماتها منذ 2013؟
أزمة السيول
بدأت أزمة السيول منذ 2014 وبالأخص تلك السيول التي سقطت في طابا عام 2014، وسيول غرب الدلتا في 2015، وسيول كورنيش الإسكندرية 2015 ورأس غارب وسوهاج في 2016 واستمرارًا لسيول التجمع الخامس في 2018 وبلغ الأمر أقصاه في مارس 2020 عندما شهدت البلاد أسوأ موجة طقس منذ 40 عامًا، وهو ما دفع الحكومة إلى إغلاق العديد من الطرق والمؤسسات الحكومية ومرافق البنية التحتية بالإضافة إلى المدارس والجامعات والموانئ والمطارات.
ومن حينها حرصت الدولة على مجابهة الأضرار؛ فتم وضع خطة عاجلة لمواجهة أخطار السيول؛ من عمل غرفة مركزية للإنذار المبكر بالسيول تضم 264 مسؤولًا بقيادة رئيس الوزراء، بجانب إعداد فرق عمل جاهزة ومستعدة على مدار 24 ساعة بشركات المياه وأجهزة المدن الجديدة.
وقامت كذلك بتأهيل مخرات السيول لاستقبال واستيعاب مياه السيول ونقلها بأمان إلى شبكة الترع والمصارف ونهر النيل، بالإضافة إلى استعادة البنى التحتية المضارة من السيول، وإنشاء بنية تحتية جديدة لتجميع المياه في مناطق السيول المفاجئة، إلى جانب صرف تعويضات مادية وعينية للمتضررين من السيول وتعويضهم بإقامة أماكن لهم بشكل حضاري.
وما شهدته مصر من موجات سيول عبر السنوات الأخيرة ما هو إلا انعكاس للتغيرات المناخية التي تهدد كافة دول العالم. وفي هذا الإطار قامت مصر بعمل دراسات واقعية ومبادرات للمساهمة في تفادي مخاطر التغير المناخي من جهة، ومن جهة أخرى وللتغلب على عدم مقدرة الأنظمة المتعاقبة على التعامل مع قضية البيئة بشكل جدي، فقامت الدولة المصرية بالتعاون مع الإدارات والمؤسسات المعنية بالمناخ والبيئة بعمل الاستراتيجية الوطنية لتغير المناخ 2050، إلى جانب وضع خطط للتكيف مع التغيرات المناخية. وتقوم الدولة المصرية حاليًا بالإعداد لقمة المناخ “كوب 27” والمزمع انعقادها في نوفمبر القادم بشرم الشيخ، وهو حدث له أهمية كبرى حيث ستمثل مصر في هذه القمة “صوت قارة أفريقيا” للدفاع عن حقوقها لدى الدول الصناعية الكبرى في القارات الأخرى التي تكاد تكون هي المسبب الأول في التغيرات المناخية التي ضربت كل دول العالم.
جنوح السفينة إيفرجيفن
مثلت أزمة جنوح سفينة الحاويات الضخمة “إيفرجيفن” في قناة السويس تحديًا وجوديًا لحركة التجارة العالمية ككل. وكان التعامل مع جنوح السفينة محفوفًا بالصعوبات والمخاطر التي كان يضعها القائمون على إدارة الأزمة في حسبانهم خلال التعامل معها، فخطر اختلال توازن السفينة وغرقها بالقناة عند محاولات تحريكها أو تفريغها كان احتمالًا قائمًا منذ اللحظة الأولى، وهو السيناريو الكارثي الذي كانت هناك محاولات حثيثة لتجنبه.
لذا اتخذت الإدارة المصرية منذ بدء الأزمة أسلوب الإدارة العلمية للأزمات؛ فكانت تصريحات المسؤولين في هيئة قناة السويس على قدر كبير من المسؤولية والانضباط. ومن أجل تعويم السفينة الجانحة في أقل وقت ممكن من أجل تيسير التجارة العالمية، استعانت مصر بخبرات محلية وأجنبية متعددة. وتم وضع عدد من السيناريوهات لتعويم السفينة، مما مكّن مصر من تعويم السفينة في الوقت الذي حددته تقديراتها المسبقة، خلال ستة أيام.
الأمر الذي دحض الدعوات المختلفة التي أُثيرت وطُرحت في ذلك الوقت بأنه يجب على مستخدمي قناة السويس السعي إلى وجود بديل وخلق قنوات منافسة لقناة السويس: مثل خط ايلات-عسقلان والذي تطمح إسرائيل لإنشائه كقناة موازية لقناة السويس، وطريق “البحر الشمالي” وهو ممر شحن يربط المحيط الأطلسي بالمحيط الهادي على طول ساحل القطب الشمالي الروسي وتأمل روسيا في إنشائه، وممر “شمال- جنوب” التي تطمح إيران في تفعيله كممر بحري- بري تجاري لشحن البضائع كبديل عن ممر قناة السويس.
أزمة كورونا
بالنسبة لآثار جائحة كورونا، فقد فاقت في تداعياتها آثار الكوارث الطبيعية والبشرية؛ إذ مثّلت ضغطًا على العالم كله نظرًا لعدم جاهزية الأنظمة الصحية في البلدان المتقدمة وغير المتقدمة من حيث النقص الحاد في عدد الأطباء والممرضين، وضعف البنى التحتية للمؤسسات الصحية، وتدني مستويات الاستعداد والجاهزية لهذه الجائحة غير المسبوقة.
وتأثرت مصر بسبب جائحة كورونا مثل أغلب دول العالم، ووسط توقعات منظمات دولية عديدة أن يكون التأثير على مصر كارثيًا، لكن على خلاف ذلك نجح النظام الصحي مدعومًا بدعم القيادة السياسية ومساهمة كافة قطاعات المجتمع في تجاوز الأزمة، عبر توفير الإمدادات اللوجستية عن طريق فتح خطوط إنتاج جديدة لإنتاج المستلزمات الطبية، والقيام بجهود دبلوماسية سريعة لتأمين احتياجات مصر في ظل وباء قاتل أدى إلى توجه عالمي بإغلاق حركة الطائرات وحظر السفر، ومنع تصدير المستلزمات الطبية.
وحافظت مصر على الدبلوماسية الدولية مع العديد من الدول الإقليمية والدولية مثل الصين وإيطاليا والسودان والمملكة المتحدة؛ عن طريق تقديم المعونات والمساعدات الطبية لهم في ذروة انتشار الجائحة والتي يُنظر إليها كأداة للقوة الناعمة، وهو مبدأ مستقر في العلاقات الدولية عندما نتحدث عن المساعدات يُستهدف منها تحقيق مصالح سياسية واقتصادية أو استراتيجية للدولة المانحة. ونجحت مصر بدرجة كبيرة في المواجهة، وتجاوزت الكثير من التداعيات التي عانت منها دول كبرى متقدمة.
ولم يكن لهذا الإنجاز أن ينجح لولا الإرادة السياسية والتعاون بين وزارة الصحة وصندوق تحيا مصر والقوات المسلحة ووزارات وجهات عدة منها المستشفيات الجامعية والمحليات والإعلام وغيرها، إلى جانب تضافر جهود متعاونة من شركات الأدوية المحلية والدولية.
الأزمة الروسية الأوكرانية
كان للأزمة بين روسيا وأوكرانيا تداعياتها التي أثرت بالسلب على كل اقتصاديات العالم، وعلى حركة الصادرات والواردات لكافة السلع بين كافة دول العالم المتضرر بالأساس بسبب جائحة كورونا وتداعياتها. وأثرت الأزمة على وجه الخصوص على الاقتصاد المصري والأمن الغذائي المصري؛ نظرًا إلى اعتماد مصر على حوالي 42% من إجمالي وارداتها من الحبوب من دولتي الصراع.
وعلى الفور ومنذ بوادر اندلاع الحرب، أمنت الدولة المصرية احتياجاتها من السلع الاستراتيجية سواء من الانتاج المحلي أو الاستيراد قبل غلق سلاسل الإمداد، وأعلنت بأن المخزون الاستراتيجي من القمح والسلع الاستراتيجية الأخرى كافٍ بما يضمن تأمين احتياجات المواطنين في هذه الظروف الاستثنائية للاقتصاد العالمي، مع مراعاة البعد الاجتماعي والتعاون مع جميع منظمات المجتمع الأهلي والجهات كافة، حتى يمكن توفير كافة السلع للفئات الأكثر احتياجًا.
ولولا التخطيط الاستراتيجي المسبق والتفكير بعقلية إدارة الأزمة عن طريق برنامج الإصلاح الاقتصادي، وتنفيذ الدولة لعدد من المشروعات القومية الكبرى واهتمام الإدارة المصرية بالمشروعات القومية الزراعية وتطوير الصوامع الموجودة وبناء صوامع جديدة لتخزين القمح، ما استطاعت الدولة المصرية العبور من تداعيات هذه الأزمة من ركود اقتصادي وموجات تضخم عالمية خلال الفترة الأخيرة بسبب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، ومن قبلها جائحة كورونا.
واستنادًا إلى ما سبق يتضح عدد من العوامل المشتركة التي تتبعها الإدارة المصرية في التعرض لأي أزمة منها:

- سرعة تقدير الموقف وتقييم الأوضاع بصورة مستمرة.
- إنشاء فرق للاستجابة للطوارئ، والتواصل مع مؤسسات دولية نجحت أنظمتها في التعامل مع أزمات مشابهة، وذلك بهدف الاستفادة من خبرتها.
- التواصل السياسي المباشر مع المواطنين وشرح أسباب وتداعيات الوضع القائم بشفافية ووضوح والأدوار المتصورة لمختلف الجهات الفاعلة، مع إبراز النتائج المتوقعة التي ستخلفها الأزمة.
- تأمين مخزون من السلع الاستراتيجية والأدوية الأساسية عن طريق وضع خطط معززة داخليًا أو تأمينها بالتعاقد خارجيًا، وفرض عقوبات على مستغلي الأزمات والمحتكرين للسلع.
- اتخاذ حزمة من الإجراءات الاجتماعية والاقتصادية للتخفيف من آثار الأزمة وتداعياتها على الفئات الأكثر تضررًا، كل هذا بتضافر جهود كافة الجهات الحكومية مع القطاع الخاص والمجتمع المدني.
ختاما، الإدارة المصرية أصبحت مهيأة للتعامل باحترافية مع الأزمات والكوارث، وتمتلك من الخبرات والقدرات والأدوات للتخطيط والتنبؤ ما يجعلها قادرة على مجابهة الأزمات حال حدوثها لتخفيف تداعياتها وآثارها.



