
مصر والأردن: تطور ديناميكي للعلاقات الاقتصادية
تمثل العلاقات الاقتصادية بين الدول أحد أهم العوامل التي تشكّل أساس التعاون والتطور الاقتصادي المشترك بين البلدان. وتعتبر العلاقات الاقتصادية بين مصر والأردن نموذجًا بارزًا لهذا التعاون المستمر والمتطور الذي يسهم في تحقيق التنمية وتعزيز الروابط بين الشعبين. ويتجلى هذا التعاون في مجموعة من الجوانب المتعددة التي تشمل التبادل التجاري والاستثمارات المشتركة والتعاون في مختلف القطاعات الاقتصادية.
نمو التجارة
بدأت العلاقات الاقتصادية بين مصر والأردن مع استقلال المملكة الأردنية الهاشمية في عام 1946. وقد شهدت هذه العلاقات تطورًا ملحوظًا على مدار السنوات الماضية، وترتبط البلدان بعدد من الاتفاقيات التجارية المهمة التي مثلت حجر الأساس في تطور العلاقات بين البلدين، من أهم تلك الاتفاقيات هي الاتفاقية التي أبرمت بين البلدين في عام 1981 والتي استهدفت تعزيز التعاون الثنائي بينهما في مختلف القطاعات، بما في ذلك الاقتصادي والتجاري والاستثماري. كان هذا الاتفاق الأول خطوة مهمة في تعزيز العلاقات الاقتصادية بين البلدين ومهدت لتوقيع البلدين اتفاقية التجارة الحرة في عام 1997، ودخلت حيز التنفيذ في عام 2000 والتي تقضي بإلغاء الرسوم الجمركية على جميع المنتجات بين البلدين، باستثناء بعض المنتجات الزراعية والحيوانية، واتفاقية التعاون الصناعي بين مصر والأردن، التي تم توقيعها في عام 2005، وتهدف إلى تعزيز التعاون في مجال الصناعة بين البلدين، من خلال تبادل الخبرات والتكنولوجيا وإنشاء مشاريع مشتركة، واتفاقية التعاون السياحي بين مصر والأردن، التي تم توقيعها في عام 2006، وتهدف إلى تعزيز التعاون في مجال السياحة بين البلدين، من خلال تسهيل حركة السياح وتبادل الخبرات والتكنولوجيا في مجال السياحة.

الشكل 1: التبادل التجاري بين مصر والأردن
ساهمت تلك الاتفاقيات في زيادة حجم التبادل التجاري بين البلدين من 846.8 مليون دولار في عام 2016 إلى 1056.4 مليون دولار في عام 2023، وتميل الصادرات المصرية إلى أن تكون أكبر من الواردات الأردنية، حيث بلغت الصادرات المصرية 726.5 مليون دولار في عام 2022، مقابل 253.9 مليون دولار للواردات الأردنية، وتتنوع المنتجات المُصدرة من مصر إلى الأردن، حيث تشمل المنتجات الزراعية والغذائية، والمنتجات الصناعية، والمنتجات الكيماوية، ومواد البناء. بينما تشمل المنتجات المستوردة من الأردن إلى مصر مجموعة واسعة من المنتجات، مثل المنتجات الزراعية والغذائية، والمنتجات الصناعية، ومواد البناء، ومنتجات الطاقة.
التوسع في الاستثمار
شهد حجم الاستثمارات الأردنية في مصر ارتفاعًا مطردًا خلال الفترة من 2016 إلى 2023، حيث ارتفع بنسبة 150%، وتتميز الاستثمارات الأردنية بمصر بالتنوع القطاعي، حيث تشمل القطاع الصناعي إذ تستثمر الأردن في مصر في العديد من الصناعات، مثل صناعة الأدوية والمنتجات الطبية، وصناعة السيارات، وصناعة الأثاث، وصناعة الملابس، والقطاع السياحي والعقاري، ويشهد التعاون الصناعي بين مصر والأردن تطورًا ملحوظًا في الآونة الأخيرة، وذلك في إطار الجهود المشتركة للبلدين لتعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي وتتمثل أبرز أوجه التعاون في تصنيع البلدين منتجات مشتركة، مثل الأدوية والمنتجات الطبية، والأجهزة الكهربائية، والمواد الغذائية، وتبادل الخبرات والتقنيات الصناعية والتعاون في مجال تدريب الكوادر الفنية المتخصصة في قطاع الصناعة، مما يساهم في رفع مستوى الكفاءة الإنتاجية، وعلى سبيل المثال الاستثمار في إنشاء مصنع لتصنيع الأجهزة الكهربائية في مدينة العاشر من رمضان بمصر، بالشراكة بين شركة الأردن للاستثمارات الصناعية وشركة سيمنس الألمانية، ومشروع إنشاء مصنع لتصنيع الأدوية في مدينة السادس من أكتوبر بمصر، بالشراكة بين شركة الأردن الوطنية للاستثمارات الصناعية وشركة أدوية فاركو المصرية، ومشروع إنشاء مصنع لتصنيع المواد الغذائية في مدينة الإسكندرية بمصر، بالشراكة بين شركة الأردن للاستثمارات الصناعية وشركة دانون الفرنسية.
