شائعة متداولةمصر

هل أهدرت الدولة المليارات في مشروع العاصمة الإدارية الجديدة؟

قبل التطرق إلى اللغط الدائر حول مشروع العاصمة الإدارية الجديدة والشائعات المتداولة حول أن الحكومة المصرية أنفقت المليارات عليها من الموازنة العامة للدولة،  نود بدايةً إلقاء نظرة سريعة على حجم العاصمة الإدارية الجديدة، فهو مشروع واسع النطاق، أعلنته الحكومة في مؤتمر دعم وتنمية الاقتصاد المصري في مارس 2015 -فهي واحدة من أهم المدن الذكية والمستدامة- وتبلغ مساحة المشروع عند اكتماله حوالي 700 كيلومتر مربع أي 170 ألف فدان، على أن يتم التنفيذ على 3 مراحل. وتبلغ مساحة المرحلة الأولى من المشروع نحو 168 كيلومترًا مربعًا (40 ألف فدان) أي نصف مساحة القاهرة تقريبًا والتي تبلغ نحو 90 ألف فدان. 

وتقع العاصمة الإدارية على بُعد 45 كيلومترًا من وسط القاهرة و80 كيلومترًا من السويس و55 كيلومترًا من خليج السويس، وتتميز بموقعها القريب من مشروع تنمية قناة السويس، ومدن شرق القاهرة (بدر والشروق والقاهرة الجديدة). والمنطقة ترتبط بأربعة طرق رئيسة هي: طريق السويس، طريق العين السخنة، الطريق الدائري الأوسطي، الطريق الإقليمي، بالإضافة إلى محاور الطرق الرئيسة.

وتخدم منطقة العاصمة الإدارية الجديدة والمدن المجاورة لها شبكة مواصلات مخصصة ومتنوعة، منها إنشاء “المونوريل” والقطار الكهربائي، إلى جانب حوالي ألف أتوبيس، وكذا محطة مترو “عدلي منصور” المركزية، وموقف السلام الإقليمي، ومطار العاصمة الإدارية الجديدة.

وتشمل العاصمة الإدارية مقارًا للرئاسة والوزارات والبرلمان، وأحياءً سكنية، وحيًا دبلوماسيًا، وحيًا ماليًا (العاصمة المالية لمصر). ويشمل المشروع كذلك مطارًا دوليًا على مساحة 16 كم2، ومراكز تجارية بمساحة 402 كم2 و90 كم2 من حقول الطاقة الشمسية. وستتضمن المدينة شبكة Wi-Fi عامة، مما يجعلها منارة للبنية التحتية للمدينة الذكية. 

ومن المتوقع بانتهاء تنفيذ العاصمة الإدارية الجديدة أن تكون موطنًا لحوالي 6.5 مليون ساكن، وأن تسهم في توفير 1.5 مليون فرصة عمل جديدة. وتم بالفعل الانتهاء من تنفيذ عدد من مشروعات المرحلة الأولى من المشروع، وتم افتتاحها في أكتوبر 2017، ومن أبرز المشروعات التي تم الانتهاء من تنفيذها وافتتاحها مسجد الفتاح العليم وكنيسة القيامة وفندق الماسة، وهو أول فندق تنتهي منه الدولة ضمن المشروع الضخم، وتولت الهيئة الهندسية للقوات المسلحة إنشاءه وفقًا لأحداث التصميمات العالمية بمساحة تتجاوز 10 أفدنة.

وجارٍ الآن الانتهاء من تأسيس كل من الحيين السكني والحكومي، ويشارك فيه 4 من كبرى شركات المقاولات في مصر والعالم، وهي: طلعت مصطفى، والمقاولون العرب، وأبناء علام، وكونكورد، وتحالف أوراسكوم إلى جانب شركات أخرى: (شركة بتروجيت للمقاولات، وشركة وادي النيل، وتحالف مصري إسباني، وشركة CSCEC الصينية -وهي الشركة التي تم تصنيفها أفضل شركة بين 250 شركة مقاولات عالمية). 

يقوم بإدارة وتمويل المشروع شركة العاصمة الإدارية الجديدة المساهمة، والتي تم إنشاؤها برأس مال يقدر بـ 6 مليارات جنيه؛ مقسمة بين جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، وهيئة المجتمعات العمرانية، وجهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة. ويتم تمويل كل هذه المشروعات من خلال الشركة والتي يعتمد رأس مالها وتنميته على بيع الأراضي للمطورين العقاريين، وبعيد تمامًا عن موازنة الدولة، ولكنها تخضع لرقابة لأجهزة الرقابية بالدولة.

من يمول مشروع العاصمة الإدارية؟

C:\Users\DELL\Desktop\1832718_0.jpeg

تعد مسألة التمويل هي أكثر القضايا الشائكة والتي حظيت على الكم الأكبر من الشائعات التي نالت وتنال من المشروع. وأوضحت الحكومة عدة مرات أن تمويل المشروع بالكامل خارج إطار موازنة الدولة. فسبق أن أوضحت وزارة المالية نجاح الدولة في إيجاد قيمة اقتصادية للأرض المقام عليها تلك المشروعات، فقد حصلت الشركة على أرض المشروع، وهي صحراء، وقامت بإنشاء المرافق العامة بها من طرق وكهرباء ومياه شرب وصرف صحى وإنارة للشوارع ووضع نظام للتحكم في المرور والصرف الصحي والكهرباء بأحدث ما وصلت إليه التكنولوجيا الحديثة من تطور. وتحويلها إلى مصدر للتمويل بحيث تستخدم هذه القيمة الاقتصادية الناتجة عن بيع الأراضي للمستثمرين في تمويل عمليات الإنشاء وسداد مستحقات المقاولين والعمال بها؛ من أجل إقامة مجتمع عمراني بدرجة عالية من الرقي والتطور ينقل مصر نقلة حضارية جديدة.

وقد تلقت شركة العاصمة الإدارية الجديدة حتى فبراير الماضي أكثر من 55 طلبًا لتخصيص أراضٍ بنشاط سفارات ضمن نطاق الحي الدبلوماسي، وتم توقيع عقود مع 10 دول، وجارٍ دراسة بقية العقود للبت فيها. وبلغ سعر بيع المتر المربع بحي السفارات حوالي 500 دولار، ومن المتوقع وجود زيادات سعرية خلال عام 2022 و2023، وسوف تتم التعاقدات الجديدة للسفارات وفقًا للأسعار الجديدة. 

في حين كان العمق الأفريقي له تعامل خاص ينم عن عمق التقارب المصري الأفريقي، فقد وجه الرئيس عبد الفتاح السيسي ببناء 50 سفارة على نفقة شركة العاصمة تخصص للدول الأفريقية؛ دعمًا للروابط الأخوية والتاريخية التي تربطها بمصر. وكذا جارٍ تحمل إنشاء مبنى لهيئة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، ويزود الحي الدبلوماسي بالعديد من المدارس والجامعات والكنائس و224 فيلا لخدمة سكان الحي الدبلوماسي. 

D:\هبة\مرصد\نوعي\العاصمة الادارية\Untitled.png

إلى ذلك، تم توقيع عدد من القروض تتولى الشركة سدادها من حصيلة بيع المنشآت، الأمر الذي تسبب في مهاجمة المشروع بأنه تسبب في زيادة ديون الدولة، وبمسايرة جدلية –الخاطئة من الأساس- كون المشروع تسبب في زيادة الديون، فيجب التأكيد على أن قيمة أي قرض تتحدد بناءً على عوائده في المستقبل، وإلا كان فشلًا في التخطيط، وعوائد بيع العقارات التي تم بناؤها بأموال القرض تتزايد يومًا تلو الآخر لتزايد القيمة الاقتصادية والاستثمارية للمشروع.

ووفقًا لمعلومات خاصة للمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، فإن المشروع يحقق عوائد كبيرة. ونتيجة حصيلة البيع والتي تحصل الدولة منه على 20%، بالإضافة إلى الأقساط التي تحصل عليها الدولة عن مشروعات حق الانتفاع المؤقتة مثل محطات البنزين المتنقلة، استطاعت شركة العاصمة الإدارية أن تحقق سيولة تزيد عن 40 مليار جنيه، إلى جانب أكثر من 40 مليار جنيه أخرى مستحقات لدى الغير. 

وسبق أن وقعت وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية المصرية في أبريل 2019، بالعاصمة الصينية بكين، مع مجموعة البنوك الصينية الممولة للمشروع بقيادة بنك «أي سي بي سي»، اتفاقية القرض الخاص بالدفعة الأولى من أصل 3 دفعات، لتمويل تصميم وإنشاء منطقة الأعمال المركزية، بالعاصمة الإدارية الجديدة. 

وقال الدكتور عاصم الجزار، وزير الإسكان، في بيان صحفي حينها، إن «قيمة الدفعة الأولى من القرض تبلغ نحو 834 مليون دولار تقريبًا، من إجمالي 3 مليارات دولار قيمة تمويل المشروع، وتغطي الدفعة الأولى تكاليف تصميم وإنشاء 7 أبراج شاهقة الارتفاع، تضم برجين إداريين، و5 أبراج سكنية، تطل على الحدائق المركزية بالعاصمة الإدارية الجديدة (كابيتال بارك)، بارتفاعات تصل إلى 206 أمتار أي 51 طابقًا، وبمساحة بنائية تبلغ 600 ألف متر مربع».

وتتولى وزارة الإسكان المصرية ممثلة في هيئة المجتمعات العمرانية تنفيذ منطقة الأعمال المركزية، والحي السكني الثالث «ار3»، والحي السكني الخامس «أر 5». ففي أكتوبر 2017 وقعت الهيئة على اتفاق مع شركة الصين الحكومية لهندسة الإنشاءات بقيمة 3 مليارات دولار، لبناء أبراج العاصمة الإدارية الجديدة الـ20. تتولى بموجبه الحكومة المصرية تمويل 15% من قيمة المشروع، بينما يتم توفير الباقي عبر قروض من البنوك الصينية، ويسدد القرض على مدار 10 سنوات تبدأ بعد الانتهاء من إنشاء الأبراج التي تضم البرج الأيقوني وهو أعلى برج في أفريقيا بارتفاع 385 مترًا.

وعن الجزء الذي تتحمله الدولة، فسبق أن أكد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء حاليًا ووزير الإسكان حينها، أن تمويل مشروع العاصمة الإدارية سيكون من الباب السادس للموازنة، والمخصص لمشروعات المياه والصرف والخدمات الصحية والتعليمية. موضحًا أن الباب السادس للموازنة تابع لهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة التي دورها هو بناء مدن جديدة. مشيرًا إلى أن الاتفاق مع الشركة الصينية في العاصمة الإدارية كان على جزأين أحدهما مباني الوزارات والأخرى الاستثمارية، وما لم يتم التوافق فيه هو مباني الوزارات بسبب التكلفة المرتفعة، ومن ثم أعلنت الدولة تنفيذ ما يخص مباني الوزارات من خلال تمويل المشروع نفسه.

تداول الشائعة حول المشروع

ومن هنا انطلقت الشائعات حول مصدر تمويل الحي الحكومي، والتي تمحور أغلبها حول أن تمويل إنشاء الحي الحكومي بالعاصمة الإدارية الجديدة كبّد الموازنة العامة للدولة الكثير، وكان من الأفضل توجيه هذه الأموال لمشروعات إنتاجية، أو من حصيلة بيع المقرات الحكومية القديمة. وهو ما نفته الحكومة مرارًا وتكرارًا. ورصدت الدولة حوالي 40 مليار جنيه لعملية الإنشاء، تمولها الشركة من ميزانية عائد بيع الأراضي. وبدورها تنشئ هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة حاليًا حيًا سكنيًا على أرض العاصمة الإدارية الجديدة، تحصل الدولة على ثمنها وثمن الأرض عند بيع وحدتها السكنية. 

فبالرغم من التأكيد على عدم تحميل ميزانية الدولة بتكاليف إنشاء مشروع العاصمة الإدارية الجديدة وأن المشروع يتم تمويله من خلال بيع أراضٍ صحراوية ظلت لقرون دون قيمة أو استغلال، من خلال خلق قيمة استثمارية لها عن طريق بضعة مشروعات بنية تحتية أساسية. إلا أن ادعاءات البعض ذهبت نحو أن الدولة خسرت الأراضي التي كانت تملكها من أجل مشروع ليس ذا جدوى اقتصادية أو اجتماعية. فمع افتراض صحة الادعاء بأن الدولة خسرت قطعة أرض قبل ترفيقها كانت توصف بأنها –صحراوية تفتقر للمرافق ليست ذات جدوى اقتصادية أو استثمارية يصعب استخدامها في أي أغراض تنموية أو سكنية– مجرد صحراء لا يمكن الاستفادة منها. 

ففي الحقيقة أن الدولة لم تخسر الأرض أو أصل من أصولها كما يتم الادعاء، بل تم إنشاء وتعزيز قيمة اقتصادية له، فمشروع العاصمة الإدارية الجديدة حقق نجاحًا قبل بلوغ المرحلة الثانية من تنفيذه؛ لاسيما وأنه مشروع استثماري من الدرجة الأولى، وكان على الدولة تحريك عجلة الاستثمار بنفسها لتشجيع المستثمرين على وضع أموالهم في المشروعات الكبرى والقومية. ف

قد أقيم على أرض صحراوية أصبحت قيمة مضافة كبيرة للاقتصاد القومي، مع تضاعف سعر المتر الواحد للأرض 170 ضعفًا بعد توصيل المرافق، وما زالت أسعارها في تزايد مستمر. فحتى مارس الماضي –قبل تفاقم الأزمة الروسية الأوكرانية والتي أدت إلى زيادة أسعار العقارات- وصل متوسط سعر المتر بالنسبة للأحياء السكنية إلى ما بين 12 إلى 16 ألف جنيه للمتر وفقًا لمدة السداد. 

إلى جانب ذلك، تمت الاستفادة من إنشاء الحي الحكومي -ويقع على مساحة 880 فدانًا، ويشمل (10 مجمعات وزارية بإجمالي 34 وزارة، ومبنى رئاسة مجلس الوزراء، ومبنى مجلس النواب، ومحور رئيس يتوسط المباني الوزارية بمسطح 430 ألف م2)- والذي تبلغ تكلفته نحو 50 مليار جنيه لم تدفع الحكومة منها جنيهًا واحدًا، وتم تمويلها من حصيلة بيع الأراضي، وستقوم شركة العاصمة الإدارية الجديدة بتحصيل قيمة إيجارية من الحكومة عند تسلمها هذه المنشآت والمباني.

وعن المناحي الأخرى للجدوى الاقتصادية للمشروع، يمكن الإشارة إلى أنه واحد من أكثر المشروعات جذبًا للاستثمارات المصرية والأجنبية، فهو مشروع قومي -لبناء عاصمة تليق بتاريخ مصر ومكانتها- بطابع استثماري، يجلب رؤوس الأموال ويوفر فرص العمل؛ فيعمل بقطاع الانشاءات بشكل مباشر حوالي 3.7 مليون فرد (13.8% من إجمالي العمالة) عام 2021، هذا إلى جانب فرص العمل غير المباشرة، ويسهم في زيادة الناتج المحلي الإجمالي، فيبلغ نصيب قطاع التشييد والبناء من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2020/2021 حوالي 6.6%، فيما كانت مساهمة الأنشطة العقارية نحو 10.5% في العام نفسه.

ويتم الاعتماد في إنشاءات المشروع على أحدث سبل البناء والتعمير، فتتم الاستعانة بالشركة الفرنسية التي تدير “كهرباء باريس” لإدارة منظومة الكهرباء بالعاصمة الإدارية الجديدة لمدة 10 سنوات لتحقيق الاستفادة القصوى من الكهرباء وتقليل الفاقد الذي يصل في بعض المناطق إلى 35% في حين لا يتجاوز الفاقد 2% في باريس، حيث تم الاتفاق مع هذه الشركة بألا يتجاوز الفاقد هذه النسبة، ويتم اقتسام العائد بين الجانبين بما يحقق أرباحا بنسبة 30%.

D:\هبة\مرصد\نوعي\العاصمة الادارية\Untitled1.png

على الجانب الآخر، القاهرة كانت في حاجة ماسة إلى هذا المشروع؛ فوفقًا لتقديرات خبراء الوكالة اليابانية للتعاون الدولي والمعروفة “جايكا” عام 2010، فالقاهرة كانت بحلول عام 2030 ستصبح مدينة مغلقة أو “ميتة” أو جراج كبير على حد وصفٍ آخر؛ فوفقًا للتقديرات لن تتجاوز سرعة السيارة 8 كم/ساعة، وذلك نتيجة النمو السكاني المتزايد على رقعة محدودة.

فالقاهرة تعد واحدة من أكثر المدن كثافة سكانية حول العالم. ووفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء بلغت الكثافة المأهولة بالقاهرة إلى 52.7 ألف نسمة/كم2، هذا إلى جانب حجم الهجرة الداخلية التي تستوعب القاهرة النصيب الأكبر منها، فوفقًا لتعداد عام 2006 بلغ إجمالي المهاجرين إلى القاهرة 804.4 ألف نسمة حوالي 16.8% من إجمالي الهجرة الداخلية. 

