مصر وبولندا: علاقات تاريخية تصوغ حاضرًا جديدًا
“أنا سعيد بأول زيارة رسمية لي إلى مصر”، تلك هي الجملة التي قالها الرئيس البولندي أندريه دودا من قصر الاتحادية أثناء خطابه الذي ألقاه بمناسبة زيارته إلى مصر في أول زيارة رئاسية بين الجانبين. تجمع البلدين علاقات جيدة ومتميزة تقوم على مبدأ المصالح المشتركة، هذا فضلًا عن العلاقات التجارية الجيدة بين البلدين، إذ صدّرت مصر إلى بولندا منتجات بلغ إجمالي قيمتها 192.6 مليون دولار خلال العام 2021، ولا يزال هناك متسع لكلا البلدين لتطوير العلاقات بينهما.
بولندا أو رسميا جمهورية بولندا هي دولة في أوروبا الوسطى، وهي تمتد على مساحة 312.6 ألف كيلو متر مربع، يبلغ عدد سكانها 38 مليون نسمة، وهي خامس دولة عضو في الاتحاد الأوروبي من حيث عدد السكان، عاصمتها هي وارسو وهي أكبر مدنها، تجاورها دول أوروبية مثل ليتوانيا، وروسيا، وروسيا البيضاء، وسلوفيكيا، وجمهورية التشيك، وألمانيا، وبالطبع أوكرانيا. جوارها لأوكرانيا جعلها إحدى أبرز الدول التي استقبلت لاجئين ومهاجرين جراء الحرب الروسية الأوكرانية.
يعد الاقتصاد البولندي حاليًا سادس أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي، وهو واحد من أسرع الأسواق نموًا داخل الاتحاد الأوروبي. ينقسم اقتصادها إلى 61 % خدمي، 31 % صناعي والنسبة المتبقية التي تبلغ 8 % هي قطاع زراعي. وعلى الرغم من أنها دولة عضو في الاتحاد الأوروبي، إلا ان لها عملتها الخاصة ولا تعتمد على عملة اليورو كعمله قانونية وتسمي عملتها الزلوتي البولندي ZL- PLN.
لكن أهم ما يميز بولندا أنها دولة رائدة في أوروبا الوسطى؛ إذ إنها تحتضن ما يقرب من 40 % من أكبر 500 شركة في المنطقة من حيث الإيرادات، ويتم تداول تلك الشركات في بورصة وارسو للأوراق المالية، ولدى بولندا أكبر قطاع مصرفي في أوروبا الوسطى، ومن ثم فإن اقتصاد بولندا يعد متطورًا؛ إذ يحتل المرتبة 20 عالميًا من حيث تصدير السلع والخدمات، فتقدر قيمة صادرات السلع والخدمات حوالي 56% من الناتج المحلي الإجمالي.
وقطاع السياحة البولندي أحد أبرز القطاعات؛ إذ زار بولندا ما يقرب من 21 مليون سائح دولي في عام 2019، وتسهم السياحة بشكل كبير في الاقتصاد الكلي وتشكل نسبة كبيرة نسبيًا من سوق الخدمات في البلاد. وتمثل قطع غيار السيارات أهم صادرات بولندا؛ إذ تصدر سنويًا بقيمة 12.4 مليار دولار، تليها المقاعد والأثاث بإجمالي قيمة صادرات 11.1 مليار دولار، ثم سيارات بقيمة 5.42 مليارات، وتليها البطاريات الكهربائية بقيمة 5.29 مليارات دولار، وتذهب معظم صادراتها إلى ألمانيا والمملكة المتحدة، والتشيك، وفرنسا، وهولندا.
أما عن أهم الواردات البولندية، فهي السيارات بقيمة 9.58 مليارات دولار، وقطع غيار السيارات بقيمة 7.88 مليارات دولار والبترول الخام بقيمة 6.36 مليارات دولار، والأدوية المعبأة بقيمة 5.2 مليارات دولار، ويأتي معظم استيرادها من ألمانيا والصين وإيطاليا وهولندا والتشيك.
أما عن مصر، فقد صدرت مصر إلى بولندا سلعًا بقيمة 192.6 مليون دولار. وعلى الرغم من صغر حجم المبلغ، إلا أنه ضعف ما تم تصديره في عام 2014 البالغ 96.4 مليون دولار، ويفوق صادرات مصر إلى بولندا عن العام 2021 بحوالي 66.7 %. ليس ذلك فحسب، فقد حقق شهر ديسمبر من العام 2021 أكبر صادرات مصرية شهرية إلى بولندا بقيمة 22.3 مليون دولار وهو يقترب من أعلى رقم تم تحقيقه في مارس من نفس العام والبالغ 23.6 مليون دولار أمريكي. وتتمثل أهم صادرات مصر إلى بولندا في حبيبات البولي بروبيلين والتي تحتل نصيب الأسد في الصادرات بقيمة 24 مليون دولار، تليها الفراولة المجففة المحفوظة مؤقتًا بقيمة 18.3 مليون دولار.
توجد بين البلدين (مصر وبولندا) آفاق كبيرة للتعاون يمكن البناء عليها لتطوير العلاقات الاقتصادية بين البلدين، خاصة وأن البلدين يجمعهما العديد من وجهات النظر المشتركة، ويتشابه فكرهما تجاه العديد من القضايا الدولية، وهو ما يفسر التقارب المصري البولندي؛ إذ تعد مصر الدولة العربية الأقرب إلى بولندا.
وإذا أضفنا حقيقة أن بولندا هي دولة يمكن وصفها أنها متوسطة التقدم (في حال مقارنتها ببقية دول الاتحاد الأوروبي مثل ألمانيا أو فرنسا أو إنجلترا) فقد يكون من الأيسر نقل التكنولوجيا من الشركات البولندية وبين الشركات المصرية خاصة في مجالات التحول الرقمي والمجالات السياحية والطاقة الجديدة والمتجددة، خاصة وأن بولندا سبق أن استضافت مؤتمر الأطراف لاتفاقية الأمم المتحدة لتغير المناخ لثلاث دورات سابقة، ومن ثم يمكن البناء على خبراتها لخلق تكامل بين أوراق العمل التي خرجت عن تلك المؤتمرات وبين المؤتمر المزمع انعقاده في مصر في نوفمبر من العام الحالي.
أما عن الغذاء فإن القطاع الزراعي البولندي هو أحد أبرز القطاعات المتطورة (8% من الناتج المحلى الإجمالي البولندي)؛ إذ إن بولندا هي بلد مستقل غذائيًا، وتقوم بتصدير الأغذية للدول بجميع أنحاء العالم، وهو ما يمهد الطريق للتعاون بين مصر وبولندا في سد احتياجات مصر من الغذاء، خاصة في ظل ما يمر به العالم من مشاكل عديدة في توفير الأمن الغذائي لمختلف الدول، وهو ما يفرض حقيقة ضرورة تنويع مصادر الغذاء بين دول العالم، وبناء شراكات متينة يمكن الاعتماد عليها للحصول على أولوية توريد الغذاء في أوقات الأزمات.
باحث ببرنامج السياسات العامة



