
الفجوة بين الجنسين.. الأجور وساعات العمل
يحتل تمكين المرأة ومساهمتها في سوق العمل موقعًا متقدمًا على سلم أولويات كثير من الدول، لما لهُ من دور كبير في الحد من الفقر في المجتمع وتحقيق التنمية البشرية المستدامة، وارتفاع مستوى معيشة الأسرة، علاوة على ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي بشكل عام. ولكن لا يمكن أن تحقق المرأة هذا الدور إلا من خلال أعمال دائمة آمنة قائمة على عدم التمييز بين الرجال والنساء سواء في الأجر أو في عدد ساعات العمل ويلقي هذا المقال الضوء على حال المرأة في سوق العمل وفجوة الأجور بين الجنسين.
تعريف الفجوة في الأجور
يشير مصطلح الفجوة بين الجنسين إلى الاختلاف في متوسط الدخل الإجمالي للموظفين الرجال عن النساء والتمييز على الأساس الجندري، حيث يحصل الرجال على راتب أكثر من النساء بغض النظر عن أدوارهم أو وظائفهم وكفاءتهم. ويمكن أن تحدث الفجوة لعدة اسباب:
أولًا؛ الثقافة والأعراف التي تلعب دورًا أساسيًا في تحديد أجر النساء في سوق العمل، حيث يعتقد نسبة من المجتمع بعدم أحقية المرأة في الحصول على وظيفة ملائمة لأن وظيفتها الأساسية تكمن في رعاية المنزل والأسرة وحتى إذا لزم خروج المرأة للعمل لاعتبارات معيشية فحينها يجب أن تكون الأولوية في التشغيل والأجر للرجال دون النساء نظرًا لأن مسئوليات الرجل أكبر في الإنفاق على أسرته.
ثانيًا؛ التمييز تجاه الوظائف التي تعمل بها النساء عن الرجال، حيث تتواجد النساء بكثرة في المهن ذات الأجور المنخفضة كالصحة والتعليم والتي تصنف تحت المهن النسائية مقارنة بتواجد الرجال في المهن ذات الأجور المرتفعة كالمهن الاقتصادية وادارة المؤسسات المالية والمناصب العليا خلافًا عن حظر أكثر من 30 مجال للعمل على السيدات بناء على القرار الوزاري رقم 155 لسنة 2002 الصادر من وزارة القوى العاملة.
ثالثًا؛ متطلبات الأسرة والإنجاب، حيث تميل المرأة أو تجبر إلى التركيز على العمل بدوام جزئي وفي وظائف معينة بأجر أقل من نظيرها الرجل، لتحقيق التوازن بين تحقيق طموحها ومتطلبات أسرتها، إضافة إلى حصول المرأة على إجازات الوضع ورعاية الطفل يؤدي إلى فقد وظيفتها أو تأخر ترقياتها وبالتالي انخفاض أجرها وثباته عند درجة وظيفية معينة خاصة في القطاع الخاص.
رابعًا؛ تنضم المرأة إلى سوق العمل في سن متأخر عن الرجل وذلك للواجبات العديدة التي تقوم بها المرأة وبحثها عن العمل الذي يلائم احتياجاتها ومسئولياتها مما يؤدي إلى أن الأقدم وصاحب الخبرة يحصل على راتب أعلى حتى لو كانت على نفس الدرجة الوظيفية، وبالتالي كبار السن من الرجال يحصلون على رواتب أعلى من النساء الأصغر سنًا.
خامسًا؛ الثغرات القانونية في تحديد الأجور، حيث كفل القانون عدم التمييز في الأجور الأساسية فقط مما يسمح للمؤسسة بالتلاعب في تحديد الأجور بناء على الامتيازات مثل البدلات والمكافآت وغيرها التي تؤدي بدورها إلى تفاوت الأجور بين النساء والرجال.
تأثير الفجوة بين الأجور
تعد الفجوة في الأجور سبب من أسباب عدم المساواة بين الجنسين وتعتبر أيضًا من أبرز النتائج، والجدير بالذكر أن تأثير تلك الفجوة يمتد للأسرة بأكملها خاصةً إذا كانت المرأة هي المعيلة. وفي المجمل تزيد تلك الفجوة من معدلات الفقر بين النساء وانهيار مستوى المعيشة لهن.
الفجوة بين الأجور دوليًا
تعتبر مشكلة تفاوت الأجور بين الرجال والنساء مشكلة عالمية تعاني منها الدول المتقدمة والنامية على حد سواء، وحسب الأمم المتحدة فتقدر فجوة الأجور بين الجنسين ما يقرب من 23% على مستوى العالم، وتتركز النساء في الأعمال ذات الأجور المنخفضة والغير مؤمنة، كما تؤدي النساء أعمالًا منزلية ورعاية غير مدفوعة الأجر بمقدار مرتين ونصف على الأقل مقارنة بالرجال، وتتسع الفجوة بين الأجور سنويًا بسبب استمرار الفقر وعدم المساواة والحرمان في الوصول إلى الموارد والفرص مما يحد من قدرات النساء، وتشير الأمم المتحدة أيضًا أن بهذا المعدل سوف تستغرق دول العالم السبعون عامًا القادمة في سد تلك الفجوة.
الوضع الراهن
أصدر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أغسطس 2021، النشرة السنوية لإحصاءات التوظف والأجور وساعات العمل، وقد سجلت النشرة تفاوت بين أجور الإناث والذكور في كل من القطاع العام والأعمال العام والقطاع الخاص، فكان متوسط أجر الذكور 940 مقابل 776 للإناث، وبلغ متوسط أجر الذكور في القطاع الخاص 911 جنيهًا في 2020، مقابل 745 جنيهًا للإناث.
وقدر متوسط ساعات العمل الأسبوعية للعاملين بالقطاع العام والأعمال العام والقطاع الخاص لعام 2019، حوالي 53 ساعة، وبلغ معدل متوسط الساعات 49 ساعة للرجال مقابل 50 ساعة للإناث في القطاع العام وتساوت عدد ساعات العمل في القطاع الخاص بين الجنسين وبلغت 57 ساعة.
وقد أظهرت نتائج مسوح القوى العاملة في فترة السنوات من 2010 إلى 2016، أن متوسط الاجر الأسبوعي للذكور يزيد عن الإناث في القطاع الخاص.

متوسط رواتب الذكور على الإناث في القطاعين العام والخاص لأعوام 2016-2017-2018
يوضح الشكل المرفق، تباين معدل تفاوت الأجور بين الجنسين برغم المكاسب التي حققتها المرأة المصرية على كافة المستويات خلال السنوات الماضية، ولهذا التفاوت تداعياته السلبية لا سيما فيما يتعلق برواتب التقاعد الخاصة بالنساء، وبالتالي تكون النساء الأكبر سنًا أكثر عرضة لمواجهة الفقر.
في ضوء ما سبق فإن المشاركة الفعّالة للمرأة في مجالات سوق العمل المختلفة، يُعد مطلبًا أساسيًا لتحقيق المساواة والتنمية، وعلى الرغم من التقدم الملموس الذي تم إحرازه لزيادة معدل التمكين إلا أن النساء لا يزلن في حاجة ماسة إلى وظائف آمنة بأجور ثابتة ومتساوية قائمة على الكفاءة بغض النظر عن النوع، ويمكن تحقيق ذلك عن طريق الآتي:
- إلزام المؤسسات التابعة للقطاع العام والاعمال العام والقطاع الخاص بتقديم تقارير سنوية للأجور قائمة على النوع وذلك لخلق أكبر قدر من الشفافية بشأن الفجوات العامة في الأجور بين الجنسين والعمل على تقليصها وخلق تمثيل أكثر توازنًا في الأجور.
- وضع معايير واضحة وشفافة لمعالجة كل ما يؤدى إلى التفاوت في الدخول تشريعيًا وإداريًا.
- بذل المزيد في تعليم الفتيات وتطويرهن وإلحاقهن بسوق العمل في سن صغير.
- أن تعمل الحكومة علي زيادة التمثيل المناسب للمرأة في مجالس إدارة الشركات المملوكة للدولة والمؤسسات العامة.
- دراسة تطبيق ترتيبات العمل من المنزل وساعات العمل المرنة للنساء في القطاعين العام والخاص دون التأثير على الأجر.
باحثة ببرنامج السياسات العامة



