
الخطر الداهم للسيول في السودان والعون المصري
أعلنت السلطات السودانية منذ أكثر من أسبوع حالة التأهب القصوى بسبب موسم الأمطار الذي يبدأ منذ مايو وحتى شهر أكتوبر من كل عام؛ وقد نتج عن هذه الأمطار فيضانات أسفرت عن كوارث أصابت الشعب السوداني، فأُعلنت حالة الطوارئ في ست ولايات، وانهار أكثر من 34 ألف منزل، وتوفي 112 وأُصيب 115 شخصًا. وعلاوة على ذلك، أغرقت السيول 12230 فدانًا زراعيًا مرويًا و102 فدان مطريًا. وما زال الأسوأ لم يأتِ بعد؛ فعلاج الوضع ما بعد انحسار المياه سيكون من الصعوبة بمكان، خاصة في ظل الوضع السياسي والاقتصادي الراهن في السودان.
ومن هنا لم يكن لمصر أن تقف مكتوفة الأيدي دون أن تتحمل جزءًا من مسؤوليتها التاريخية تجاه الشقيقة السودان. فالعلاقات المصرية/السودانية أكبر وأقدم من أن توجز في اتفاقيات أو معاهدات؛ لذا ولفداحة الخسائر قامت مصر بواجبها بإرسال مساعدات فورية إغاثية، وكذلك تتضمن المساعدات أساليب أخرى غير فورية تسهم في منع تكرار هذه الأزمة مستقبلًا.
السيول تصل للخرطوم
غطت الأمطار الغزيرة مساحا شاسعة شملت أغلب الاراضي السودانية، ولم تنج حتى العاصمة الخرطوم من كارثة السيول الناتجة عن غزارة الأمطار وشدتها. وما يثير الدهشة ارتفاع مياه السيول لتغرق هضبة المناقل التي يبلغ ارتفاعها نحو 412 مترًا فوق سطح البحر، وهو موقع يمنع بقاء أي مياه عليه، لكن ليس لهذا السبب فقط بل اجتمعت أسباب عدة لتسفر عن هذه الكارثة، ومن أهمها:
- انخفاض قدرة سد الروصيرص على استقبال الكميات المتزايدة من الأمطار.
- التغيرات المناخية التي تتسبب في ظهور ظاهرتي النينو والنينا (الجفاف الشديد والسيول الجارفة)
- اختناق مجرى النيل الأزرق عند العاصمة، بسبب التوسع العمراني بولاية الخرطوم.
- ارتفاع منسوب النيل الأبيض ارتفاعًا تاريخيًا غير مسبوق هذا العام، على غير عادته في السنوات الماضية.
- عبور المياه القادمة من النيل الأزرق الممر الأوسط لسد النهضة بشكل فجائي.
- تعديات كبيرة على مصارف مياه الأمطار برمي مخلفات المباني والأنقاض.
كل ذلك تسبب في بيات الأسر في معظم مناطق وسط وشمال وشرق السودان في العراء في ظروف إنسانية وصحية غاية في الصعوبة والتردي. ومن أكثر الولايات تضررًا هي ولايات النيل الأزرق والجزيرة وجنوب دارفور وغرب كردفان وسنار وكسلا. وما يزيد الأمر سوءًا هو استمرار الأمطار الغزيرة، مما يؤثر على فرص العلاج والحصول على غذاء وعلى جودة المعيشة؛ الأمر الذي يطل بشبح تهديدات لأوبئة صحية ومخاطر بيئية حقيقية.
المساعدات المصرية الحالية
بدافع المشتركات الكثيرة بين الشعبين السوداني والمصري؛ قامت مصر بتسيير جسر بري يحتوي على مواد غذائية وأدوية ومساعدات إنسانية وطبية بإجمالي 90 شاحنة نقل مرت من معبر أرفين البري للأشقاء في جمهورية السودان، ضمن جسر بري متواصل مع جمهورية السودان الشقيقة؛ تخفيفًا للأعباء عن كاهل الشعب السوداني. وسبق وأن أرسلت مصر كذلك جسرًا جويًا في شهر أغسطس الماضي مكونًا من 5 طائرات نقل عسكرية محملة بمواد الإغاثة اشتملت على كميات كبيرة من الخيام والبطاطين والمواد الغذائية والأدوية والمستلزمات الطبية، بلغت 174 طنًا.
ولكون هذه المساعدات لم تكن المرة الأولى، فإنها لن تكون الأخيرة؛ خصوصًا في ظل بقاء الأوضاع والمشكلات كما هي عليه. حيث قامت القيادة السياسية في مصر بدعم السودان في مناسبات عدة منها الجسر الجوي المكون من 9 طائرات الذي وفرته مصر في نفس الفترة العام الماضي لمواجهة أخطار السيول. بالإضافة إلى المساعدات التي أرسلت كذلك العام قبل الماضي 2020 عندما أقلعت طائرتا نقل عسكريتان متجهتان إلى مطار الخرطوم محملة بشحنات من المساعدات الإنسانية، وإرسال وفد طبي لتقديم كافة سبل الدعم الطبي للأشقاء لمواجهة المحن والأزمات التي يمر بها السودان. ويتمثل الهدف الأساسي للدولة المصرية من وراء هذه المساعدات هو استقرار السودان الشقيق.
المساعدة بمعالجة السبب
يعد علاج أسباب الكوارث أحد أهم طرق مجابهة الكارثة قبل أن تحدث وهو أمر ليس بالصعوبة بمكان خاصة إذا كانت كوارث متكررة سنويًا ومعلوم موعدها. لذا من اليسير أن توضع خطة مشتركة بتعاون مصري لتطوير وتطهير الترع والقنوات مما يعيقها وخاصة أن وزارة الري المصرية لها باع كبير في ذلك داخل وخارج مصر.
وكذلك يمكن عقد اتفاقيات بين الدولتين لإنشاء مصارف تفضي إلى خزانات ومصائد للأمطار يتم تجميع فيها هذه السيول والأمطار وضخها في نهر النيل مما سيؤثر إيجابيًا على كمية المياه في مجرى نهر النيل؛ وهو أمر مهم جدًا خصوصًا في ظل التهديدات التي تواجهها كل من مصر والسودان نتيجة لسد النهضة الإثيوبي. ذلك علاوة على أن هذه المصائد مفيدة للتربة حتى يمكنها التخلص من الفوائض المائية ويمكن استغلالها زراعيًا في وقت قصير.
وهناك فرص أيضًا للمساعدة في تمهيد الطرق للربط ما بين القرى الصغيرة المتناثرة وما بين المراكز التي توجد بها المستشفيات التي يمكنها أن تسعف المتضررين من الأمطار والسيول. وكذلك يمكن العمل على إنشاء وحدات طبية صغيرة للتعامل مع الحالات البسيطة حتى لا تتحول إلى حالات حرجة نتيجة لانتظار الوصول للمستشفيات في المدن. وفي نفس السياق مساعدة السودان على التخطيط وتحديث شبكات الصرف الصحي في المدن الرئيسة مثل الخرطوم، مما يقلل من حجم الخسائر المادية والبشرية. حيث يفتقد نحو 92 في المئة من سكان العاصمة السودانية الخرطوم، المقدر عددهم بنحو 12 مليون نسمة، إلى شبكات الصرف الصحي.
ومن أهم الجهود التي يمكنها أن تساعد ليس السودان فحسب بل الدول الأفريقية كلها هو التأكيد على مطالبة الدول المتقدمة بدفع تعويض بدلًا عن التغيرات المناخية الناتجة عن التلوث البيئي والنشاط الصناعي؛ كون أن الدول المتقدمة هي المسؤولة عنه. فوفقًا للإحصائيات، لا تتخطى مسؤولية الدول الافريقية أكثر من 15% من اجمالي انبعاثات الكربون عالميًا، ورغم ذلك تدفع القدر الأكبر من الفواتير إما في صورة أمطار وسيول وفيضانات أو جفاف وقحط. الأمر الذي يترتب عليه بخلاف المشاكل البيئية مشكلة أكبر وهي النزوح وانتشار الجريمة غير المنظمة والإرهاب.. إلخ. وهو ما يضر بالأمن والسلامة الإقليمية والدولية معًا.



