الأمريكتان

ماذا يجري في كولومبيا؟

كولومبيا الدولة الواقعة في الجزء الشمالي الغربي من القارة اللاتينية والتي تتميز بموقعها الجغرافي كونها الدولة الوحيدة من بين الدول اللاتينية التي تطل على البحر “الكاريبي” والمحيط الهادئ بالإضافة لموروث ثقافي واجتماعي متخم، شهدت خلال الأشهر الماضية تحديداً منذ أبريل الماضي حالة من الفوضى المستمرة على خلفية تردي الأوضاع الاقتصادية.

المظاهرات التي بدأت نهاية أبريل الماضي، ولاتزال مستمرة، أسفرت عن وفاة ما لا يقل عن 50 مواطنا وفقا للتقارير المحلية ومصابين خلال اشتباكات عنيفة بين الشرطة والمتظاهرين التي باتت مشهدا معتادا في المظاهرات شبه اليومية المنتشرة في عدد من المدن الرئيسية بالدولة ذات الحكومة الدستورية الأولى في تاريخ القارة اللاتينية.

بدأت المظاهرات، نهاية أبريل الماضي، بهدف رفض الإصلاحات الضريبية التي أقرتها الحكومة والتي ترى فيها الدواء لمعالجة الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد والتي استفحلت مع جائحة كورونا حيث أنخفض الناتج القومي الإجمالي للبلاد بنسبة 6,8% وهي أعلى نسبة انخفاض في معدل الدخل القومي لكولومبيا منذ نصف قرن الأمر الذي انعكس على معدلات البطالة والفقر في البلاد التي تعاني من إضرابات اجتماعية وضائقه اقتصادية حتى من قبل الجائحة.

فحتى قبل المظاهرات الدامية الأخيرة والتي تهدف لإلغاء قانون الضرائب الجديدة، شهدت البلاد حالة من الاضطراب بداية من 2019، ففي نوفمبر 2019 خرج ما يقرب من ربع مليون مواطن لشوارع العاصمة بوجوتا لإسقاط الحكومة اليمينية بقيادة الرئيس إيفان دوكي.

تلي تلك المظاهرة بأسبوع مظاهرة أخرى شهدت أحداث عنف بين الشرطة والمتظاهرين على خلفية وفاة شاب صغير السن يدعى ديلان كروز بعد أن أصيب بمقذوف ضمن ما أطلقته الشرطة لتفرقة المتظاهرين.

وبالعودة للمظاهرات الحالية والتي تشهد اشتباكات عنيفة لا تختلف عن سابقتها، فقد وجهت أكبر التجمعات التجارية في البلاد وهو اتحاد التجاريين الدعوة لمظاهرات في جميع أقاليم البلاد بهدف إثناء الحكومة عن قرار الإصلاح الضريبي الذي ينظر له أنه سيضر بالطبقة المتوسطة في البلاد ويحولها للطبقة الفقيرة كما سيضغط أكثر على الشركات والأعمال التجارية البسيطة كمحال البيع بالتجزئة ومحال المواد الغذائية التي ستضطر لدفع ضرائب قياسية في الوقت الذي تعتبر فيه القوة الشرائية للعملة المحلية في أدنى معدل لها.

المظاهرات والتي تحولت سريعاً لاشتباكات بين الشرطة والمتظاهرين في العاصمة وفي عدد من المدن الأخرى أدت لإعلان الرئيس إيفان دوكي بسحب عريضة قانون الضرائب الجديدة لكن وعلى الرغم من ذلك لم تتوقف المظاهرات وأعمال العنف.

وفقاً للتقارير فقد كان حضور رجال الأمن كثيفا في شوارع العاصمة والمدن القريبة منها وقد عللت الحكومة موقفها من الاستخدام المكثف لرجال الأمن بقرار المحكمة الدستورية بوجوب فض التظاهرات وتأجيلها لوقت لاحق بسبب الزيادة المطردة في حالات الإصابة بفيروس كورونا في البلاد.

ويعلل المراقبون استمرار المظاهرات والاشتباكات على الرغم من تراجع الحكومة في قرارها الأخير إلى مسلسل العنف المستمر من رجال الشرطة ، حيث ووفقاً لتقارير المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان ، فقد استخدمت الشرطة الكولومبية قنابل الغاز لتفرقة المتظاهرين كما استخدمت الأعيرة النارية الحية في بعض الأحيان ، مما أدى لسقوط عدد من الضحايا.

ومع استمرار الاضطراب والعنف في البلاد ورفض المتظاهرين إعادة فتح الطرق الرئيسية لما يقرب من شهر كامل منذ بداية مايو وصل عدد الضحايا ل 61 وأصيب أكثر من 2300 شرطي وفقاً للبيانات الرسمية.

نقطة التحول والتي أدت لاستمرار المظاهرات حتى بعد تراجع الحكومة هي العنف المفرط من قبل رجال الأمن الأمر الذي حول عقلية المتظاهرين من التظاهر ضد الظروف الاقتصادية والفساد إلى التظاهر ضد عنف وفساد الشرطة ضد المواطنين وهو الموضوع المفضل للمتمردين وجماعات الجريمة المنظمة الذين اشتركوا في أعمال العنف الأخيرة ضد الشرطة وفقاً للسلطات المحلية والذين كانوا كالعامل المحفز لزيادة العنف خلال المظاهرات.

كان رئيس لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة ميشيل باشليت دعى الحكومة الكولومبية إلى بدأ تحقيق مستقل في مقتل المتظاهرين تحديداً في مدينة ” سنتياغو دي كالي” المعروفة باسم “كالي” ثالث أكبر مدن البلاد الواقعة في جنوبها الغربي ويسكنها قرابة إثنين ونصف مليون نسمة والتي كانت مؤخراً مسرحاً لأحدث عنف دموية بين الشرطة والمتظاهرين.

ويقول ميشيل باشليت أن لجنته تلقت تقريرا يفيد بمقتل أكثر من 12 شخصا خلال الاشتباكات في كالي يوم 28 مايو الماضي، والآن مع بداية يونيو تحولت أنظار المتظاهرين لمطلب أساسي وهو حل جهاز شرطة مكافحة الشغب التي يرونها مسؤولة عن أحداث العنف وسقوط الضحايا نتيجة لتعاملها القاسي مع المتظاهرين.

ردا على ذلك خرج وزير الدفاع الكولومبي ديغو مولانو أبونتي قائلاً أن المظاهرات شهدت تسللاً من قبل أفراد الجماعات المتمردة والإجرامية والجماعات اليسارية بهدف الاستفادة من الاضطراب وشن حملات نهب وسرقات جماعية وتخريب للمنشأت العامة.

لكن المتظاهرين بدورهم ردوا على ذلك بانه حان الوقت لمحاسبة رجال الأمن الفاسدين والمفرطين في استخدام العنف ضد المدنيين، والذين شاركوا لعقود في صد ومحاربة الجماعات المتمردة وهو ما أنعكس على طريقة تعملهم مع المظاهرات الحالية.

أما الرئيس إيفان دوكي فقد طالب المتظاهرين والمتمردين بإعادة فتح الطرق الرئيسية التي أغلقت من قبلهم ، قبل الاستجابة لأي من مطالبهم الجديدة ، فقد تسبب إغلاق الطرق من قبل المتظاهرين في تضاعف الخسائر الاقتصادية للبلاد، حيث لا يستطيع المزارعون إيصال بضائعهم للأسواق كما تعجز المحال التجارية عن الحصول على البضائع لبيعها بالإضافة للانقطاع شبه الكامل لوسائل المواصلات في العاصمة والمدن الرئيسية مما يتسبب في تفاقم الخسائر الاقتصادية للبلاد.

وفي 28 مايو الماضي أمر الرئيس دوكي 7 ألاف من قوات الجيش النزول للشوارع وإعادة فتح الطرق، مشيراً إلى أن حل جهاز الشرطة ومحاسبة القائمين عليه هو أمر مستبعد حاليا ً مما أوقف المحادثات الجارية بين قادة المظاهرات وممثلي الحكومة.

فوفقاً لوكالة أنباء ” رويترز” قال الرئيس إيفان دوكي في حفل لتقلد مجموعة من ضباط العاصمة بوجوتا لمناصب أعلى ” أنه كلف المسؤولين لصياغة مرسوم يحدث الهيكلية التنظيمية لجهاز الشرطة الوطنية من أجل ترسيخ سياسات حقوق الإنسان” في خطوة ينظر لها أنها تهدف لاحتواء غضب الشارع وقد تؤدي لعودة المحادثات بين الحكومة وقادة المظاهرات.

+ posts

باحث ببرنامج السياسات العامة

محمد هيكل

باحث ببرنامج السياسات العامة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى