
ستة اتهامات “باطلة” في خطاب إثيوبيا أمام مجلس الأمن
تقدمت وزارة الخارجية الإثيوبية أمس برسالة ثانية إلى مجلس الأمن بشأن المفاوضات الثلاثية بين إثيوبيا ومصر والسودان حول سدّ النهضة الإثيوبي، ردًا على الخطاب الذي أرسلته مصر في 19 يونيو الجاري. تضمنت الرسالة خطابا يحتوي مجموعة من الاتهامات للجانب المصري، بالإضافة إلى مذكرة تفصيلية حول رؤية إثيوبيا للأزمة دعمتها بمجموعة من الملحقات التي استندت إليها في بناء تلك الرؤية (اتفاق إعلان المبادئ 2015، اتفاقية الإطار التعاوني لحوض نهر النيل، اتفاقية 1902، احتجاجات إثيوبيا على السد العالي في الأعوام 1956 و1957 و1980 و1997).
وتمثلت أبرز الاتهامات التي تضمنها الخطاب المرسل لمجلس الأمن من وزير الشؤون الخارجية الإثيوبي “جيدو أندارجاشيو”:
1- مصر ليس لديها نيّة للمساهمة في إنجاح المفاوضات الثلاثية:
إدعى الخطاب أن مصر لم يكن لديها النية منذ بداية المفاوضات الثلاثية للمساهمة في انجاحها، فبدلا من الانتظار حتى نهاية المفاوضات، لجأت مصر إلى مجلس الأمن بهدف تدويل مفاوضات سد النهضة، بالرغم من تحقيق تقدم ملحوظ على مدى الأسابيع الماضية بحضور المراقبين الدوليين، وتتوقع إثيوبيا أن تتواصل المفاوضات لحل القضايا العالقة ودياً.
وليس أدل على كذب هذا الإدعاء وصدق النوايا المصرية، من مفاوضات واشنطن والمصير المؤسف الذي وصلت إليه، بعد أن انخرطت الدول الثلاث في مفاوضات مطولة، أسفرت عن اتفاق وقعت عليه مصر بالأحرف الأولى، بينما انسحب الجانب الإثيوبي، وحاول اللجوء إلى اتفاق ثنائي مع السودان، لكنه قوبل بالرفض، ثم أجرى مناورة أخرى من خلال عرض الوصول إلى اتفاق جزئي وهو ما تم رفضه ايضًا من مصر والسودان، لُيدخلنا مؤخرًا في حلقة جديدة من المفاوضات والتي لن تنتهي اذا لم يكن هناك إلزاما للجانب الإثيوبي بالوصول لإتفاق قبل الملء.
2- الإصرار المصري على الحقوق التاريخية يؤخر المفاوضات:
يجادل الجانب الإثيوبي في أكثر من موضع من الرسالة، بأن تمسك مصر بحقوقها التاريخية والاستخدامات الحالية لمياه النيل، والتمسك بإتفاقية 1959 غير العادلة التي ضمنت لمصر نصيب الأسد من مياه النيل، جعلت من الصعب تحريك عملية التفاوض بسرعة، حيث استخدمت مصر هذه الاتفاقية في مفاوضات سدّ النهضة لإجبار إثيوبيا على تأييد هذه الاتفاقية غير العادلة وغير المتكافئة، لعرقلة تطوير دول المنبع في المستقبل.
فإذا كان الأمر كما تدعي إثيوبيا، فكيف لها أن تتوقع أن تصل المفاوضات وحدها لنتيجة مرضية لكل الأطراف، في ظل تمسك كل طرف بمطالبه، دون اللجوء لمجلس الأمن، مع الأخذ في الإعتبار ان مصر لم تتقدم من الأساس بوثيقة اتفاقية 1959 في مرفقات رسالة 19يونيو2020، وهو ما اعتبرته اثيوبيا خدعة جديدة من مصر.
3- مصر هي من تتخذ تدابير من جانب واحد:
ترى إثيوبيا ان مصر هي التي تتخذ تدابير أحادية الجانب وليست إثيوبيا، حيث شيدت السد العالي بأسوان دون إستشارة إثيوبيا، وتجاهلت احتجاجات إثيوبيا في الأعوام 1956 و1957 و1980 و1997، كما اعترضت إثيوبيا على الضرر الكبير للبنية التحتية للمياه على دول حوض النيل الأخرى. وقررت مصر توجيه النيل خارج مساره الطبيعي من خلال قنوات السلام وتوشكا. علاوة على ذلك، رفضت مصر في نهاية المطاف إطار التعاون على نطاق المنطقة على نهر النيل الذي كان نتيجة حوار ومفاوضات استمرت عقداً من الزمن بين دول حوض النيل. أما إثيوبيا فلا تتخذ أي تدابير من جانب واحد. نحن ننفق الكثير من الوقت للانخراط في عملية المفاوضات الثلاثية للوصول إلى نتيجة مفيدة للطرفين، واذا توقفت المفاوضات فإثيوبيا لن تكون مسؤولة عن ذلك.
دائمًا ما كانت تتذرع إثيوبيا في ردودها حول سد النهضة بمسألة بناء السد العالي دون إخطار مسبق لإثيوبيا، وهي مغالطة كبيرة تعمدت إثيوبيا نشرها، فالموقف المصري كدولة مصب مختلف تماما عن الموقف الإثيوبي كدولة منبع، ليسا سيان حيث انه من غير الوارد ان تتسبب أي انشاءات على نهر في دولة مصب بإلحاق أضرار جسيمة على دولة في المنبع، بينما العكس هو الصحيح، وبالتالي فإن الإستناد إلى حالة السد العالي ليست سوى رد فعل انتقامي من إثيوبيا، على جانب آخر تدعي إثيوبيا انها لا تتخذ قرارات أحادية، ألم يكن قرار ملء السد في بداية يوليو وقبل الوصول لاتفاق هو قرارا منفردا؟
4- إثيوبيا تتفاوض بحسن نيه، بينما انخرطت مصر في مسار مزدوج:
وأشار الخطاب إلى انه في الوقت الذي كانت إثيوبيا تتفاوض فيه بحسن نيه بشأن القواعد التوجيهيه لعملية الملء الأول وتعبئة وتشغيل السد، أبرزت مرونتها في ذلك لتضييق الخلافات حرصًا منها على الوصول لإتفاق، واستيعابها لمطالب مصر على حساب منفعتها الخاصة المتحققة من التشغيل الأمثل لسد النهضة، على جانب آخر انخرطت مصر في مسار مزدوج، من ناحية تشارك في المفاوضات الثلاثية لإثبات قضيتها، وفي نفس الوقت تحاول افساد العملية لعرض قضيتها على مجلس الأمن لممارسة ضغوط سياسية ودبلوماسية على إثيوبيا، وهو الفعل الذي يقوض الثقة بين البلدين، وسيكون له آثار خطيرة على عملية التفاوض الثلاثية.
ولكن تاريخ المفاوضات مع الجانب الإثيوبي يؤكد ان إثيوبيا كانت تتعمد دائمًا اللجود لمبدأ “المماطلة” لحين تحقيق هدفها، فإذا كانت مصر قد التزمت خلال السنوات الماضية بالنهج التفاوضي، والذي لا تزال مستمره به حتى الآن، بينما لم تتوقف اثيوبيا عن البناء في سد النهضة، ودون استكمال دراسات السلامة له، مع إصرارها على البدأ في الملء حتى قبل التوصل إلى اتفاق، فكان المسار التصعيدي الثاني أساسي وضروري في ظل هذا التعنت الإثيوبي.
5- الاعتراض على لجوء مصر لمجلس الأمن كآلية لتسوية المنازعات:
تعاتب إثيوبيا في خطابها مصر على قرارها أحادي الجانب بإحالة المسألة إلى مجلس الأمن، بما يتعارض مع نص اتفاق إعلان المبادئ، حيث يحدد الاتفاق كيف يجب على الدول الثلاث تسوية النزاعات من خلال التفاوض وفقاً لمبدأ حسن النية، أو اللجوء إلى التوفيق أو الوساطة، أو بالرجوع لرؤساء دولهم وحكوماتهم، ثم بعد ذلك يمكن اللجوء إلى الآليات الإقليمية والقارية، وبطلب مصر تدخل مجلس الأمن فإنها تتجاوز كل هذه الآليات، كما ان القضية كما ترى إثيوبيا لا تهدد السلم والأمن الدوليين، فإثيوبيا تبني سدًا لتلبية احتياجاتها ومن حقها السيادي القيام بذلك، اذا لا يوجد اختصاص لمجلس الأمن للتدخل.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن أحد بنود الخلاف الأساسية في المفاوضات الثلاثية الجارية كان حول تسوية المنازعات، وتتمسك إثيوبيا بالتسويات المذكورة في إعلان المبادئ لأنها تعلم جيدًا انها لن تسفر عن نتيجة، وتدخلنا في حلقة مفرغة من المفاوضات، دون الإلزام بالوصول لنتيجة، بينما تلعب هي على عامل الوقت في ذلك كما فعلت خلال السنوات الست التي تلت إعلان المبادئ حتى انتهت من السد، فكل ما تأمل فيه إثيوبيا هو أن تصل إلى اتفاق غير ملزم، يساعدها على ملء وتشغيل سد النهضة وفقًا لرؤيتها ودون شروط مسبقة، بينما تقوم دولتي المصب بالتخلي عن حقوقهما في مياه النيل حتى يثبتوا حسن نواياهم.
6- سد النهضة لا يمثل تهديدًا للسلم والأمن، سوى من الجانب مصري:
يختتم الخطاب بتأكيد أن سدّ النهضة لا يسبب ضرراً كبيراً لمصر والسودان. إنه سد كهرومائي وسيتدفق الماء المخزن في خزانه لدول المصب بعد تشغيل التوربينات. ولا يشكل تهديداً للسلم والأمن بأي حال من الأحوال، ومصر تعرف هذه الحقيقة جيداً، لكنها تحاول تسييس القضية للحفاظ على الهيمنة على مياه النيل، وإذا كان هناك أي تهديد للسلم والأمن، فيما يتعلق بسدّ النهضة، سيكون الطرف المسؤول عنه هو مصر، التي انخرطت في تهديدات عدائية لاستخدام القوة. ثم طالب المجلس برفض مطالب مصر التي لا مبرر لها، وعدم تقديم أي دعم لموقفها.
وحول الأضرار التي يمكن ان يسببها السد، فبالرغم من عدم استكمال إثيوبيا لدرسات الآثار المرتبطة بالسد، فقد أجريت العديد من الدراسات الخاصة التي أكدت الآثار الكارثية للسد على كل من مصر والسودان اذا لم يتم الملء والتشغيل وفقًا لما يطالب به دولتي المجرى والصب، كما ان عدم استكمال دراسات سلامة السد تؤكد ما توصلت اليه العديد من الدراسات حول أمان السد واحتمالية انهياره والتي ستكون آثارها مدمره خاصة لدولة السودان. والأعجب من ذلك هو الحديث حول التهديدات العدائية في ظل تحدث رئيس الأركان الإثيوبي قبل أيام عن الحرب بينما المفاوضات مستمرة، ثم يدعو مصر إلى التنازل عن حقوقها وقبول المنطق الإثيوبي.
واختتمت إثيوبيا رسالتها بمطالبة مجلس الأمن الدولي أن يحث مصر على مواصلة المفاوضات بحسن نية والالتزام بالتوصل إلى نتيجة قابلة للتطبيق.
باحثة ببرنامج العلاقات الدولية



