
تقييم فاعلية قرارات البنك المركزي المصري الأخيرة للسيطرة على التضخم
كان أحد التداعيات غير المباشرة للحرب الروسية الأوكرانية اتخاذ الفيدرالي الأمريكي ومن بعده البنوك المركزية حول العالم سياسة نقدية تشددية؛ بهدف السيطرة على معدلات التضخم التي ضغطت على مستويات معيشة الأفراد، والتي نتجت عن ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة لمستويات لم يشهدها العالم من قبل، بالإضافة إلى الاختلالات المستمرة بين العرض والطلب.
ومع استمرار ارتفاع الأسعار، قام الفيدرالي الأمريكي في اجتماعه الأسبوع الماضي برفع سعر الفائدة 75 نقطة أساس لتصل إلى مستوى لم تشهده الولايات المتحدة منذ عام 2008 بسبب حدة التضخم، وواكبت البنوك المركزية الخليجية سياسة الفيدرالي الأمريكي وقامت برفع أسعار الفائدة لديها، إلا أنه بعكس التوقعات قام البنك المركزي المصري بتثبيت سعر الفائدة ورفع نسبة الاحتياطي النقدي التي تحتفظ بها البنوك لدى البنك المركزي المصري.
السياسات التي يتم اتخاذها للسيطرة على التضخم
يمكن السيطرة على التضخم من خلال السياسة النقدية التشددية؛ وهي إحدى الطرق الشائعة لإدارة التضخم، وتهدف إلى تقليل المعروض من النقود داخل الاقتصاد للحفاظ على الاقتصاد في حالة ازدهار وتحقيق التناسب بين معدلات التضخم واستقرار معدلات الإنتاج، ويتم ذلك عن طريق خفض أسعار السندات ورفع أسعار الفائدة، وبالتالي ينخفض الاستهلاك، وتنخفض الأسعار، ويتباطأ التضخم.
وتستخدم البنوك المركزية ثلاث أدوات رئيسة، أولها بالطبع وأكثرها شهرة هي أسعار الفائدة، لكن توجد أداتان أخريان هما: عمليات السوق المفتوحة، والاحتياطيات الإلزامية التي يطلبها البنك المركزي من البنوك العاملة بالبلاد. لكن الآليات الثلاث تصب في هدف واحد وهو إدارة السيولة والنقد المتداول في الأسواق؛ بهدف خفض أو زيادة الطلب، فمعدلات الفائدة المرتفعة تجعل الاقتراض أكثر تكلفة والادخار أكثر جاذبية، مما يؤدي إلى انخفاض النمو الاقتصادي وانخفاض التضخم (في فترة النمو الاقتصادي السريع، قد يؤدي نمو الطلب في الاقتصاد بشكل أسرع من قدرته على تلبيته إلى ضغوط تضخمية حيث تقوم الشركات برفع الأسعار نتيجة ارتفاع الطلب مع نقص المعروض).
ويمكن متابعة تطور معدلات الفائدة والتضخم في الولايات المتحدة مع مراعاة تأثير الحرب الروسية الأوكرانية على الاقتصاد الأمريكي، بحسب مكتب الإحصاءات الأمريكي والاحتياطي الفيدرالي من خلال الشكل التالي:
وبالإضافة إلى ذلك، تلجأ البنوك المركزية إلى رفع نسبة احتياطي البنوك لديها؛ لتنظيم كمية ونوعية الائتمان وخفض أنشطة الإقراض للبنوك، ومن ثم تبدأ البنوك المركزية أيضًا في إصدار الأوراق المالية الحكومية للبنوك التجارية. وأخيرًا، تلجأ البنوك إلى سياسة تعديلات قيمة عملتها المحلية للوصول إلى الأهداف التضخمية المطلوبة.
أثر قرارات المركزي المصري الأخيرة على التضخم
في الشهور الماضية، قام البنك المركزي المصري باستخدام سياسات متنوعة للحد من التضخم؛ مثل الرفع المتتالي لأسعار الفائدة، وخفض قيمة الجنيه نتيجة الضغط المتزايد عليه بسبب تعدد العوامل الهيكلية والمتمثلة في اختلالات التجارة والمدفوعات، بجانب عوامل وقتية مثل جائحة كوفيد-19 ومن بعدها الحرب الروسية الأوكرانية وما سببته من ارتفاع في أسعار الطاقة والغذاء وبالتبيعة ارتفاع التضخم العالمي، وذلك للسيطرة على معدلات التضخم المستوردة تلك؛ إلا أن معدلات التضخم ظلت مرتفعة، ويمكن متابعة تطور أسعار الفائدة ومعدلات التضخم بحسب بيانات البنك المركزي المصري والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء من خلال الشكل التالي:
وفي إطار رغبة البنك المركزي في الوصول بمعدلات التضخم إلى 7% في المتوسط في الربع الرابع من عام 2022، وفي نفس الوقت سعيه إلى التخفيف من الضغوط على الموازنة العامة للدولة المتمثلة في خدمة الدين المحلي وحتى لا يؤثر قرار رفع سعر الفائدة عليه؛ قررت لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي في اجتماعها يوم الخميس الماضي تثبيت سعر الفائدة والإبقاء على معدلات الإيداع والإقراض عند 11.25% و12.25% على التوالي، والإبقاء على معدلات الائتمان والخصم وسعر التشغيل الرئيسي للبنك المركزي عند 11.75%. وذلك استكمالًا للموقف المشدد الذي يحافظ عليه البنك المركزي من خلال التحكم في السيولة.
ورافق قرار تثبيت أسعار الفائدة قرار مهم آخر وهو زيادة نسبة الاحتياطي المطلوب من 14% إلى 18% (نسبة الاحتياطي المطلوبة هي جزء من الودائع التي يطلبها البنك المركزي المصري من البنوك أن تحتفظ بها كاحتياطي وليس الاقتراض). ويهدف البنك المركزي المصري من رفع نسبة الاحتياطي المطلوبة من البنوك إلى الحفاظ على السيولة وتحقيق التوازن بين العرض والطلب، وسحب السيولة الضخمة من البنوك بعد أن ارتفعت من نحو 5.5 تريليون جنيه في نهاية ديسمبر 2021 إلى حوالي 6.5 تريليون جنيه بنهاية أغسطس 2022 أي بزيادة قدرها تريليون جنيه خلال 8 أشهر.
ويتسق القرار مع سياسة البنك المركزي في محاولاته لتحقيق استقرار الأسعار والسيطرة على معدلات التضخم؛ وذلك من خلال امتصاص السيولة الفائضة في السوق والتي لا يتم توظيفها في الاقتصاد. ولتوضيح كيفية عمل تلك الآلية، فوفقًا للقانون يتطلب من البنوك العاملة في مصر الاحتفاظ بنسبة من ودائعها في البنك المركزي دون الحصول على فوائد، تلك النسبة كانت تبلغ 14% من إجمالي الودائع بالبنوك التي تقدر بحوالي 3.5 ترليون جنيه (أموال الودائع هي النقدية والودائع ولا تشمل الشهادات)، طلب البنك المركزي أن تزيد البنوك تلك النسبة إلى 18% من اجمالي الودائع، وهو ما يعني أنه أصبح على البنوك أن تعيد تسعير تكلفة الحصول على أموالها وطرق توظيفها بهدف الحفاظ على قدرتها وربحيتها.
وعليه، فإن الأثر المترتب على ذلك القرار المتخذ يقارب رفع أسعار الفائدة بمقدار 1%، لكن الأثر لن تتحمله الموازنة العامة للدولة ولن تزيد تكلفة أعباء الدين (كل 1% ارتفاع في أسعار الفائدة يكلف الموازنة العامة للدولة عبء دين بحوالي 30 مليار جنيه).
لكن من المتوقع أن تتأثر قدرات البنوك العاملة في مصر على تحقيق ربحية، وستتحمل البنوك مسؤولية إدارة أصولها بشكل فعال حتى تتمكن من تحقيق ربحية. أما أثر تلك السياسة على السوق ومعدلات التضخم، فمن المتوقع أن تترك تلك السياسة تأثيرًا واضحًا على معدلات تضخم السوق، وأن تبدأ معدلات التضخم في التراجع بشكل تدريجي في الشهور القادمة لتصبح أكثر استقرارًا بحلول النصف الثاني من عام 2023.
باحثة ببرنامج العلاقات الدولية