فكان الهدف الرئيس من المشروع تأسيس مدينة إدارية اقتصادية جديدة، تكون عاصمة حديثة تتفق مع مفردات العصر، وتقع ضمن إقليم القاهرة الكبرى، ما يساهم في توسيع الحيّز العمراني، وتفريغ العاصمة الحالية من التكدس والازدحام، بالإضافة إلى خلق منطقة جديدة جاذبة للاستثمارات. فضلًا عن خلق امتدادات طبيعية للمدن التي أصبحت تختنق بالسكان نتيجة النمو السكاني المتزايد دون التخطيط لأي توسعات عمرانية، الأمر الذي خلق مستوطنات عشوائية، وتعديات على الأراضي الزراعية نتيجة البناء العشوائي، وهو ما سوف يسهم في القضاء على أزمة المرور التي تشهدها القاهرة.

لذا كان لابد من تفريغ القاهرة التي تعانى من التكدس والزحام المرورى والعشوائيات، وتقليل الاحتقان المزمن في القاهرة التي يقطنها 10.13 مليون نسمة، خاصة وأن الفكرة يتم تداولها منذ عهد الرئيس الراحل أنور السادات والذي خطط لإنشاء عاصمة إدارية تستوعب الزيادة السكانية لحل مشكلة الازدحام بالعاصمة، وكانت مدينة السادات هي المنطقة التي كان ينوي السادات جعلها عاصمة إدارية جديدة، تسهم في الانتقال الجزئي لأبناء الدلتا، إلى خارج حزام الكثافة السكانية، ونشر الصناعات التي تخلق فرص عمل للشباب، وجذب رؤوس الأموال المصرية والعربية وخلق تجمع صناعي كبير. وتكلفت المدينة حوالي 25 مليون جنيه.

لكن المشروع لم يكتب له النجاح لعوامل عدة، أبرزها صعوبة المواصلات بينها وبين المدينة الأم، وهو ما عكس ضعفًا في التخطيط للقرار قبل اتخاذه، ولعلاج ذلك تم إلحاق مباني الوزارات المقترحة بجامعة المنوفية، وانتهت الفكرة بالفشل ولم يكن لها أي مردود اقتصادي أو مروري أو أمني.

كذلك في عهد الرئيس الراحل حسني مبارك، تم وضع خطة لنقل مربع الوزارات من منطقة وسط القاهرة التي تضم وزارات مثل: التربية والتعليم، والتعليم العالي، والصحة، والإنتاج الحربي، ومجلس الوزراء، ومجلس النواب وهيئة التخطيط العمراني، إلا أن الخطة لم تنفذ أصلًا. إلا أن الأمر هذه المرة يشهد تخطيطًا متكاملًا، سواء لنقل المنشآت الإدارية، أو لخلق مجمعات عمرانية جديدة، أو بإنشاء شبكة طرق ومواصلات مستدامة تخدم العاصمة الجديدة. 

وفي المقابل، الانتقال إلى العاصمة الإدارية الجديدة لا يعني بأية حال إهمال العاصمة القديمة، فقد تدخلت الدولة لتوفير حياة كريمة لسكان المناطق العشوائية وغير الآمنة؛ فتم تنفيذ 165.958 ألف وحدة في 298 منطقة تم تطويرها، بتكلفة 41 مليار جنيه (26 مليارًا للمشروعات+15 مليارًا قيمة الأراضي)، وجارٍ تنفيذ 74.927 ألف وحدة أخرى في 59 منطقة جارٍ تطويرها، بتكلفة 22 مليار جنيه (14 مليارًا للمشروعات + 8 مليارات قيمة الأراضي)، وتم تطوير 53 منطقة غير مخططة، وجارٍ تطوير 17 منطقة أخرى، بتكلفة إجمالية 318 مليار جنيه. وتبنت الدولة كذلك مشروع تطوير القاهرة الخديوية والقاهرة التاريخية، وأضرحة آل البيت، لتتحول منطقة وسط القاهرة إلى متحف مفتوح.

ختامًا، يفتح التخطيط لإنشاء العاصمة الإدارية الجديدة بل وكافة المدن الجديدة آفاقا جديدة للتوسعة العمرانية الأفقية، ويمهد الطريق نحو فكرة “الخروج من الوادي”، فضلًا عن كونه مسعىً لاستدامة النمو العمراني الذي يتناسب مع النمو السكاني والاقتصادي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى