
الاقتصاد المصري في ست سنوات من حكم السيسي
شهدت مصر في أعقاب ثورة “25 يناير” أزمة اقتصادية خانقة طالت جميع مناحي الحياة، كادت تنال من كيان الدولة نفسه، فعلى المستوى الكُلي انخفضت مُعدلات النمو، وارتفعت مُعدلات التضخم والبطالة، وهربت الاستثمارات الأجنبية وتوقفت المحلية، وعلى مستوى الموازنة العامة ارتفعت المصروفات وانخفضت الإيرادات فارتفع العجز والدين العام، مصحوبًا بانخفاض الاحتياطي النقدي لمستويات حرجة غير مسبوقة.
لكن الوضع تبدل بعد بناء المؤسسات الدستورية للدولة في أعقاب ثورة “30 يونيو”، وخاصة بعد تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي رئاسة الجمهورية وسعيه الحثيث لتبني برنامج الإصلاح الاقتصادي، إذ سلكت المؤشرات السابقة الاتجاه العكسي بوتيرة سريعة، مما أسفر عن تحسن بالغ في الوضع الاقتصادي العام حظي بإشادة المُنظمات المالية، والمؤسسات الاستثمارية العالمية، هذه الإصلاحات مثلت شبكة أمان الاقتصاد المصري في مواجهة صدمة جائحة كورونا التي ضربت الاقتصاد العالمي، وجعلت صندوق النقد الدولي في أوج الأزمة يتوقع نمو الاقتصاد المصري بمُعدل 2% خلال عام 2020 في ذات الوقت الذي توقع فيه انكماش الاقتصاد العالمي بنسبة -3%.
ولعل أبزر مظاهر هذا التحول وهو ما تنطق به المؤشرات الاقتصادية الكُلية حيث ارتفعت مُعدلات النمو الاقتصادي خلال النصف الأول من العام 2019 إلى 5.6% من مُعدلات 5.3% خلال كامل العام 2018، مُقارنة بـ 2.9% خلال العام 2014 الذي تولى فيه الرئيس مقاليد الحكم، وتُعتبر تلك المُعدلات هي الأعلى مُنذ العام 2008 حينما كان الاقتصاد المصري مُحررًا من جميع القيود وبلا أية تحديات تُعرقل نموه بعكس ما يُعانيه الآن من عدم يقين عالمي وحرب تُجارية شرسة بين الولايات المُتحدة والصين.
وشهدت مُعدلات التضخم تراجعًا ملحوظًا بنهاية عام 2019 وبداية 2020 لتصل خلال كامل 2019 إلى 13.9% فقط، بعد أن كانت قد بلغت أعلى مُعدلاتها على الإطلاق خلال عام 2017 بما يُجاوز 23% مدفوعة بتحرير سعر صرف الجنيه أمام الدولار، ويرجع ذلك في الأساس لتراجع مُعدلات التضخم في مجموعة المواد الغذائية الأساسية وخاصة أسعار الخضر والفاكهة واللحوم والدواجن والرعاية الصحية، إذ تقتص هذه المجموعة من السلع والخدمات أكثر من 60% من إنفاق المصريين، لذلك شعر المصريون خلال الرُبع الأول من عام 2020 بهذه الانخفاضات فعليًا قبل أن تضرب جائحة كورونا وتؤثر على أسعار السلع الغذائية عالميًا.
لابد كذلك من التعرض لما أنجزته الدولة على صعيد مُكافحة مُعدلات البطالة حيث كانت قد بلغت في عام 2014 أعلى مُعدلاتها مُنذ عام 1990 عند مستوى 13.4%، لتنخفض كذلك بأسعار وتيرة مُسجلة في خلال الأعوام التالية وتبلغ مستوى 8.6% خلال كامل 2019، ويرجع الفضل في ذلك إلى ما تبنته الدولة من مشاريع قومية عملاقة في قطاعي التشييد والنقل والمواصلات إذ نفذت الدولة برنامج تريليوني لتشيد مجموعة من المُدن الجديدة أهمها العاصمة الإدارية ومدينة العلمين من فئة الجيل الرابع الذي ينقل بما يخدم الأهداف التنموية والاستثمارية للبلاد ويحولها لمركز مالي إقليمي يربط بين إفريقيا والعالم الخارجي، يُضاف إلى ذلك المشروع القومي للطُرق بأطوال 4.5 ألف كم وبتكلفة تزيد عن 75 مليار جنيه، ما جعل مصر تقفز 90 مركزا من 118 إلى 28 في الترتيب العالمي لمؤشر جودة الطرق خلال 5 سنوات.
وتشير جميع مؤشرات المالية العامة إلى تحسن كبير في أدائها إذ ارتفعت الإيرادات بمُعدلات أعلى من المصروفات، كما استطاعت الموازنة العامة تحقيق فائض أولي لثلاثة أعوام مُتتالية بداية من العام المالي 2017/2018، لكن المؤشر الوحيد الذي يُثير التحفظات هو ارتفاع مُعدلات الدين العام رغم كونه في المنطقة المسموح بها من ناحية ومن ناحية أخرى انخفاضه مُقارنة بالناتج المحلي الإجمالي، يُضاف إلى ذلك ارتفاع قُدرة مصر المُزايدة على الوفاء به في ضوء ارتفاع الاحتياطي النقدي من العُملات الأجنبية من ناحية، وارتفاع التصنيف الائتماني الحكومي المصري مع استمرار النظرة الإيجابية للاقتصاد المصري من جانب مؤسسات التصنيف الدولية، فعلى صعيد أداء الموازنة فقد حققت فائضا أوليا لأول مرة مُنذ تسعينيات القرن الماضي في العام 2017/2018 بإجمالي 4.8 مليار جنيه، ثم حافظت على هذا الأداء في العامين التاليين لتُحقق 103 مليار في 2018/2019 و 123.9 مليار جنيه في العام 2019/2020، وكان يجب لهذا الاتجاه أن يكتمل لولا الجائحة.
أما الدين العام فقد شهد اتجاهًا متواصلًا للارتفاع، ليبلغ في ديسمبر2019 ما إجماليه محليًا 3.86 تريليون جنيه وخارجيًا 112.6 مليار دولار، لكن هذا الارتفاع يجد تفسيره في الإنفاق الضخم الذي تنفذه الدولة وهو ما كان ضروريًا لدفع مستويات النمو والخروج من التباطؤ الذي شهده الاقتصاد المصري إبان فترة ما بين الثورتين، وما يدعو إلى الطمأنينة بشأن الدين العام بدايةً؛ أن القسم الأكبر منه هو دين محلي بالجنيه، ثم انخفاضه كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي -رغم ارتفاعه كرقم- ليبلغ فقط 78.4% مع نهاية ديسمبر 2019، بعدما كان قد بلغ 90.2% بنهاية يونيو من ذات العام، أضف إلى ذلك ارتفاع التنصيف الائتماني المصري لدى مؤسسات التصنيف الرئيسية الثلاث، مع حفاظه على نظرة مُستقبلية مُستقرة، وأخيرًا نجاح استراتيجية الحكومة في تحويل القسم الأكبر منه أولًا إلى دين متوسط وطويل بعدما كان قصير الأجل، وثانيًا تحويله من دين لجهات استثمارية إلى دين للمُنظمات الدولية التي تُقرض بأكبر قدر من التسهيلات وأقل قدر من الفوائد، الأمور السابقة مُجتمعة ترفع من استدامة الدين وتُخفض من أعباء خدمته.
وفيما يخُص القطاع المصرفي فإن المؤشرات الرئيسية تُظهر بوضوح حجم الإنجاز المُحققـ وليس أدل على ذلك من ارتفاع سعر صرف الجنيه أمام الدولار ليبلغ في مطلع يونيو 2020 نحو 16.2 جنيه للدولار الواحد وذلك بعدما كان قد بلغ 18.7 جنيه في يناير 2017 على إثر تحرير سعر الصرف.
يذكر أن سعر صرف الجنيه حافظ على موجة ارتفاع أمام الدولار لمُدة 14 شهر مُنذ يناير 2019 وحتى فبراير 2020 عندما بلغ أدنى مستوياته منذ التحرير عند مُستوى 15.6 جنيه، لكن ما عكس هذا الاتجاه هو الضغوط الطلبية العارضة على الدولار نتيجة جائحة كورونا وما سببته أولًا من انفاق كبير غير متوقع من الاحتياطي النقدي وثانيًا انسحاب قدر كبير من استثمارات الحافظة في أدوات الدين المصرية مدفوعة بعدم اليقين الذي يلف الاقتصاد العالمي بشكل عام، لكنه من المتوقع بشدة أن يعكس اتجاهه ويعاود الارتفاع من جديد بمجرد انتهاء الجائحة وعودة التدفقات الدولارية من خلال مصادرها الرئيسية المُعطلة بسبب إجراءات الحظر واحتواء الجائحة.
وصاحب هذا الانخفاض السابق في سعر صرف الدولار انخفاض مُماثل في أسعار الفائدة مدفوع في الأساس بما سبق الإشارة إليه من انخفاض مُعدلات التضخم ومساعدة من انخفاض سعر الصرف وارتفاع الاحتياطي النقدي من العُملات الأجنبية، إذ كان المتوسط الشهري للإقراض لأكثر من عام مستوى 19.9% في يناير 2018 لكنه مُنذ ذاك اتخذ اتجاهًا هابطًا ليبلغ في إبريل 2020 أدنى مستوياته مُنذ التحرير عند 11.8%، وتعمل مستويات الفائدة المُنخفضة على تسهيل الاستثمار المحلي والأجنبي والذي يخلق من ناحية فرص عمل جديدة فيُخفض مستويات البطالة ومن ناحية يرفع مستويات الإنتاج فيدفع مُعدلات النمو، وكذلك يُخفض من أعباء خدمة الدين العام، ولذلك فإن ارتفاع سعر صرف الجنيه مع انخفاض مستويات الفائدة، عوامل أخرى تُضيف مزيدا من الطمأنينة بشأن ارتفاع مُعدلات الدين العام.
لعل من المُفيد كذلك عرض تطور الاحتياطي النقدي من العُملات الأجنبية لدى البنك المركزي المصري لتكتمل الصورة الكُلية للقطاع المصرفي، حيث كان قد شهد تدنيا كبيرا وبمُعدلات سريعة للغاية عقب ثورة يناير 2011 لينخفض بحلول يونيو 2013 إلى مستوى 14.9 مليار دولار بما يوفر فقط 3 أشهر من الواردات من السلع الأساسية، وذلك بعدما كان قد بلغ 35.2 مليار في يونيو 2010، وعند تولي الرئيس في يونيو 2016 كان قد استقر عند مستوى 16.6 مليار دولار، وفي غضون السنوات الست ينجح في رفعه إلى مستوى 45.5 مليار دولار في يناير وذلك بنسبة 270% من مستوياته عند بداية فترة حكمه فيما يُشبه إعجازا لم يكن يتصوره أكثر المُتفائلين بالإجراءات المُتخذة والمشجعون لها وكان ذلك المستوى يؤمن 8.6 شهر من الواردات الأساسية، لكن الضغوط الإنفاقية التي تُصاحب الجائحة الحالية ضغط على الاحتياط لينخفض إلى 37 مليار دولار في ابريل 2020، وهو ما يزال يوفر 7 أشهر كاملة من السلع الأساسية.
هذه المؤشرات السابقة كانت ستبقى مُجرد أرقام بلا معنى إذا كان الاقتصاد المصري قد تعرض لهزة كُبرى تحت تأثير صدمة كورونا، لكن العكس تمامًا هو ما حدث إذ تلقها واقفًا على قدميه مُستندًا على أساسات صلبة، جعلت مصر خالية من مشاهد تقاطر المواطنين على المُجمعات الاستهلاكية للحصول على المُنتجات الغذائية أو المخابز بسبب عدم توافر الخبز، إذ نجحت الحكومة في توفير ذلك مُنذ بداية الأزمة على عكس ما حدث في بعض البلدان الأكثر تقدمًا، ولعل ذلك يُشير إلى أكبر نجاح اقتصادي للرئيس خلال فترة حكمه وهو نجاحه في إعادة صياغة الاقتصاد المصري بكامله وتصحيح هياكله ووضعه على الطريق الصحيح للنمو والخروج من أزمته، بحيث يكون قادر على التعامل مع الأزمات واستغلال الفرص.
هذا النجاح هو حقيقة ما يُفسر التوقعات الكبيرة للاقتصاد المصري قبل الجائحة بالوصول للمرتبة العاشرة عالميًا في عام 2035 من حيث الناتج المحلي الإجمالي وفقًا لعدد من المؤسسات الاقتصادية من ابرزها بلومبرج، وفي ظل الجائحة باتخاذ اتجاه صعودي في حين اتجهت جميع الاقتصادات الكُبرى للهبوط تحت ضغوطها، ورغم أن الاقتصاد المصري ما زال بحاجة كبيرة للعمل -خاصة- على أطره الحاكمة للقطاع الخاص والاستثمار الأجنبي، إلا أن ما أنجز في فترة السنوات الست الماضية يجعلنا نطمئن أنه في حالة استمرار الإنجاز بذات المُعدلات خلال السنوات الست المُقبلة سننتقل بالفعل إلى لائحة الاقتصادات العشرين الكُبرى، حتى قبل حلول أجل التوقعات السابقة.



