السودان

كيف نظر العالم لمحاولة الانقلاب الفاشلة في السودان؟

مثّلت محاولة الانقلاب التي شهدها السودان في الحادي والعشرين من سبتمبر 2021، محطة التفاف إقليمي ودولي حول دعم استقرار السودان والدفع في آلية تسليم السلطة والتحول للحكم المدني، وفقًا لما نصت عليه الوثيقة الدستورية التي توافقت عليها كافة المكونات العسكرية والسياسية أكتوبر 2019، وجاءت تلك المحاولة لتلقى رفضًا كبيرًا من الاهتمام الإقليمي والدولي لاتساع دائرة المتورطين في هذا الانقلاب، إلى جانب خطورة هذا التحرك على مسار التحول الديمقراطي بالسودان.

ولعل تلك المحاولة الفاشلة الناتجة عن تحرك ضباط من سلاح المدرعات بقيادة اللواء عبد الباقي بكراوي لم تكن المحاولة الأولى من نوعها، فقد شهد السودان منذ الإطاحة بنظام البشير نحو 6 محاولات انقلابية، غير أن تلك المحاولة لاقت اهتمامًا واسعًا على الصعيدين الإقليمي والدولي.

التحول الديمقراطي والمعادلة الصعبة

إن المتأمل لمحاولة الانقلاب العسكري التي كانت تستهدف بالإطاحة بالمجلس الانتقالي في السودان والاستيلاء على السلطة، يجد أنها تتزامن مع تفاهمات الوثيقة الدستورية الموضوعة سلفًا، واقتراب عملية انتقال السلطة إلى المكون السياسي المدني، في ضوء التحول الديمقراطي ومسار عملية السلام تمهيدًا لتشكيل المجلس التشريعي ووضع خارطة انتخابية محددة.

وفي أعقاب التحركات السودانية الرامية لتعزيز مسار التحول الديمقراطي، جاءت تلك المحاولة الانقلابية لضرب المكونين العسكري والمدني وعرقلة هذا المسار في ظل استغلال الظروف الاقتصادية والسياسية التي تعيشها السودان، والتوترات المسبقة لتلك المحاولة داخل شرق السودان وفي دارفور، مما عزز من فرص الالتفاف الدولي حول حتمية التعاون مع المجلس الانتقالي السوداني ودحض أي محاولة تحول دون استمرارية التحول الديمقراطي.

لذا وبناءً على السابق؛ جاءت الردود الإقليمية والدولية داعمة لمسار التحول ورافضة بشكل قاطع محاولة الانقلاب، وتجلى ذلك في الإدانات الواسعة من جانب الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية وكذلك الاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية والتي أعلنت دعمها للحكومة الانتقالية السودانية وأهمية محاسبة المتورطين في تلك المحاولة.

وجاءت تلك الإدانة الواسعة لتبرهن حساسية الموقف في السودان والدعم الدولي للحفاظ على مكتسبات العملية السياسية ومراحل الانتقال الديمقراطي، وحث كافة الأطراف في مواصلة الالتزام بالعملية الانتقالية وتحقيق الاستقرار والديمقراطية والعمل على استكمال الاستحقاقات المختلفة للعودة إلى حالة استقرار كامل داخل السودان.

الثورة المضادة ومخاوف التصعيد

من خلال تتبع المواقف الإقليمية والدولية، برز خلالها اهتمام عام حول أهمية تحقيق تطلعات الشعب السوداني، علاوة على إبداء المساعدات الاقتصادية والأمنية كما جاء في بيان الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما يُفهم منه أهمية مجابهة التحركات الشعبية في المناطق الحرجة، كما هو الحال بالنسبة لشرق السودان والدعوات المتكررة للانفصال لمنطقة “البجا” وكذلك المساعي لقطع الطرق الحيوية والموانئ، وما يعكسه ذلك من تضرر للاقتصاد السوداني، لذا جاءت تلك الدعوات لحث الإدارة الانتقالية للتركيز على القضايا الداخلية التي من المحتمل أن تُعيد تفجير الأوضاع مرة أخرى داخليًا.

واتصالًا بالسابق؛ برز ارتفاع غير مسبوق لنشاط حزب المؤتمر الوطني (الحزب الحاكم إبان نظام البشير)، في التحرك الميداني لإحداث اختراق في خضم المشهد السياسي وزعزعة الاتصال النوعي بين كل من المكون العسكري في المجلس الانتقالي وبين المكون السياسي، والوصول إلى حالة من عدم الاستقرار وانسداد الأفق السياسي في خضم تلك المرحلة الحرجة، وبرز ذلك في مؤشرات متعددة من بينها كون القائم والمحرك لعملية الانقلاب العسكري كان ينتمي لحزب المؤتمر الوطني وأحد الداعمين لنظام البشير، إلى جانب تورط آخرين في تحريك القبائل بشرق السودان، مما دفع دول الترويكا(أمريكا وبريطانيا والنرويج) للتلويح بالتعاون الوثيق والدفاع بحزم عن الحكومة الانتقالية والشعب السوداني.

ودحضًا لتلك التحركات وترسيخًا لما اتخذته سودان ما بعد البشير من خطوات نحو الانتقال السلس، تعهدت الأمم المتحدة ودول الترويكا، بالوقف بحزم مع الحكومة الانتقالية لإنجاح التحول المدني الذي تشهده السودان، والإسراع في مسار إنشاء المؤسسات الانتقالية خاصة التشريعية منها، وإيلاء الاهتمام لمعالجة التوترات في الشرق السوداني.

جرس إنذار ووضعية معقدة

تُمثل محاولة الانقلاب العسكري في السودان مع اتساع دوائر التواصل بين الوحدات العسكرية كما جاء في هذا الانقلاب الذي ضم ضباط ومجندين من أسلحة مختلفة داخل القوات المسلحة السودانية، لتفرض وضعًا حرجًا داخل المؤسسة العسكرية وبمثابة إنذار خطر للمجلس الانتقالي السيادي في السودان.

الأمر الذي يتطلب معه العمل بحزم في التعاطي مع القضايا المتشابكة بين المكون المدني والعسكري، خاصة بعدما تصاعدت نبرة التعويل على الطرف الآخر وإلصاق حالة الإخفاق إليه، كما جاء في تصريحات “عبد الله حمدوك” رئيس الوزراء السوداني في يونيو بالتعويل على أن الوضع المتدهور بالسودان ناجم عن التنافر بين المكونات العسكرية وعدم توحيد المكون العسكري تحت جيش واحد وقيادة واحدة، وهو ما لاقى تعويلًا موازيًا من جانب المكون العسكري تجاه هذا المكون السياسي بالتعويل عليه لما آلت إليه الأوضاع وحالة العجز في معالجة القضايا الهامة للشارع السياسي.

وفي ظل ذلك المشهد المعقد، جاءت التحركات الميدانية في شرق السودان وفي دارفور، لتفرض مسارًا إجباريًا على المكونين في مزيد من التنسيق والتعاون لمعالجة تلك القضايا، بما يحول دون تدهور الأوضاع الأمنية والسياسية، خاصة وأن السودان ورث تركة غاية في التعقيد والصعوبة من النظام السابق، علاوة على القضايا الحرجة الأخرى الضاغطة على الأمن القومي السوداني كما هو الحال بالنسبة لقضية الحدود وملف سد النهضة، وهو ما يستوجب معه التنسيق وإنهاء ملف السلام مع الحركات المسلحة وإيجاد آلية لتحقيق تفاهمات ووضع استراتيجية لدمج كافة المكونات المسلحة بكيان واحد.ختامًا؛ يمر السودان بمرحلة صعبة في ضوء الأوضاع الاقتصادية والسياسية المتأزمة في عدد من المناطق، تتطلب تكثيف الجهود لإتمام مرحلة الانتقال الديمقراطي واستكمال خارطة الطريق، ومن الواضح أن دول العالم والإقليم ترغب بصورة واسعة في ديمومة الاستقرار الداخلي في السودان وتدعم مراحل التحول الديمقراطي، خاصة وأن المصالح الإقليمية والدولية تتشابك بصورة كبيرة في وضعية الاستقرار السياسي السوداني، ومن غير الواضح أن هناك أطرافًا خارجية تريد زعزعة الاستقرار ودعم هذا المسار التخريبي، باستثناء دول جوار إقليمي ترغب في تبديل معادلة القوة في المشهد السياسي لمصالح تتواءم مع مصالحها.

+ posts

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى