أفغانستان

تحليل يرجح عدم تسرع روسيا والصين ” لملء الفراغ ” في أفغانستان

عرض- فردوس عبد الباقي

في تحليل حول آفاق التحركات الصينية والروسية في أفغانستان، نشر موقع “Oxford Analytica” مقالًا يرجح وجود تحديات تستدعي قلق كل من بكين وموسكو أكثر من الابتهاج بالوضع الجديد في أفغانستان، فقد أشار إلى أن ما يثار في التحليلات الغربية بأن روسيا والصين حريصتان على استغلال غياب الولايات المتحدة عن أفغانستان يعد مبالغة في رغبتهما في إقحام نفسيهما كجهات أمنية فاعلة، إذ أن الاستيلاء السريع على السلطة في أفغانستان أفضل من الدخول في حرب أهلية مطولة أو وجود فراغ في السلطة. وبناءً عليه، فإن أهداف الدولتين تدور حول كيفية الدفاع أكثر من الاستحواذ، وذلك عبر تجنب عدم الاستقرار الإقليمي بشكل أوسع، ومنع التوسع الجهادي لمناطق نفوذهم، ومنع تدفق موجات اللاجئين. 

واعتبر المقال أنه من المشكوك فيه أن يؤدي الاعتراف الدبلوماسي إلى سرعة في المشاركة الاقتصادية أو العسكرية من قبل روسيا والصين، لأن أولوياتهما ستكون كيفية الاحتواء بالأساس أو تقديم بعض المساعدات لأفغانستان، والضغط على طالبان للتعامل مع الجماعات الجهادية ذات الاهتمام الخاص وتعزيز العلاقات في آسيا الوسطى.

تأثيرات متتابعة

رجح المقال أن تكتسب روسيا والصين بعض النفوذ لتقرير ما إذا كانت أفغانستان ستحتفظ بوضع المراقب في منظمة شنغهاي للتعاون. بالإضافة إلى روسيا أكدت على عدم رغبتها في تدفق اللاجئين لآسيا الوسطى، وبالتالي سيكون الوضع أصعب بالنسبة للقبول على أراضيها.

على مدار العقدين الماضيين، انتقدت الدولتين الوجود العسكري الأمريكي مع التشكيك في احتمالية الانسحاب، لذا كانت هناك استبشار بالخروج الغربي من أفغانستان. تعمل روسيا على استخدام رواية الهزيمة في أفغانستان للتشكيك في جهود بناء الديمقراطية الغربية في الخارج وقدرات الناتو، كما تصور وسائل الإعلام الروسية والصينية أوكرانيا وتايوان كدولتين ضعيفتين يمكن مقارنتهما بأفغانستان وتتساءل عما إذا كان بإمكانهما توقع دعم الولايات المتحدة في حالة الطوارئ العسكرية.

ستستخدم روسيا والصين الوضع في أفغانستان وما حولها لتعزيز مصالح أوسع في أوراسيا من خلال صيغ دبلوماسية مختلفة لتقديم أنفسهما كقادة إقليميين. على سبيل المثال؛ طرحت بكين وموسكو صيغًا مختلفة للمفاوضات مع شركاء إقليميين متداخلين ومختلفين، لكن لم يتطور أي منها إلى شكل دائم. 

تمثل أفغانستان روقة لروسيا في سبيل اعتمادها كقوة عظمى، عبر التمهيد باستضافة وفود طالبان في موسكو عدة مرات. كما أن العلاقات بين بكين وإسلام آباد تعد وسيلة خاصة للتعامل مع طالبان وممارسة نفوذها.

ما هو التوقيت المناسب؟ 

اعتبر المقال أنه لا يمكن لبكين ولا موسكو الترحيب من صميم القلب بجماعة أصولية إسلامية تدير دولة متاخمة لأراضي الصين وآسيا الوسطى، وذلك بعكس ما حدث في عام 1996 حين استولت طالبان على كابول لأول مرة، كانت هناك استعدادات على الأقل. لكنهم في نفس الوقت لن يشعروا بالفزع مثل الدول الأخرى من الحكومة الأفغانية الجديدة، إذ من المرجح أن يتخذوا مقاربة براجماتية ويعترفون بحكومة طالبان، وهذا يعكس أنهما قادران على التكيف في حالة ظهور ترتيب جديد. 

بعد يوم من سيطرة طالبان على كابول، قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية “هوا تشون ينغ” إن حكومتها مستعدة لتطوير “علاقات حسن الجوار والودية والتعاون مع أفغانستان”، لكنها لم تصل إلى حد الاعتراف. من جانب آخر، زعم المبعوث الروسي الخاص أنه وجد طالبان أكثر قابلية للمفاوضات من الحكومة الصورية التي ترأسها “محمد أشرف غني”، لكن قالت وزارة الخارجية الروسية إن قرار إزالة طالبان من قائمة المنظمات الإرهابية يعتمد على تصرفات الجماعة في الحكومة.

هذا يعني أن مشاركة كلا البلدين ستكون حذرة في أفغانستان بجانب الاعتراف، قد لا يتبع ذلك انخراط أعمق. 

إلى جانب التواصل مع الحكومة الأفغانية الجديدة، سيفحص المسؤولون في موسكو وبكين التزام طالبان بوعودهم بعدم توفير ملاذ للجهاديين العالميين. يعد هذا أحد الالتزامات الواردة في اتفاقية فبراير 2020 بين الولايات المتحدة وطالبان التي أطلقت محادثات السلام وعملية الانسحاب الأمريكي، وقد تراجعت طالبان عن معظم باقي الالتزامات. 

الشواغل والاستجابات

حذرت روسيا مرارًا وتكرارًا من وجود تنظيم الدولة الإسلامية والجهاديين من آسيا الوسطى بالقرب من حدود طاجيكستان وأوزبكستان، ومن ناحية بكين، فهي تنشغل بوجود مسلحي الإيغور في أفغانستان، لذا حث وزير الخارجية “وانغ يي”، خلال لقائه بممثلي طالبان في يوليو، على قمع حركة تركستان الشرقية الإسلامية، وأعطت طالبان تأكيدات عامة بأنه لن يتم استخدام أفغانستان ضد أمن أي دولة على الرغم من عدم وجود شيء محدد عن الأيغور.

تحتفظ الصين بقوات أمنية شبه عسكرية في شرق طاجيكستان لمراقبة ممر واخان المؤدي إلى الحدود بين أفغانستان وإقليم شينجيانج، وهذا يعني اتباع نهج دفاعي بدلاً من إسقاط القوة، لكن لا تعلن بكين عن وجودها الأمني ​​في طاجيكستان، ربما لطمأنة موسكو بشأن نواياها والاعتراف بأن أمن آسيا الوسطى لا يزال مجالاً لروسيا.

حافظت روسيا على أكبر وجود عسكري أجنبي لها في طاجيكستان منذ عام 1991، وتقوم بتسليح القوات هناك، قد تسمح الأزمة الأفغانية بالضغط على طاجيكستان للسماح بنشر القوات على الحدود الأفغانية. وستسعى موسكو جاهدة لبناء تعاون دفاعي أكبر مع دول جنوب آسيا الوسطى، سواء من خلال منظمة معاهدة الأمن الجماعي أو خارجها.

أجرت روسيا مؤخرًا مناورات مع أوزبكستان التي لم تكن عضوًا في منظمة معاهدة الأمن الجماعي. توفر القاعدة الجوية الروسية في قيرغيزستان قدرة هجومية إضافية مفيدة، من جانب آخر، تصمم تركمانستان على السير في طريقها الخاص والسعي إلى تسوية منفصلة مع طالبان.

الاستثمار الصيني

ذُكر الوعد الصيني بالاستثمار في إعادة إعمال أفغانستان بشكل متكرر خاصةً في ظل امتلاك أفغانستان لثروات معدنية غير مستغلة. يجب موازنة احتمالية تحقيق مثل هذا الاستثمار مقابل نفور الصين من المخاطر الأمنية العالية، وفرصها للاستثمار بتكلفة أقل في أماكن أخرى، والمكاسب السياسية المحدودة للعلاقة مع طالبان.

أدت سنوات الصراع لإبقاء أفغانستان خارج إطار مبادرة الحزام والطريق الصينية والممر الاقتصادي الصيني الباكستاني، قد يوحي خطاب بكين الإيجابي بشأن طالبان بأنها ستندفع لإدراج أفغانستان في المبادرة، لكن هناك العديد من الأسباب لضبط النفس، على سبيل المثال، لا يمكن الوصول إلى لطريق المباشر الواصل بين الحدود الصينية الأفغانية والذي يبلغ طوله 90 كيلومترًا بسبب وجود منطقة جبلية ليست مؤهلة وتتردد بكين لتحديثه لأسباب أمنية. 

أبدت طالبان ترحيبها بالاستثمار الصيني في إعادة إعمار أفغانستان وتضمن سلامة المستثمرين والعمال، لكن ستظل مخاطر العنف المسلح رادعًا للمستثمرين الصينيين، فقد تعرض مشروع تعدين النحاس في جنوب كابول لهجمات متعددة. وكذلك الأمر بالنسبة لاستخراج النفط في شمال أفغانستان، مما أدى لتوقف كلا المشروعين رغم أن استخراج النفط أصبح قابلاً للتطبيق من خلال الروابط مع تركمانستان، حيث تمتلك الصين مصالح هيدروكربونية كبيرة. 

+ posts

باحثة ببرنامج العلاقات الدولية

فردوس عبد الباقي

باحثة ببرنامج العلاقات الدولية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى