مصر

مصر في قمة المناخ بجلاسكو

توجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى المملكة المتحدة يوم الأحد 31 أكتوبر 2021 للمشاركة في قمة قادة العالم في مؤتمر الأطراف السادس والعشرين لتغير المناخ التابع للأمم المتحدة (COP26). وهو المؤتمر الذي انعقد في مدينة جلاسكو أيام 1 و2 نوفمبر بحضور تمثيل دولي على أعلى مستوى من روؤساء وملوك. وأتت مشاركة الرئيس السيسي في قمة المناخ للأمم المتحدة تلبية لدعوة رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، الذي تتولى بلاده الرئاسة الحالية لمؤتمر COP26. ويعتبر مؤتمر الأطراف أكبر وأهم حدث دولي يشهده العالم كل عام بصدد أزمة التغيرات المناخية التي أصبحت واقعًا لا يقبل الجدل.

وصرح المتحدث باسم الرئاسة المصرية السفير بسام راضي، إن الرئيس السيسي سيركز خلال مشاركته في المؤتمر على القضايا التي تهم الدول النامية بشكل عام والدول الأفريقية بشكل خاص، خاصة فيما يتعلق بتعزيز الجهود لدفع العمل المناخي الدولي. وأضاف راضي أن الرئيس سيؤكد أيضًا على ضرورة التزام الدول الصناعية بالتزاماتها في إطار اتفاقية باريس بشأن تغير المناخ. كما سيؤكد السيسي على تطلع مصر لاستضافة الدورة المقبلة لقمة تغير المناخ العام المقبل (COP 27). كذلك شمل التمثيل المصري وزيرة البيئة المصرية ياسمين فؤاد، التي أوضحت بأن المؤتمر يعد خطوة مهمة لوضع اللمسات الأخيرة على القضايا الخلافية للوصول إلى خطة عمل لتحقيق الأهداف المرجوة في اتفاقية باريس للمناخ لعام 2015. كما يهدف المؤتمر إلى مناقشة الموضوعات المتعلقة بتخفيف الانبعاثات والهدف العالمي للتكيف وهدف تمويل المناخ.

أهمية المؤتمر على المستوى العالمي

مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ لعام 2021، المعروف أيضًا باسم COP26، هو مؤتمر الأمم المتحدة السادس والعشرون لتغير المناخ. هذا المؤتمر هو المرة الأولى التي يتوقع فيها من الأطراف الالتزام بتعزيز الطموح منذ COP21. يُطلب من الأطراف إجراء عملية كل خمس سنوات، كما هو موضح في اتفاقية باريس، وهي عملية تُعرف باسم “آلية السقاطة”. مكان انعقاد المؤتمر هو مركز SEC في جلاسكو. وكان من المقرر عقده في الأصل في نوفمبر 2020 في نفس المكان، وتم تأجيل الحدث لمدة ١٢ شهرًا بسبب وباء COVID-19.

وطبقًا لجميع التقارير الأخيرة بالتغيرات المناخية ومنها تقرير التقييم السادس للجنة الدولية للتغيرات المناخية الصادر بأغسطس عام 2021، فإنه أصبح ليس هناك أي شك في أن التأثير البشري قد أدى إلى تدفئة الغلاف الجوي والمحيطات والأرض. وكذا، نتج عن التأثير البشري تغيرات واسعة النطاق وسريعة في الغلاف الجوي والمحيطات والغلاف الجليدي والمحيط الحيوي. بل إن حجم التغييرات الأخيرة عبر النظام المناخي ككل والحالة الحالية للعديد من جوانب النظام المناخي غير مسبوقة على مدى قرون عديدة إلى عدة آلاف من السنين، إذ يؤثر تغير المناخ بفعل الإنسان بالفعل على العديد من الظواهر المناخية المتطرفة في كل منطقة في جميع أنحاء العالم.

لهذه الأسباب، تجتمع وفود الدول الأعضاء في الاتفاقية وبروتوكول كيوتو واتفاقية باريس للمناخ لمناقشة القضايا الخلافية والتشاور والتفاوض بشأنها في إطار تنفيذ الاتفاقيات الدولية المتعلقة بتغير المناخ. هذا المؤتمر معروف على نطاق واسع لأنه يضم أكثر من 5 مؤتمرات فرعية. ويشارك نحو عشرة آلاف شخص في حدث هذا العام الذي يتضمن اجتماعات رفيعة المستوى تمثل فيها الدول على مستوى رئيس الدولة أو رئيس الوزراء أو على الأقل الوزير المعني بشؤون البيئة والتغير المناخي. كما يحضر الأمين العام للأمم المتحدة اجتماعات مؤتمر الأطراف.

اهتمام مصري جاد بقضايا المناخ الجدير بالذكر، أن الدولة المصرية قد أقامت خلال فعاليات المؤتمر جناحًا مصريًا بصدد المواضيع المطروحة للنقاش. إذ استعرضت فيه مصر قصص النجاح التي تم إجراؤها لمعالجة آثار تغير المناخ من خلال المشاريع الوطنية في قطاعات الطاقة المتجددة، والنقل المستدام، والزراعة والري وغيرها من المشروعات القومية المختلفة عبر السنوات الأخيرة.

أتت تلك قصص النجاح من منهجية عمل مصرية ركزت على معالجة آثار التغيرات المناخية ومجابهتها مع التركيز على الاستثمارات الخضراء. ويعتقد الكثير من العامة بأن الهدف الرئيسي من الاستثمارات الخضراء هو الحدّ من مخاطر التلوث بأنواعه، وكذلك مخاطر الاحتباس الحراري، وذلك دون النظر للفائدة الاقتصادية منها. في حين أن هناك بالفعل فوائد عدة من تلك الاستثمارات تصب مباشرة في الأبعاد الاقتصادية مثلما تصب في الجزء البيئي من أي محاولة لتنمية مستدامة حقيقية. فهي تولد اقتصادًا قابلًا أكثر للتطبيق على الصعيد السياسي والاجتماعي، ويتناسب مع استراتيجيات حل مشكلة ندرة الموارد حول العالم، لما توفره من طاقة ومياه وغذاء.

تسعى مصر للتحول نحو هذه المنهجية وذلك استجابة لما نص عليه الدستور المصري في المادة 32، إذ  نصت على الحفاظ على الموارد الطبيعية ومراعاة حقوق الأجيال القادمة، كما تؤكد رؤية مصر 2030 على البُعد البيئي كمحور أساسي في كافة القطاعات التنموية بشكل يحقق أمن الموارد الطبيعية ويدعم عدالة استخدامها والاستغلال الأمثل لها والاستثمار فيها، وذلك بما يضمن حقوق الأجيال القادمة. فضلًا عن تكليفات القيادة السياسية بالتركيز على الاقتصاد الأخضر، ومراعاة الأبعاد البيئية في المشروعات التنموية. وعملت مصر منذ عام 2014 على تدعيم مفهوم الاقتصاد الأخضر في نواحي تنموية عدة، أولها البنية التحتية والتي حازت إلى الآن نصيب الأسد من إجمالي تلك المشروعات، وتليها مشروعات الطاقة والمشروعات الصناعية والسياحية الصديقة للبيئة.

وطبقًا لهذه الأسس أطلقت الدولة المصرية في عام 2016 استراتيجيتها الوطنية المعنية بالاقتصاد الأخضر والصديقة لجهود مجابهة التغيرات المناخية، وذلك على هامش مؤتمر الوزراء الأفريقيين المعنيّ بالبيئة African Ministerial Conference on the Environment (AMCEN)، الذي عُقد في القاهرة في ذلك العام. وكان القادة الأفارقة في المؤتمر قد دعوا إلى تعزيز رؤية إنمائية واضحة لأفريقيا في سياق أجندة الاستدامة الدولية 2030 واتفاق باريس.

المؤتمر القادم بشرم الشيخ

في أول أكتوبر، تم الإعلان بواسطة جون كيري عن أن مصر ستكون الدولة مختارة لاستضافة COP27 القادم في عام 2022. ومن المقرر أن تستضيف مدينة شرم الشيخ  للبيئة المؤتمر. وفي 20 سبتمبر الماضي، أعرب الرئيس عبد الفتاح السيسي عن اهتمام مصر باستضافة قمة COP27 التي تمثل القارة الأفريقية. ويذكر أن مصر قد استضافت عام 2018 مؤتمر الأطراف في اتفاقية التنوع البيولوجي COP14 في شرم الشيخ. وعلى الرغم من أن اتفاقية تغير المناخ واتفاقية الحفاظ على التنوع البيولوجي هما اجتماعان للأمم المتحدة، إلا أن مؤتمرات تغير المناخ تحظى باهتمام أكبر.

تعكس استضافة مصر لمؤتمر COP27 تقدير المجتمع الدولي للجهود المصرية في الحفاظ على البيئة، بالإضافة إلى مساهمة القاهرة في مكافحة تغير المناخ. وهو ما يشير إلى نجاح مصر في ما حققته خلال الفترة الماضية من نجاحات في العديد من مجالات التنمية من أجل الحفاظ على البيئة، ليس في فقط في المشاريع، لكن أيضًا بملف تغير المناخ على أعلى المستويات السياسية. إذ تم تشكيل المجلس الأعلى للتغير المناخي برئاسة رئيس مجلس الوزراء وعضوية الوزارات المعنية، وتم تشكيل كيانات مؤسسية داخل كل وزارة للتعامل مع قضايا تغير المناخ.

أوضحت الدولة من خلال وسائل عدة للتسويق الحكومي داخل وخارج الحدود المصرية، أن اهتمامها الكبير بتطوير مشاريع توليد الطاقة من مصادر متجددة ونظيفة، فضلاً عن الاهتمام بترشيد أنشطة كفاءة الطاقة وتحسينها، هو اهتمام مصري بملف تمويل المناخ، حيث بدأت العديد من البنوك الوطنية في تخصيص مسار تمويلي للمشروعات ذات النتائج البيئية، كما أصدرت وزارة البيئة بالتعاون مع وزارة التخطيط البيئة معايير الاستدامة. علاوة على ذلك، تعمل مصر على أول استراتيجية وطنية لتغير المناخ، وهي خطة وطنية للتكيف مع تغير المناخ، وتحديث تقرير المساهمات المحددة وطنيًا.

من هذا المنطلق، فإن استضافة مثل هذه المؤتمرات الدولية يضفي طابع ثقة المجتمع الدولي على البلد المضيف، ويلزم الدولة المضيفة بالاستعداد على أعلى مستوى. من أهم المتطلبات في الدولة المضيفة أن يتم تصنيفها كدولة آمنة حسب تصنيف الأمم المتحدة. وكانت الدولة المصرية قد قطعت شوطًا طويلاً في استعادة الأمن للبلاد بعد اضطرابات تتعلق بمكافحة المصريين للارهاب المتطرف, حتى تم اقصاءه بصورة شبه تامة تكللت بانهاء حالة الطوارئ في أكتوبر 2021. 

كما يشترط أن يكون لدى الدولة المستضيفة شبكة متطورة من المواصلات والطيران والاتصالات وغرف فندقية على مستويات مختلفة لاستيعاب عدد كبير من المشاركين. يجب أن تتوفر كافة المرافق الحيوية في المدينة المضيفة مثل الأمن والمستشفيات ومراكز التطعيم وغيرها. وهي أشياء تتوفر جميعًا بمعايير تتوافق مع المعايير الدولية داخل الدولة المصرية بشكل عام وبمدينة شرم الشيخ المستضيفة للمؤتمر بشكل خاص.

+ posts

باحث ببرنامج السياسات العامة

د. عمر الحسيني

باحث ببرنامج السياسات العامة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى