شرق المتوسطسياسة

“تفاهمات مٌعلنة”.. رسائل ودلالات القمة المصرية القبرصية

أسست القمة المصرية القبرصية (4 سبتمبر) لمرحلة أكثر تطورًا من التعاون بين البلدين، وأكدت على طبيعة العلاقة الاستراتيجية بينهما، حيث يُنظر لتلك العلاقة كونها ضمن العلاقات الثنائية الممتدة والضاربة بجذورها عبر التاريخ، والتي تعود لأكثر من ستين عامًا، والتي تأسست في اعقاب التعاون والتبادل الدبلوماسي بينهما منذ عام 1960. وقد برهنت زيارة الرئيس القبرصي والوفد المرافق له على حدود التفاعل والتناغم بين البلدين وتوافق الرؤى حول القضايا محل الاهتمام المشترك.

رسائل ودلالات

 يمكننا الوقوف على عدد من الرسائل والدلالات المرتبطة بانعقاد هذه القمة، مرورًا بحدود التوافق بين البلدين ومستويات التعاون على مختلف الأصعدة وذلك فيما يلي

اولًا: مأسسة العلاقة، اكتسبت العلاقة بين البلدين زخمًا متزايدًا وتنامت بصورة ملحوظة خلال الأعوام السابقة، بحيث باتت القمم المشتركة تتخذ طابعًا اشبه بالكيانات المؤسسية، ما بدا من حرص الطرفان على دورية انعقاد تلك القمم سواء على المستوى الثنائي أو من خلال تفعيل التعاون الثلاثي بين مصر وقبرص واليونان، ما يمكن الإشارة إليه من خلال الوقوف على حجم الزيارات المتبادل بينهما سواء على المستوى الرئاسي أو الوزاري، فمنذ عام 2014 زار الرئيس القبرصي مصر نحو خمس مرات، أولها في نوفمبر 2014، وجاءت الزيارة الخامسة في سبتمبر 2021.

 من ناحية أخرى ؛ زار الرئيس عبد الفتاح السيسي العاصمة القبرصية ثلاث مرات اخرها في أكتوبر 2020. والمتابع لتلك الزيارات والقمم يلاحظ انعقاده سنويًا، إذ شهدت الأعوام منذ 2014 وحتى 2021 نحو ثمان زيارات متبادلة على المستوى الرئاسي، بخلاف الزيارات الأخرى على مستوى الوزراء ورؤساء البرلمان من الطرفين.

ثانيًا: تعزيز التكامل الإقليمي، نجحت القاهرة في توسيع دائرة سياستها الخارجية تجاه دول شرق المتوسط خلال السبع سنوات الماضية، وقد كانت العلاقات المصرية القبرصية أحد تلك النجاحات، إذ استطاع الطرفان تعزيز الشراكة الاستراتيجية بينهما، واضفاء الطابع التكاملي على العلاقة بين القاهرة ونيقوسيا، سواء من خلال تصديق الرئيس السيسي (سبتمبر2014) على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بينهما بهدف تنمية وتعزيز التعاون بين البلدين في مجالات الطاقة، او من خلال تعزيز التعاون العسكري عبر عقد عدد من التدريبات المشتركة على غرار المناورة العسكرية ” ميدوزا” والتي بدأت عام 2015 حتى وصلت لنسختها العاشرة (ديسمبر2020)، علاوة على  التنسيق المستمر بين وزراء الدفاع للبلدين في قضايا الأمن والدفاع بغرض مواجهة التحديات والتهديدات المشتركة وهو ما تم تأكيده عبر توقيع اتفاق التعاون العسكري الثلاثي ( إبريل 2021) بين  مصر وقبرص واليونان.

من ناحية أخرى؛ اتخذ الطرفان عدة خطوات لدعم المسار التكاملي بينهما من خلال تعزيز آليه التعاون الثلاثي والتي تأسست (نوفمبر2014) بين مصر وقبرص واليونان، أو من خلال المشاركة في عدة تجمعات وكيانات تنظيمية ومؤسسية على غرار عضوية الطرفين في منظمة غاز شرق المتوسط، ومنتدى الصداقة الذي تشكل في العاصمة اليونانية (فبراير2021)، الامر الذي يُظهر حدود وحجم التنسيق بين مصر وقبرص ويؤكد على طبيعة تلك العلاقات وعمقها.

ثالثًا، توسيع دوائر التعاون، شهدت القمة نقلة نوعية في العلاقة بين الطرفين، حيث تم تدشين اللجنة العليا للتعاون الثنائي على المستوى الرئاسي للمرة الأولى، ما يعني إضفاء مزيد من الأهمية والارتقاء بمستوى العلاقات بصورة غير مسبوقة، والعمل على توسيع مجالات ودوائر التعاون، الامر الذي يمكن ملاحظته من خلال الوفد القبرصي المرافق للزيارة، والذي اتسم بقدر كبير من التنوع، سواء من خلال مشاركة وزير الخارجية، والدفاع، والطاقة، والتجارة، والتعليم، والثقافة، والزراعة والتنمية الريفية والبيئة، علاوة على نائب وزير النقل البحري والمتحدث الرسمي باسم الحكومة، ما يدل على الرغبة المتبادلة في توسيع نطاقات التعاون الثنائي متعدد الأوجه في مختلف القطاعات بين البلدين.

رابعًا: التأكيد على محورية الطاقة، شكل التعاون في مجال الطاقة والعمل على الاستفادة من ثروات شرق المتوسط مدخلًا لتعزيز العلاقة بين الطرفين، إذ يعمل الطرفان على تحقيق أكبر قدر من المكاسب في هذا المجال، خاصة في ظل الوفرة في الثروات الهيدروكربونية التي تتمتع بها مصر والتي تضعها كأكبر احتياطي من الغاز الطبيعي في منطقة شرق المتوسط، علاوة على البنية التحتية المتوافرة لديها والتي تساعدها في التحول لمركز إقليمي للطاقة، وعليه ساهمت تلك المقومات في تعزيز التعاون في مجال الطاقة بين البلدين، الامر الذي تم ترجمته عبر توقيع اتفاقية( سبتمبر2018) تسمح بإنشاء خط انابيب بحري لنقل الغاز من حقل افروديت القبرصي لمنشآت الاسالة في مصر بهدف تسييله ومن ثم نقله لأوروبا.

كما يعمل الطرفان على استكمال مشروع الربط الكهربائي بين البلدين خلال الشهر الجاري، وذلك ضمن مساعي تفعيل اتفاق التعاون الإطاري بشأن الربط الكهربائي بين مصر وقبرص واليونان عبر جزيرة كريت والذي تم توقيعه (مايو 2019)، وقد يساهم هذا المشروع في توسيع مشاريع مصر لنقل الكهرباء لأوروبا بشكل عام، على غرار المشاريع القائمة بين مصر وكل من ليبيا والسودان والأردن في ذات المجال.

خامسًا: دعم الثوابت المشتركة، أوضحت القمة حدود التوافق بين البلدين والتي وصلت لحد التطابق في الرؤى في أبرز القضايا، وفي مقدمتها دعم وتعزيز الاستقرار في منطقة شرق المتوسط، والابتعاد عن توظيف الأداة العسكرية في إدارة التفاعلات في تلك المنطقة، وذلك من خلال التأكيد على جملة من الثوابت، خاصة ما يتعلق باحترام القانون الدولي والاتفاقيات المتعلقة بترسيم الحدود وتحديد المناطق الاقتصادية الخالصة بين مصر وقبرص ومصر واليونان. علاوة على التأكيد على موقف مصر الداعم للقضية القبرصية. من ناحية أخرى أظهرت القمة الرؤية المشتركة بشأن الازمة الليبية وتأكيد الطرفين على ضرورة انهاء الصراع واستكمال المسار السياسي وتجنب أية عراقيل يمكن أن تحول دون استكمال خارطة الطريق، يضاف لذلك موقفهما من القضية الفلسطينية، وقضايا الإرهاب والهجرة غير الشرعية.

في الأخير، تتمتع العلاقة بين مصر وقبرص بخصوصية شديدة، بحيث أصبحت تلك العلاقة تدخل ضمن نمط الشراكات الاستراتيجية، وقد شهدت السنوات الماضية تزايدًا لمساحات التفاهم والقواسم المشتركة بين البلدين، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على موافقهم من القضايا المحورية محل الاهتمام المشترك، ويبدو أن تدشين اللجنة العليا على المستوى الرئاسي ستدفع نحو مزيد من التعاون والتنسيق في المراحل القادمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى