التداعيات السيكولوجية لتغير المناخ (2): نظرة معمقة على الأبعاد النفسية والاجتماعية
تعد نمذجة سياسات المناخ وانبعاثات غازات الاحتباس الحراري نتيجة للعمليات الاجتماعية والسياسية والتقنية أمرًا صعبًا، لأن هذه الأنظمة تُدرس عادةً من خلال تخصصات منفصلة، بما في ذلك علم النفس والعلوم السياسية والقانون والاقتصاد والهندسة. ومع ذلك، ستنشأ الانبعاثات المستقبلية من التفاعلات المعقدة وتأثيرات التغذية المرتدة داخل هذه الأنظمة وفيما بينها، مما يعني أنه لا يمكن فهمها بمعزل عن غيرها. وبدلاً من ذلك، ستتطلب التقييمات الاحتمالية لمسارات الاحترار في المستقبل رؤى من مختلف التخصصات ليتم ربطها لفهم كيفية تفاعلها لإنتاج مستقبل مناخي محتمل.
وفي الجزء الأول من دراسة “التداعيات السيكولوجية لتغير المناخ”؛ تناولنا مخاطر التغير المناخي ومسبباته، وتأثير الطبيعة البشرية على كوكب الأرض، والعوائق البشرية لتشجيع العمل على تغير المناخ وآليات التغلب عليها. ونستكمل في الورقة الحالية: إلقاء نظرة معمقة على الآثار النفسية والاجتماعية لتغير المناخ، كما تتضمن عددًا من المقترحات والحلول التي تساعد المهتمين بهذه الظاهرة المدمرة على فهمها ووضع سياسات للتكيف معها.
تأثير التغير المناخي على السياقات الاجتماعية
يمكن القول إنه قد فات الأوان للعمل المجتمعي للتخفيف التام من تغير المناخ؛ نظرًا لأنه لا يمكن تجنبها، الأمر الذي وجه العلماء والباحثين نحو تحويل انتباههم إلى فهم آثارها وإمكانات التكيف معها. وإذا اتجهنا للتكيف السلوكي فقد يشمل التخطيط المسبق لأحداث مثل الفيضانات أو حرائق الغابات، على سبيل المثال، عن طريق حماية منزل المرء من الفيضانات أو الاستعداد للإخلاء. يمكن أن يشمل أيضًا زراعة الأشجار لتوفير الظل في الصيف الحار، وتعديل الممارسات الزراعية، وحتى تغيير الطرق التي يتفاعل بها الشخص مع العالم الطبيعي.
فضلًا عن أن ردود الفعل النفسية للأزمات البيئية بشكل عام وتغير المناخ بشكل خاص دائمًا ما تكون من منظور فردي، لا سيّما وأن الناس مدفوعون بالمصلحة الذاتية والدوافع الداخلية مثل القيم أو الاحتياجات أو المواقف أو المعايير، نظرًا لأن هذه الدوافع الداخلية مستقرة نسبيًا بعكس المجموعات الاجتماعية التي تشكل دوافع خارجية تتسم بعدم الاستقرار والضعف أكثر من الدوافع الداخلية، ولذلك فإن الناس يقاومون تغيير السلوك.
وباتباع مفهوم “التماثل مع البشرية جمعاء” الذي قدمه “سام مكفارلاند” أستاذ علم النفس الاجتماعي وحقوق الإنسان بجامعة ويسترن كنتاكي، والذي يحدد الهوية العالمية على أنها تعريف عالمي للذات (أي أن تكون جزءًا من مجموعة شاملة للبشرية جمعاء وتتعرف مع الناس في جميع أنحاء العالم) والاستثمار الذاتي العالمي (أي الاهتمام بالرفاهية) من البشر في جميع أنحاء العالم. لذا فالجهود الجماعية للمجتمع العالمي مطلوبة للتخفيف من تغير المناخ. إذ إنه كلما زاد شعور الناس بأنهم جزء من البشرية جمعاء (تعريف الذات العالمي) وكانوا قلقين بشأن رفاهية جميع البشر (الاستثمار الذاتي العالمي)، كلما أدركوا أهمية قضية تغير المناخ وأبلغوا عن الإجراءات والنوايا لتخفيف تغير المناخ.
ويمكن إجمال الآثار الاجتماعية للتغير المناخي في عدد من الجوانب كالآتي:
• العدالة الاجتماعية: حيث لا تزال هناك القليل نسبيًا من الأبحاث حول التأثيرات المحتملة لتغير المناخ على السلوك الاجتماعي والرفاهية النفسية والاجتماعية، ولكن هناك كل الأسباب لتوقع أن هذه التأثيرات ستكون كبيرة لارتباط درجة الحرارة بانخفاض في المزاج الإيجابي، وزيادة في العداء الشخصي والعدوانية، وانخفاض في الإيثار. وقد تكون هناك تأثيرات أخرى على التفاعل بين الأشخاص أيضًا، مثل عندما تربط التقاليد والممارسات الثقافية والتفاعلات الاجتماعية بالبيئة الطبيعية.
وسيؤدي استمرار الاحتباس الحراري إلى زيادة تواتر وانتشار وشدة الظواهر المتطرفة، مما يعرض الأنظمة البيئية والبشرية للخطر. ويستلزم تغير المناخ أيضًا تغييرات أبطأ وأقل دراماتيكية ولكنها شديدة التأثير في الظروف المناخية الأساسية مثل الحرارة وهطول الأمطار.
كما أن المشاركة في تطوير الحلول والمساهمة في تغير المناخ وآثارها، لا يتم توزيعها بالتساوي عبر المجموعات المختلفة. فمع انتشاره العالمي، والتعقيد الكبير، وعدم اليقين في الحلول، لا شك في أن تغير المناخ يمكن أن يوصف بأنه مشكلة “شريرة”، بالطريقة نفسها التي تكون فيها أسباب تغير المناخ وآثاره وحلوله معقدة، فإن استجابات الجمهور لتغير المناخ معقدة أيضًا.
• تغيرات في المناخ الجيوفيزيائي: هذه التغيرات في المناخ الجيوفيزيائي لها آثار كبيرة على السلوك الاجتماعي البشري، وبالتالي على علم النفس الاجتماعي. ولطالما كانت إحدى الرسائل الرئيسة لعلم النفس الاجتماعي هي أن القوى الخارجية هي أكثر التأثيرات أهمية على الأفراد مما يتعرف عليه عادة الشخص العادي. وعلى الرغم من أن علماء النفس ركزوا في الغالب على الجوانب الاجتماعية للموقف، مثل الأشخاص الآخرين والأدوار والتوقعات الاجتماعية البارزة، فمن الواضح أن البيئة المادية لديها القدرة على التأثير المباشر على السلوك؛ فقد أصبح تغير المناخ جزءًا من سياقنا الاجتماعي؛ حيث تؤثر التفاعلات الاجتماعية على تصوراتنا لتغير المناخ وتتأثر بتجاربنا معه أيضًا.
• الدخول في عصر “التقشف البيئي”: حيث تؤدي آثار تغير المناخ والكوارث البيئية الأخرى إلى ارتفاع في أسعار الغذاء، ونزوح جماعي للسكان، ونهاية النمو الاقتصادي كما هو معتاد.
• انتشار المعضلات الاجتماعية: والتي تمثل تحديًا كبيرًا على المستوى العالمي، حيث تكون المصالح الجماعية مجردة ومرئية بشكل أساسي في المستقبل بدلاً من الحاضر. إذ يميل عدم اليقين إلى إثارة التفكير الاستدلالي، مثل أسطورة المصلحة الذاتية؛ يتجه الناس بشكل طبيعي إلى المصلحة الذاتية أو المصلحة المحلية بدلاً من المصالح العالمية المجردة؛ ويميل القادة إلى تبني عقلية تنافسية تتسم بعدم الثقة والتنافس، مما يؤدي إلى نتائج جماعية سيئة.
• عدم المساواة: تكشف الدراسات عن عدم المساواة في تغير المناخ، أي أن الأشخاص الذين لديهم أعلى بصمة كربونية هم عادة أولئك الذين هم أقل عرضة لتجربة عواقب الاحتباس الحراري. وقد أفاد “كريستيان نيلسن” عالم النفس بجامعة كامبريدج، أن أعلى 10٪ من أصحاب الدخل على مستوى العالم مسؤولون عن حوالي 50٪ من إجمالي انبعاثات الكربون لأنهم أكثر عرضة لاستخدام السفر الجوي، والسيارات المتعددة، والمنازل الواسعة، وغيرها من الكماليات التي ينبعث منها الكربون.
وعلى الرغم من أن البلدان النامية قد ساهمت بقدر أقل بكثير في تغير المناخ، فإنها ستعاني أكثر من العالم المتقدم ذي الانبعاثات العالية. ويرجع هذا التفاوت جزئيًا إلى جغرافيتهم (على سبيل المثال، يقع العديد منهم في خطوط العرض المنخفضة وسيواجهون مزيدًا من موجات الجفاف وموجات الحر، والعديد منهم على ارتفاعات منخفضة وسيعانون من الفيضانات والفيضانات بسبب ارتفاع مستوى سطح البحر). بالإضافة إلى ذلك، فإن ضعف البنية التحتية والموارد في البلدان النامية يحد من قدرتها على منع الآثار المناخية والتكيف معها والتعافي منها.
• النزوح والهجرة: أفاد مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين (UNHCR) أن ما متوسطه 21.5 مليون شخص نزحوا قسراً كل عام بسبب المخاطر المفاجئة المتعلقة بالطقس بين عامي 2008 و2016، وآلاف آخرين من المخاطر البطيئة الظهور المرتبطة بتأثيرات تغير المناخ.
لذا فقد نجد جهود السياسات والبرمجة التي تُبذل اليوم وفي السنوات القادمة تؤثر على تقديرات الأشخاص الذين ينتقلون بسبب العوامل المتعلقة بالمناخ. ومع ذلك، فمن المرجح أن يتشرد عشرات الملايين من الناس خلال العقدين أو الثلاثة عقود القادمة بسبب تأثيرات تغير المناخ إلى حد كبير.
• تأثيرات أخرى: منها تتعلق بالكيان الذي يواجه التجربة، أي التأثير الذاتي والنفسي للأزمة المناخية والبيئية. والتي من الممكن أن تؤدي إلى نشوء ردود فعل عاطفية قوية مثل الخوف أو الحزن أو اليأس أو الذنب بسبب مشاهدة الأزمة حتى لو من مسافة بعيدة.
ومنها يتعلق بتأثر الأفراد بشكل غير مباشر من خلال التأثيرات المختلفة للمناخ والأزمة البيئية على مجالات حياتهم البيولوجية النفسية الاجتماعية. وهذا يشمل الآثار النفسية الاجتماعية غير المباشرة الناجمة عن التغيرات في البيئة الاجتماعية للفرد، مثل الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية في مسقط رأس المرء بسبب الإعصار، أو من خلال المعاناة الاقتصادية والهجرة القسرية المحتملة الناجمة عن الجفاف المرتبط بتغير المناخ.
كما تؤثر التغيرات المناخية على المحاصيل وإنتاج الغذاء، مما يؤثر على أسعار المواد الغذائية، الأمر الذي يدفع الناس إلى اتباع أنظمة غذائية أقل صحة. ويمكن أن تؤدي النظم الغذائية السيئة إلى الجوع أو سوء التغذية أو السمنة. وبحسب (مركز السيطرة على الأمراض)، قد تنخفض القيمة الغذائية لبعض الأطعمة بسبب تغير المناخ. حيث يتوقع الخبراء أن زيادة مستويات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي والتغيرات في العناصر الغذائية في التربة ستؤدي إلى تقليل العناصر الغذائية في العديد من المحاصيل.
الآثار النفسية للتغير المناخي
يهدد تغير المناخ الصحة العقلية من خلال زيادة التعرض للاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية الناتجة عن الطقس المتطرف والأحداث المناخية واسعة النطاق، وكذلك من خلال القلق المرتبط بالاعتراف بالتهديد الوجودي الذي تشكله أزمة المناخ. وبالنظر إلى المستويات المتزايدة للوعي بتغير المناخ في جميع أنحاء العالم، فإن المشاعر السلبية مثل التوتر والقلق بشأن المخاطر المتعلقة بالمناخ هي قناة منتشرة محتملة للتأثيرات الضارة لتغير المناخ على الصحة العقلية.
ويوجد بالفعل قدر كبير من الأدلة العلمية على أن تغير المناخ يؤثر على الصحة النفسية بشكل مباشر من خلال الكوارث الطبيعية والتغيرات البيئية التدريجية. فعلى سبيل المثال، تُظهر المجتمعات المتأثرة بالكوارث البيئية مثل الأعاصير والفيضانات والجفاف وحرائق الغابات معدلات متزايدة لاضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) والقلق والاكتئاب وتعاطي المخدرات.
كما يمثل تغير المناخ تحديًا للصحة العقلية من خلال قنوات أخرى غير التعرض المباشر لتأثيرات الظواهر الفيزيائية الحيوية، فالمشاعر السلبية الناشئة عن الاعتراف بالتهديد الحالي والمستقبلي الذي يشكله تغير المناخ هي أيضًا ضغوط نفسية قوية للأفراد والمجتمعات؛ ومن بين بعض المجتمعات المعرضة للخطر بشكل خاص: يترافق التعرض للأحداث البيئية الشديدة التي تفاقمت بسبب تغير المناخ مع القلق بشأن تأثيرات تغير المناخ في المستقبل لتوليد مستويات من الضيق النفسي الذي يضعف بشكل كبير الجوانب الرئيسية للحياة اليومية.
وتتوقع الجمعية الأمريكية للطب النفسي (APA)، أن تأثيرات الصحة العقلية لتغير المناخ ستتراوح من الإجهاد الخفيف إلى زيادة في التشخيصات النفسية الأكثر خطورة؛ حيث إن بعض الأشخاص قد يلجئون إلى سلوكيات عالية الخطورة للتعامل مع الصدمات النفسية بسبب تغير المناخ. وارتباطًا بذلك فقد اكتشف الباحثون أن الكوارث الطبيعية، مثل “إعصار كاترينا”، لها آثار سلبية على الصحة العقلية للأشخاص المعنيين، بما في ذلك اضطراب ما بعد الصدمة ومستويات عالية من القلق؛ حيث تؤدي الفيضانات وموجات الحرارة وحرائق الغابات إلى حدوث هذه المشكلات.
ولوحظ مرارًا وتكرارًا؛ أن اضطراب ما بعد الصدمة هو اضطراب الصحة العقلية الأكثر شيوعًا في أعقاب الظواهر الجوية الشديدة والكوارث الطبيعية. وبالنظر إلى الخصائص الخاصة لهذه الأحداث، مثل المفاجأة، والقدرة التدميرية، واحتمال حدوث عواقب وخيمة (مثل الإصابة، والوفاة)؛ ليس من المستغرب أن مثل هذه الضغوطات البيئية يمكن أن تؤدي إلى تطور اضطرابات الصحة العقلية المرتبطة بالتوتر.
وعلى وجه التحديد فإن درجات الحرارة الشديدة، ترتبط بمعدلات أعلى من العنف واضطرابات النوم والانفعالات، بالإضافة إلى وجود علاقة بين درجات الحرارة الشديدة والارتفاع المفاجئ في حالات الدخول إلى المستشفيات بسبب الأمراض العقلية.
كما قد يكون للحرارة الشديدة أيضًا تأثير أكبر على الأشخاص الذين يعانون من حالات صحية عقلية. فوفقًا لـ (مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها “CDC”)، فإن لارتفاع درجات الحرارة تأثيرًا سلبيًا على الاكتئاب وزيادة معدلات الانتحار. كما يمكن أن تغير درجات الحرارة الشديدة أيضًا طريقة عمل بعض الأدوية في الجسم، مثل علاجات الفصام. بالإضافة إلى ذلك، قد تؤثر على قدرة الأشخاص على تنظيم درجة حرارة أجسامهم بشكل صحيح.
في حين أن التعرض للسموم في البيئة والآثار المرتبطة بالإجهاد لتغير المناخ قد يكون له تأثير سلبي على صحة الجهاز العصبي. فبحسب (المعهد الوطني لعلوم الصحة البيئية)، يعتقد العلماء أن العوامل البيئية تلعب دورًا في الإصابة بمرض باركنسون ومرض الزهايمر، ويمكن أن تؤدي السموم الموجودة في الطعام والماء أيضًا إلى مشاكل صحية للجنين النامي.
علاوة على ذلك فإن أحد عوامل الضغط النفسي، هو القلق المزمن بشأن مستقبل الحياة على الأرض. ومع ذلك، يجدر بنا أن نتذكر أن القلق البيئي ليس حالة إكلينيكية يجب أن نحاول “علاجها”، ولكنه استجابة عقلانية للتهديدات البيئية التي سيواجهها كوكبنا في العقود القادمة.
وفي سياق سيكولوجي موازٍ نجد أن التغيرات المناخية تعمل على:
- تهديد الهوية الذاتية: عندما تتغير بيئة مجموعة سكانية بطريقة تزعزع استقرار بقائها المستمر فنحن بلا شك في حالة أزمة؛ حيث يشكل زعزعة استقرار دورات الكواكب والعمليات التي تنظم أنظمة دعم الحياة على الأرض تهديدًا نفسيًا عميقًا: لإحساسنا بالأمان، وسلامة واستقرار الهوية الذاتية، لأنه يعطل إتقان حياتنا الخاصة؛ بسبب سلوكياتنا المدمرة، وتواطؤنا وردود الفعل غير الكافية. وتشكل أيضًا تهديد لتقدير الذات، مما يضعف ثقتنا في قيمتنا وقدراتنا. كما تهدد الأزمة البيئية خطط حياتنا وأفكار التقدم والتوقعات الداخلية للمستقبل.
- عدم التوازن النفسي والفسيولوجي: عند مواجهة تهديد محسوس، يؤدي عدم التوازن الناتج إلى خلق إجهاد فسيولوجي ونفسي على حد سواء. مما يدفع البشر إلى استخدام آليات الدفاع واستراتيجيات المواجهة من أجل تخفيف التوتر وتقليل المشاعر السلبية الناتجة عن تغير المناخ؛ حيث إن زيادة تواتر الظواهر الجوية المتطرفة، مثل حرائق الغابات والفيضانات، تؤثر بالفعل وبشكل مباشر على صحة الإنسان النفسية والفسيولوجية.
- عدم التوازن النفسي والسياسي: عندما تفشل الحكومات في توفير الحماية الكافية من تأثيرات تغير المناخ أو الاستجابة لها، قد يؤدي ذلك إلى فقدان الثقة في الحكومات والمؤسسات المدنية الأخرى، مما يؤدي إلى رد فعل عنيف، وقد تؤدي تصورات عدم المساواة أو التفاوتات في تأثيرات تغير المناخ إلى اضطرابات اجتماعية وضعف الحكومات، وفي بعض الحالات عدم الاستقرار السياسي والصراع.
في المجمل ووفقًا لما سبق؛ يحاول علم نفس المناخ أن يقدم منظورًا نفسيًا اجتماعيًا يمكنه إلقاء الضوء على تفاعلات معقدة ثنائية الاتجاه بين الشخصي والسياسي والنفسي والاجتماعي من أجل دعم النشطاء والعلماء وصانعي السياسات الذين يبحثون عن المرونة النفسية للتأثيرات المدمرة لتغير المناخ، وبناء الهدوء النفسي للآثار المدمرة لتغير المناخ.
إذ إن لتغير المناخ آثارًا نفسية واجتماعية وصحية وبيئية وخيمة. وقد يكون انخفاض انبعاثات غازات الدفيئة البشرية المنشأ قادرًا على التخفيف من هذه الآثار. وعلى الرغم من أن عددًا من خيارات نمط الحياة لديها القدرة على تقليل انبعاثات غازات الدفيئة البشرية المنشأ السنوية، إلا أن إقناع الناس باتخاذ إجراءات صديقة للبيئة أمر صعب. ورغم حقيقة أن هناك عددًا من الناس يعبرون عن قلقهم بشأن تغير المناخ، إلا أن نسبة صغيرة منهم فقط يتخذون إجراءات مستدامة. وهذا ما اعتدنا عليه من رؤية انفصال بين الآراء والممارسات المؤيدة للبيئة.
لذا؛ يمكن لصانعي السياسات الذين يهدفون إلى تحفيز العمل المناخي الاستفادة من التحقيق المتعمق والنظرة العامة الشاملة لهذه الحواجز النفسية التي تم تجاهلها. وبصورة أخرى، فإن لعلم النفس البيئي دورًا مهمًا في المستقبل؛ حيث تتصاعد المشكلات البيئية حول العالم ويصبح تطوير السلوكيات المستدامة أكثر إلحاحًا. لذلك يمكن لعلماء النفس البيئي وممارسي التنمية المستدامة العمل معًا وخلق مستقبل أفضل من أجل تحسين الامتثال للسياسات البيئية.
كما تم تشكيل العديد من سماتنا النفسية والسلوكية، وفقًا لعلم النفس التطوري، بطريقة وظيفية ومتكيفة عن طريق الانتقاء الطبيعي. فجهود تغيير السلوك قد تكون غير فعالة إذا كانت غير متوافقة مع ثقافتنا المستمدة من “أسلافنا” التي تدفع السلوك الإشكالي.
وأيضًا فإن المصالح الذاتية للناس قد تعرض المحاولات الجماعية للحد من تغير المناخ للخطر على المدى الطويل. ففي الواقع، فإن النظر إلى تغير المناخ باعتباره تحديًا اجتماعيًا عالميًا يشير إلى أنه لا يمكن حله إلا إذا وافقت البلدان “وسكانها” على فعل الصواب للصالح العام وخفض انبعاثاتها بشكل كبير. ومع ذلك، في حين أن الحد من الانبعاثات قد يبدو معقولًا من وجهة نظر المجتمع، فإن إقناع الناس بالتخلي عما هو جيد بالنسبة لهم هو أمر صعب للغاية.
لذا فإنه من المهم لصناع السياسات وباحثي المناخ النظر إلى الأسباب التي تجعل الناس لا يستجيبون للتخفيف من أزمة المناخ، وهذه الأسباب يمكن إيجازها في التالي:
- الاستجابة العقلية للاحتباس الحراري وتغير المناخ، تتبع استراتيجية أننا نشعر بوجود مشكلة ولكننا ننتظر من الآخرين حلها، فما يجب القيام به واضحًا بما فيه الكفاية – منع غازات الدفيئة من احتلال الغلاف الجوي – ومع ذلك فإن التقدم يتحرك بوتيرة بطيئة للغاية، فنجد أنه قد مر ثلاثة عقود بين التقرير الأول الصادر عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ وتعهد المجتمع الدولي بالعمل من خلال اتفاقيات باريس للمناخ والتي لا تزال لا تتمتع بسلطات قانونية للتنفيذ.
- يوجد العديد من “تحديات الدماغ” عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع التهديد المجرد والبطيء وغير المرئي لتغير المناخ، حيث إننا لا نطلق “مصابيح الخطر التطوري”؛ نظرًا لأنه غير مرئي وغالبًا ما يتم وصفه بشكل تجريدي للغاية، فإن الناس يبتعدون عنه، إذ تبدو البطالة والجريمة والهجرة أقرب إلينا، ومن ثم نعطي للتهديد المناخي أولوية أقل من تلك الأشياء التي تبدو أقرب.
- كسبب من الأسباب التي تجعل الأشخاص لا يدركون خطورة تغير المناخ، هو أن العقل البشري يركز على الحاضر من توفير الطعام والسكن والوظيفة، أما عن المستقبل وجعله ملموسًا وضرورة أن نخفض انبعاثات الكربون العالمية فيها إلى النصف في غضون الـ 12 عامًا القادمة لمنع حدوث دمار خطير، فيظل أحد الحواجز النفسية التي جعلت تغير المناخ مشكلة بعيدة المنال؛ حيث يقلل الناس من أهمية تغير المناخ لأن مخاطره لا تبدو فورية أو قريبة. مما يوضح أنه إذا كانت الرسالة الموجهة للمواطن بشأن مخاطر التغيرات المناخية تفتقر إلى الصلة الشخصية أو المحلية، فإن الناس سيكونون أقل مشاركة.
لذا؛ فإن الاستعداد لظواهر الطقس المتطرفة ليس حكيمًا فحسب، بل يساعد الناس أيضًا على إدارة استجاباتهم العاطفية المستمرة للتهديدات المناخية، وقد يجعلهم يتشاركون الشعور بالمسؤولية تجاه الأجيال القادمة، بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية أو الدينية أو دخل الأسرة أو مستوى التعليم، لأنه من الواضح تمامًا أن الطريقة التي عشنا بها حتى الآن لا يمكن أن تظل كما هي لفترة أطول – وسيتعين على العديد من جوانب حياتنا أن تتغير بشكل أساسي من أجل التخفيف والتكيف مع تأثيرات النظم الطبيعية غير المستقرة – لأنه في نهاية المطاف تهدد الأزمة البيئية استمرار وجودنا.
وأخيرًا؛ يعد التكيف مع تغير المناخ والتعامل معه عملية مستمرة ودائمة التغير تتضمن العديد من العمليات داخل النفس التي تؤثر على ردود الفعل والاستعدادات للتأثيرات الضارة لتغير المناخ، بما في ذلك الأحداث والكوارث المزمنة. وتشمل العمليات النفسية صنع المعنى، وإسناد الأسباب والمسؤولية عن التأثيرات السلبية لتغير المناخ، وتقييم التأثيرات، والموارد، واستجابات المواجهة المحتملة، والاستجابات العاطفية.
كما تتطلب الاستجابة لأزمة المناخ، تغييرات سريعة في معتقداتنا ومواقفنا وسلوكنا، ويتضمن ذلك قبول مسؤوليتنا الخاصة للعمل على حماية الكوكب، وتغيير أنماط حياتنا لتقليل “البصمة الكربونية” لدينا، وبناء الاعتقاد بأن الأشخاص معًا يمكنهم إحداث التغيير، والاعتراف بترابطنا مع الطبيعة واتخاذ خطوات نشطة من أجل العمل على الحد من تفاقم التغيرات المناخية.



