السودان

كيف تأثر الأمن الغذائي بالصراع الدائر في السودان؟

كان للصراع الحالي في السودان الذي اندلع في الخامس عشر من أبريل الجاري والذي يتضمن قتالًا واسعًا في الخرطوم ومدن وولايات أخرى تبعاته الوخيمة على أداء الاقتصاد الكلي وبالتبعية على مستوى معيشة المواطنين السودانيين، في وضع أضحت فيه الدولة على شفا الإفلاس؛ نظرًا إلى الأزمة الاقتصادية العميقة التي يتعرض لها، والتي تعد إرثًا لعقود من الحرب والعزلة والعقوبات. 

وتتجه الأزمة الاقتصادية الراهنة إلى أن تكون أكثر عمقًا؛ لما تثيره حاليًا من خطر إنساني جديد، في ظل ما يواجه سكان السودان من عنف متجدد ومستويات متصاعدة من الجوع. فلا يزال الوضع في السودان يُنظر إليه بعين الريبة والحذر، بما يثير تساؤلات حول تداعيات الصراع الأخير على الاقتصاد السوداني، واحتمالات تدهور الأوضاع الاقتصادية في حال تجدد الحرب.

أهمية السودان للأمن الغذائي

يمثل السودان أهمية كبرى ويعد طوق نجاة في سعي الدول العربية إلى تحقيق الامن الغذائي، لما يتميز به من ثروات طبيعية، حيث يمتلك السودان نحو 200 مليون فدان من الأراضي الصالحة للزراعة، ويتوفر به المناخ المناسب المياه الصالحة للشرب ومصادر الطاقة التقليدية والمتجددة النظيفة، والأيدي العاملة المدربة نظرًا إلى أن نحو ٨٠٪ من سكان السودان يعملون بالزراعة التي تمثل ثلث الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.

ذلك بالإضافة إلى المحاصيل المهمة التي ينتجها السودان، منها: القمح، والقطن، والفول، والذرة، والسمسم. وبالرغم من الإمكانيات الضخمة للقطاع الزراعي في السودان يبقى المستغل الفعلى من الأراضي الزراعية ضئيلًا، حيث تمثل المساحة المنزرعة نحو ثلث تلك المساحة الصالحة للزراعة.

ويعد السودان كذلك من أغنى البلاد العربية والأفريقية بالثروة الحيوانية؛ فيحتل المرتبة الأولى على المستوى العربي والإفريقي والسادسة على مستوى العالم، وذلك بثروة قوامها 103 ملايين رأس، تتوزع بين: 30 مليون رأس أبقار، و37 مليون رأس أغنام، و33 مليون رأس ماعز، و3 ملايين رأس من الأبل، إضافة إلى 45 مليون من الدواجن، وثروة سمكية تقدر بحوالي 100 ألف طن.

وتمثل هذه الثروة نحو 25 % من الاقتصاد الوطني، وأكثر من 25% من عائدات الصادرات. ولكن رغم زخم الثروة الحيوانية إلا أن هناك العديد من المشكلات التي تواجهها، وتشمل: الإنتاج، بالإضافة إلى الخدمات البيطرية والأمراض، والتمويل، والاستثمار، إلى جانب المشكلات التي تواجه الصادرات، الأمر الذي يتطلب تضافر الجهود للدفع بالقطاع.

تداعيات القتال على الأمن الغذائي المحلي

يهدد العنف في السودان بتعميق الأزمة الإنسانية في بلد كان يعاني بالفعل من الجوع والفقر وعدم المساواة. فقبل تصاعد النزاع، كان 30٪ من سكان البلاد بحاجة إلى مساعدات إنسانية، وأكثر من 11 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد أو غير قادرين على الحصول على ما يكفي من الغذاء.

ومنذ اندلاع القتال في 15 أبريل، أضاف الاضطراب في السودان عبئًا جديدًا على الأمن الغذائي؛ إذ تضاعفت أسعار المواد الغذائية، وتزايدت القيود المفروضة على حركة الأشخاص والإمدادات، مما زاد من صعوبة حصول الناس على الغذاء والماء. وتظهر تداعيات القتال محليًا من خلال ما يلي:

ارتفاع تكلفة السلع والخدمات الأساسية: أدى ارتفاع أسعار الوقود في السودان في الآونة الأخيرة إلى ارتفاع أسعار الأغذية والأسمدة بسبب تراجع الدولة عن دعم المدخلات الأساسية للإنتاج الزراعي، مثل الديزل والأسمدة. فقام المزارعون السودانيون بتقليص زراعتهم بشكل كبير، مما أدى إلى تفاقم أزمة الغذاء وتكبيل القدرة على تحمل التكاليف، وسط أزمات الطاقة والغذاء والأزمات السياسية المتداخلة. وبحسب الجهاز المركزي للإحصاء في السودان، تراجع معدل التضخم السنوي إلى 63.3 بالمئة في شهر فبراير الماضي، بينما كان معدل التضخم في يناير 83 بالمئة، وتشهد معدلات التضخم في البلاد تراجعًا خلال الأشهر الماضية، بعد أن تخطت في وقت سابق الـ 400 بالمئة منتصف العام 2021، ولكن بعد اندلاع الاشتباكات من المتوقع معاودة هذه النسب الارتفاع من جديد.

انقطاع سلاسل الإمداد الداخلية: تسبب القتال في انقطاع سلاسل الإمداد الداخلية، وأصبحت هناك مناطق كثيرة ومهمة للزراعة وإنتاج الغذاء غير قابلة للاستخدام بسبب نشوب القتال بها وصعوبة التنقل داخل البلد، مما أدى إلى انقطاع في سلاسل الإمداد الداخلية، كخدمات الكهرباء والطاقة والغذاء والصحة داخل العاصمة السودانية الخرطوم.

تراجع محصول القمح: حذرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) من تأثير تراجع محصول القمح العام الحالي على الأمن الغذائي في السودان، حيث شددت المنظمة على أن الخرطوم تحتاج إلى استيراد 3 ملايين ونصف مليون طن من القمح تحت وطأة المشكلات الاقتصادية التي تعانيها البلاد، ما ينذر بتفاقم الجوع الذي لحق بأكثر من ثلث السكان العام الماضي. وبدأ الأمر في الارتفاع بسبب القتال الذي بإمكانه تهديد الأمن الغذائي لكل مواطن سوداني، خصوصًا في ظل ارتفاع نسبة التضخم المحلية، بالإضافة إلى استمرار ارتفاع أسعار القمح العالمية

انخفاض الصادرات: عاد الاقتصاد السوداني مرة أخرى إلى التراجع أو الركود على خلفية الأوضاع السياسية غير المستقرة؛ فقد تراجعت الصادرات بأكثر من 85% في يناير من العام الجاري 2023 وفقًا لبيانات البنك المركزي السوداني. وأدى القتال الأخير بين الجيش والدعم السريع إلى التأثير السلبي على بعض المنافذ البحرية والبرية، وإلى الحصار الذي أفضى إلى تقييد صادرات السلع، مثل: بذور السمسم، والفول السوداني، والقطن، والصمغ العربي، التي تجلب العملة الصعبة للدولة، والتي تشتد إليها الحاجة في ظل الظروف الاقتصادية المعقدة.

وبحسب بيانات البنك المركزي السوداني، فإن السودان قد صدَّر في يناير 2023 ما قيمته 43.5 مليون دولار فقط من السلع، بانخفاض حاد عن 293 مليون دولار في ديسمبر من العام الماضي، رغم كون ذلك الشهر هو ذروة موسم التصدير الزراعي في الدولة. جدير بالذكر أن تقلص الصادرات لم يكن وليد التوترات السياسية الأخيرة فحسب؛ فقد شهدت صادرات السودان من السلع تراجعًا كبيرًا من 10.19 مليارات دولار في عام 2011، إلى 4.28 مليارات دولار في عام 2021.

خلاصة القول، إن المواطن السوداني هو المتضرر الأول و الأكبر في القتال الجاري في السودان، ويعيش واحدة من أسوأ الفترات؛ إذ لا يقدر على مواصلة عمله بشكل طبيعي من جانب، بالإضافة إلى زيادة أسعار  السلع الغذائية بشكل كبير جدًا بما يهدد أمنه الغذائي من جانب آخر. ذلك علاوة على خوف ووقف كل المشاريع الدولية لتحسين الغذاء في السودان بسبب خوف المنظمات الدولية على عامليها، فضلًا عن تضرر الطرق التجارية البحرية والنهرية والجوية مما أدى إلى صعوبة التجارة داخل البلاد.

+ posts

باحث ببرنامج السياسات العامة

محمد صبرى

باحث ببرنامج السياسات العامة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى