
لحظة اختبار القوة.. كيف أنهى مقتل سليماني توازنات القوى بين واشنطن وطهران

لم يمض أقل من أسبوع على استهداف المقاتلات الأمريكية من طراز (إف 15 إيجل سترايك)، للواءين 45 و46 التابعين لكتائب حزب الله العراقي، في إحداثيات تُقصف لأول مرة بين الحدود السورية والعراقية؛ حتى استهل الرئيس الأمريكي بأصعب قرارته منذ اندلاع الحرب التجارية مع الصين، والانسحاب من الاتفاق النووي الموقع مع إيران، وقرر تصفية ثاني أقوى رجل في الجمهورية الإيرانية ” قاسم سليماني “، مع نحو تسع أفراد أخرين، احتلوا تراتبية قيادية عالية في الجناح العسكري الميليشياوي، والنخبوي التابع لإيران، والذي يعمل وفقا لشبكة معقدة من الارتباطات في مسرح يمتد في أفغانستان شرقا للمغرب العربي غربا، ومن شرق أوروبا شمالاً وصولاً للقرن الإفريقي جنوباً.
من قضى في الاستهداف الأخير؟
الرجل الذي يأتي كثانِ أقوى رجل في إيران بعد المرشد “علي خامنئي”، هو “قاسم سليماني”، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، القوة العسكرية الأقوى والأكبر وصاحبة النفوذ العميق والمتغلغل في كل منافذ وأركان الدولة.
يقع على عاتقه تنفيذ كافة المهام العسكرية والاستخباراتية للجمهورية الإسلامية خارج الحدود، وقد رصدت العديد من التقارير الاستخباراتية خلال العام الماضي نشاطا ملحوظا للفيلق في مناطق بأمريكا اللاتينية البعيدة آلاف الأميال عن بؤر صراعه وبنك أهدافه.

قاسم سليماني، الرجل الذي كان يتجول بحرية في الميادين السورية والعراقية، دون حراسة أحياناً كثيرة، ودائما ما يكون محاطاً بتابعيه حتى من ضمن التشكيلات العسكرية النظامية للجيشين السوري والعراقي، لدرجة أنه كان في مأمن من طائرات التحالف والولايات المتحدة التي رصدته ومرت من فوق رأسه مراراً وتكراراً دون أن تقدم قيادات غرف العمليات بإصدار الأوامر بتصفيته في الحال رغم إدراجه على قوائم الإرهاب الدولي. الأمر ببساطة أنه كان هناك توازن قوى يمنع قرار تصفيته، فضلا عن عدم وجود الظرف الاستراتيجي المتواتر الذي يسمح لهذا من ضربات فائقة.
كان الرجل هو أبزر من تم تصفيته، في الضربة الأمريكية الدقيقة للغاية، فكيف تم ذلك ومن قضي معه؟
- في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، تصل طائرة تُقل قاسم سليماني من دمشق إلى بغداد حيث كان يستقبله في المطار أبو مهدي المهندس، نائب قائد ميليشيا الحشد الشعبي.
- بعد الخروج من المطار بلحظات، سمع دوي انفجارات عنيفة بمحيط المطار، تبين فيما بعد أنها صواريخ أطلقتها طائرات أمريكية بدون طيار.
- في الثانية صباحا، إغلاق مطار بغداد الدولي، وتوقف الملاحة فيه.
- في الثانية وتسع دقائق، تحليق مكثف لطيران التحالف الدولي فوق بغداد.
- في الرابعة ودقيقتين، الإعلان عن مقتل قائد فيلق القدس، قاسم سليماني.
- في الخامسة وثلاثين دقيقة، الحرس الثوري يؤكد مقتل قائد فيلق القدس مع نائب ميليشيا الحشد الشعبي، إثر انفجار سيارتين كانتا تقلهما.
بالرغم من الزخم الذي حاز مقتل قاسم سليماني ورفيقه أبو مهدي المهندس، إلا أن هناك 8 عناصر كانت برفقتهما قضت في الضربة، وكانوا يحملون أيضاً تراتبية قيادية كبيرة في المؤسسات العسكرية النظامية الإيرانية وايضاً في شبكة الميلشيات التابعة لدولة الفقية. وهم:
الإيرانيون:
- اللواء حسين جعفري
- النقيب وحيد زمانيان
- الرائد هادي طارمي
- العقيد شهرود مظفري
العراقيون:
- سامر عبد الله، صهر عماد مغنية
- محمد رضا الجابري، مدير تشريفات الحشد بالمطار
- حسن عبد الهادي، الحشد الشعبي
- محمد الشيباني، الحشد الشعبي.
كيف تمت الضربة؟
تمت الضرب بطائرات أمريكية بدون طيار تذهب أغلب المؤشرات لكونها M-Q9 Reaper، أكثر الطائرات تشغيلاً لسلاح الجو الأمريكي في ميادين أفغانستان والعراق وليبيا واليمن وسوريا، كما نفذت الطائرة العديد من الضربات النوعية التي حصدت عشرات من القيادات الكبيرة في التنظيمات الإرهابية بالشرق الأوسط.
وبالنظر لحطام السيارتين، ومكان الضربة، تظهر جليا وبوضوح استخدام ذخائر موجهة عالية الدقة، نظراً لعدم تداعي السور الملاصق للسيارتين، او حتى هدمه بصورة جزئية، مثل هذه الذخائر طورتها الولايات المتحدة في العقد الأخير لضمان عدم إيذاء المدنيين في عمليات الاستهداف التي تتم داخل المدن والاحياء المكتظة بالسكان.
تشير التحليلات الأولية إلى استخدام صاروخ من طراز Hellfire R9X في عملية التصفية لقاسم سليماني والمرافقين له، حيث ظهرت بقايا الجثث ممزقة إربا بالإضافة إلى آثار الدمار أعلى المركبات، وهي المرة التاسعة الذي تستخدم القوات الأمريكية هذا الطراز من الصواريخ إلى جانب صواريخ أخرى تطلق بواسطة الدرون.
ومن المنتظر أن يتم الإعلان عن تفاصيل العملية والصواريخ المستخدمة خلال مؤتمر صحفي في وزارة الدفاع الأمريكية (بنتاجون) خلال ساعات.
صممت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) صاروخا فريدا من نوعه لتنفيذ عمليات تصفية واغتيال عناصر مستهدفة تابعة لتنظيم القاعدة وداعش الإرهابيين في سوريا. ويعرف الصاروخ من طراز Hellfire R9X أيضا باسم “Flying Ginsu”، نسبة إلى أحد أنواع السكاكين المشهورة.

ويزن الصاروخ R9X حوالي 45 كلم بخلاف الشفرات الست التي تكفي لقتل أي شخص داخل نطاق طيرانها بنسبة 100%، وتبلغ منطقة الخطر المميتة حوالي 75 سم، وهو ما يفسر أن بعض بقايا الجثث تم تقطيعها إلى أجزاء تطايرت بعيدا عن موقع اندلاع الحريق في المركبتين اللتين كان سليماني والمرافقون له يستقلونها، وكما يظهر في اللقطة التي تظهر يد سليمان وبها خاتمه الذي تم التعرف على تصفيته من خلاله.
وتلخصت العملية الثامنة وقبل الأخيرة للصاروخ المبتكر في استهداف حافلة صغيرة كانت تسير بين مدينتي إعزاز وعفرين. وقيل إن الهجوم أسفر عن مقتل أحد قادة تنظيم القاعدة وراكبين، وإصابة راكب ثالث بجروح بالغة. وتأتي العملية في إطار جهود للقوات الأمريكية للقضاء على عناصر تنظيم القاعدة وداعش في المنطقة.
وتم تصميم الصاروخ في الأصل كسلاح مضاد للدبابات لكنه أصبح السلاح المفضل تزويده للدرون طراز Predator وطراز Reaper، وهو عبارة عن صاروخ موجه بالليزر، مما يعني أنه يحتوي على نبض من ضوء الليزر الموجه إلى الهدف. ويصل مدى هذا الصاروخ إلى 7 كلم، مما يعني أن درون من طراز Predator يمكنه إطلاق الصاروخ خارج نطاق السمع بشكل مباشر باتجاه العدو المستهدف.
وكانت صحيفة “وول ستريت جورنال” نشرت في مايو 2019، أن وكالة الاستخبارات المركزية طورت صاروخا جديدًا يستند إلى طرازات Hellfire Romeo R9X، حيث تم استبدال الرأس الحربي المتفجر بـ6 شفرات حادة مزودة بزنبرك. وتبرز الشفرات في جميع الاتجاهات قبل لحظات من بدء الضربة، وعند إصابة الهدف تؤدي إلى تمزيقه بسرعة وتصيبه بجراح عميقة قاتلة.
وبدأ استخدام النسخ الأولى من الصاروخ Hellfire R9X في عملية تصفية للإرهابي جمال البدوي، العقل المدبر المتهم بتفجير المدمرة يو إس إس كول في عام 2000، كما جرى استخدامه ضد إرهابي بارز ينتمي لتنظيم القاعدة وهو أحمد حسن أبو خير المصري في فبراير 2017.
سيناريوهات الرد الإيراني وأنماط التحرك الأمريكي
في الأثناء التي تلت الضربات الأمريكية لميليشيا حزب الله العراقي، رصد تحرك واسع وكبير للطائرات الأمريكية العملاقة المخصصة لأغراض نقل القوات والشحن الثقيل والتزود بالوقود والاستطلاع والاستخبار الإلكتروني، وبعض قطع المدفعية الجوية الثقيلة.
وانطلقت من عدة نقاط، منها أوروبا ولاسيما المطارات القريبة من شرق المتوسط، وجنوب إيطالياً، وقصدت غالبية الطائرات مطارات الأردن والكويت، وقاعد أنجرليك التركية.
اللافت في حركة الطيران العسكري الأمريكي انه يتخذ نسقا تتماها بشده مع أنساق الفرقة المحمولة جواً 82، والمخصصة لمواجهة التحديات والتهديدات بسرعة لا تتجاوز الـ 18 عشر ساعة، وقد أعلن وزير الدفاع الأمريكي عن وصول دفعة من هذه الفرقة المحمولة جواً للسفارة الأمريكية في بغداد بنحو 750 عنصرا.
اسطول طائرات الأف 18 سوبر هورنيت بدوره شهد نشاطاً ملحوظاً، إذ أن الطائرات المخصصة للتزود بالوقود كانت غالبيتها قد اشتركت بالفعل مع تلك المقاتلات في العديد من العمليات السابقة، ما يؤشر إلى استعداد القوة الجوية المأهولة للولايات المتحدة، بجانب المقاتلات الشبحية المتمركز في قاعدة العديد القطرية والقريبة من الأجواء الإيرانية، إذ مكثت في وضع “الكمون” بعكس الطائرات والقاذفات الأخرى التي شغلت أجواء المتوسط علي نحو غير مسبوق.
وعليه، فإن الاستجابة الأمريكية جاءت لنهاية التوازن الموجود بين إيران والولايات المتحدة علي صعيد القوي والخطوط الحمراء، وقد اتخذت أنماط النقل الاستراتيجي وتأمين الرعايا ونقلهم في زمن قياسي، ومن جهة، نقل أكثر من 10% من القوة المحمولة جواً ووضعها قبالة القواعد الأمريكية في العراق وسوريا تحديداً.
ومع توعد النظام الإيراني بتحقيق رد انتقامي علي مقتل سليماني ورفاقه،
وانتظار رد غير متوقع من كافة المراكز العسكرية الإيرانية المنتشرة بطول وعرض
المنطقة، هذا الرد المنتظر لا يمكن في الحقيقة حصره في الساحة العراقية التي جرت
فيها عملية الاغتيال، لأن مساحات المواجهة الإيرانية-الأميركية تشمل العديد من
ساحات المنطقة بدءاً من اليمن مروراً بسوريا ولبنان وصولاً إلى غزة وفي كل تلك
الساحات يوجد حلفاء للطرفين، لعل أبرز هؤلاء هو حزب الله من الجهة الإيرانية،
وإسرائيل من الجهة الأميركية، كما أن مياه المنطقة التي تتحرك فيها الناقلات وتستقر
بالقرب منها قواعد أميركية مفتوحة قد تغدو ضمن ساحات المواجهة، وهي التي لم تكد
تلتقط أنفاسها بعد الاشتباك الذي جرى فوق مياهها خلال الصيف الماضي.
بتخصيص أكثر، يمكن
توقع الرد الإيراني في عدة سيناريوهات
أولها: الهجوم المباشر بالصواريخ والطائرات المسيرة على قواعد ومنشآت عسكرية في العراق أو سوريا أو الدول الخليجية، وفعلت إيران ما يشبه ذلك عندما ردت على مواقع لتنظيم داعش بعد أن قام الأخير بتنفيذ عدة هجمات في إيران خلال سنوات 2017، 2018، وسيكون لهذا السيناريو تبعات كبرى.
أما سيناريو الرد
الثاني، فيتمثل في البدء بحرب استنزاف طويلة الأمد، من خلال حلفاء طهران، لتستهدف
القوات الأميركية المتواجدة على الأراضي العراقية والسورية، على غرار العمليات
العسكرية قام بها هؤلاء الحلفاء ضد الجيش الأميركي قبل انسحابه من العراق عام 2011.
السيناريو الثالث
يتضمن قيام حلفاء إيران سواءً في سوريا أو لبنان أو غزة باستهداف إسرائيل على
اعتبارها جزءًا من بنك الأهداف الأميركية في المنطقة، وهذا الاحتمال تتحسب له تل
أبيب، حيث أعلنت الاستنفار على حدودها الشمالية والجنوبية، كما أن رئيس الوزراء
الإسرائيلي قطع زيارته لليونان وعاد إلى البلاد بعد ما حدث الليلة الماضية.
أخيراً، تعتبر الساحة اليمنية خياراً فاعلاً أمام إيران للقيام بتوجيه رد عبرها لواشنطن أو حليفتها الرياض، من خلال قيام جماعة “أنصار الله” اليمنية، باستهداف القواعد والمصالح الأمريكية في السعودية، بهجمات صاروخية وجوية، كتلك التي استهدفت بها الجماعة مؤخراً منشأتي أرامكو النفطيتين.
يذكر أن الطرف الإيراني المعني بتدارس خيارات الرد يتمثل بمجلس الأمن القومي الأعلى، حيث تناقلت وسائل الإعلام الإيرانية أخباراً عن عقده اجتماعا طارئا من أجل بحث تلك الخيارات، لكي يقرها المرشد الإيراني علي خامنئي المسؤول الأول والأخير عن تحديد شكل وطبيعة ومكان الرد.
ليبقي الطرفان أمام اختبار حقيقي للقوة، ستحدده طبيعة الرد والاستجابة الإيرانية على مقتل ثان أقوى رجل في دولة الفقيه.