الربط الكهربائي
شهدت مشروعات الربط الكهربائي بين مصر والأردن تطورًا ملحوظًا في الآونة الأخيرة، وذلك في إطار الجهود المشتركة للبلدين لتعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي، حيث يرتبط البلدان ببعضهم البعض بعدد من مشروعات الربط الكهربائي والتي كان أولها في عام 1998 والذي شهد أول خط ربط كهربائي بين مصر والأردن بقدرة 550 ميجاوات، ويمتد من محطة غرب القاهرة إلى محطة العقبة الأردنية. وقد تم رفع قدرة الخط في عام 2023 إلى 1000 ميجاوات، أما المشروع الثاني فيتمثل في الاتفاقية التي تم توقيعها في عام 2022 لإنشاء خط ربط كهربائي جديد بين مصر والأردن بقدرة 2000 ميجاوات. ويمتد الخط من محطة بني سويف المصرية إلى محطة الحسينية الأردنية. ومن المقرر الانتهاء من إنشاء الخط في عام 2025، أما المشروع الثالث فهي اتفاقية إنشاء خط ربط كهربائي جديد بين مصر والأردن وسوريا في عام 2023، بقدرة 1000 ميجاوات. ويمتد الخط من محطة غرب القاهرة إلى محطة دير الزور السورية. ومن المقرر الانتهاء من إنشاء الخط في عام 2026، وتتمثل الأهمية الاقتصادية لتلك المشروعات في تعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين، من خلال تسهيل تبادل الطاقة الكهربائية، وزيادة كفاءة استخدام الطاقة، من خلال تبادل الطاقة بين البلدين في أوقات الذروة، وتخفيض تكاليف الطاقة، من خلال استغلال فائض الطاقة في إحدى البلدان في البلد الآخر، وعلى الرغم من تلك الخطوات الجادة في تحقيق ذلك التعاون إلا أنه يظل هناك العديد من التحديات المتمثلة في ارتفاع تكاليف إنشاء خطوط الربط الكهربائي بسبب الارتفاع في معدلات التضخم عالميًا، والحاجة إلى بنية تحتية قوية في مشروعات تبادل الطاقة، وعدم استقرار الأوضاع السياسية في المنطقة مثل الحرب في سوريا وقطاع غزة والتي قد تكون عاملًا له تأثير سلبي على تنفيذ تلك المشروعات.
إجمالًا، يُظهر تطور العلاقات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية بين مصر والأردن نموًا ملحوظًا عبر السنوات، حيث برزت مجموعة واسعة من الجهود المشتركة في تعزيز التعاون الاقتصادي وتوطيد الروابط بين البلدين في مختلف القطاعات، وشهدت العلاقات الاقتصادية بين البلدين توقيع اتفاقيات ومبادرات عدة، مما ساهم في توسيع نطاق التبادل التجاري وتحفيز تدفق الاستثمارات المشتركة. كما دفعت هذه الجهود إلى تعزيز التبادل الثقافي والتعاون في مجالات متعددة، مما يعزز الروابط الوثيقة بين البلدين، ومن المتوقع أن يشهد المستقبل المزيد من التعاون والشراكة بين القاهرة وعمان في مجالات الطاقة، والصناعات الثقيلة، والتجارة، والاستثمار، والابتكار. هذه العلاقات الوثيقة تمثل أساسًا قويًا للنمو الاقتصادي المشترك وتحقيق المزيد من الفرص والتقدم لشعوب البلدين، ليكون هذا التفاهم المصري الأردني عنصرًا أساسيًا في تعزيز الاستقرار الاقتصادي والتنمية المستدامة في الإقليم، ويعكس رغبة الشعوب وقادتها في بناء شراكة استراتيجية قائمة على الثقة والفائدة المتبادلة.
باحث ببرنامج السياسات العامة



