
النهب الممنهج .. من حلب السورية لترهونة الليبية والفاعل واحد
ربما لم تشهد مدينة من بعد الحرب الباردة، حركة الألوية المدرعة والمشاة الميكانيكي ذهاباً وإياباً بين أحيائها وشوارعها العتيقة الضيقة؛ كما شهدت مدينة حلب. عاصمة سوريا الاقتصادية قبل بدء الحرب، وأكبر مدن الشمال. إذ حولتها مكانتها الاستراتيجية في مسارات حروب المدن والسعي نحو إحكام السيطرة علي خطوط الإمداد لساحة اقتتال جُربت فيها مختلف أنواع الأسلحة، القديم منها، والمطور محلياً، والحديث علي القوة الصاروخية الجوالة بنخستيها الأمريكية “توما هوك” والروسية “كاليبر”.
حلب، إنها المدينة التي وقفت فيها جحافل الجيوش الإيرانية والتركية والسورية والروسية علي خط تماس، لكن ثمة وقوف يختلف في نمطه عن وقوف الجيوش الأخرى. حيث وقفت تركيا في حلب عبر وكلائها المحليين من التنظيمات المسلحة المنضوية تحت لواء المعارضة المعتدلة تارة، وتارة أخري المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بتنظيمي القاعدة وداعش. وقفت أنقرة في حلب بصورة أعادت للأذهان تحلل البنى التحتية في تشرنوبول بعد الكارثة النووية، لكن هذه المرة تحلل يقوم علي منهجية قرصنة وتدمير محددة سلفاً.
منذ العام 2012، حتي العام 2016، خرجت مدينة حلب عن سيطرة قوات الحكومة السورية، وخضعت لأنقرة عبر تنظيمات مسلحة تديرها الاستخبارات التركية. 4 أعوام كانت كفيلة بتفكيك قلعة الصناعة السورية بصورة شبه كلية، حيث فككت تركيا مئات المصانع السورية ووسائل النقل، ونُقِلت جميعها لتركيا، بحيث أصبح اعتيادياً أن يري السوريون منشآت وخطوط سكك حديد تُفَكك وتُباع خُردة في المحافظات التركية الحدودية.
وصلت ذروة عدد المصانع المسروقة في العام 2013 إلى نحو ألف معمل، وفق اتحاد غرف الصناعة السورية. أرسلت الحكومة السورية حينها رسالتين إلى مجلس الأمن والأمم المتحدة، واعتبرت تصرف تركيا من “أعمال القرصنة والجرائم العابرة للحدود” تستوجب رد فعل دولي، وطالبت بإلزامها إعادة المعامل إلى أصحابها ودفع تعويضات عن الأضرار التي لحقت بهم. وتُقدر القيمة الأولية لأعمال التفكيك والنهب بحق المكون الصناعي في حلب، بـنحو 5 مليارات و295 مليون دولار، واستندت هذه الاتهامات إلى تحقيق أجرته لجنة قانونية ضمت أعضاء من وزارتي العدل والصناعة السورية واتحاد غرف الصناعات وغرفة التجارة والصناعة في حلب. ويشير تقرير هذه اللجنة الصادر في مايو من العام 2016، إلى أن جماعات إرهابية استولت على المنشآت الصناعية داخل الأراضي السورية ونقلت بعدها المواد المنهوبة إلى تركيا.
ومع العمليات العسكرية التركية الرئيسية الثلاث في سوريا (درع الفرات – غصن الزيتون – نبع السلام) عادت مجدداً أعمال النهب والسرقة في المدن ذات المكون الكردي علي إيدي التنظيمات المسلحة المدعومة من تركيا.
طالت عمليات النهب والسرقة كذلك الأثار السورية في كل منطقة، حيث شوهدت عناصر من الجيش التركي رفقة عناصر من تنظيمات مسلحة موالية للاستخبارات التركية؛ تشرف علي نقل بعض قطع الأثار في منطقة عفرين بالتزامن مع استمرار عملية الاستحواذ علي الأراضي واحتلالها.
يُذكر أن المحكمة الأوروبية في ستراسبورغ قد قبلت شكوى مقدمة ضد رئيس الحكومة التركية في 22 أبريل 2014، بتهمٍ، من بينها التورّط في تيسير سرقة معامل حلب والضلوع في تدمير البنية التحتية للاقتصاد السوري.
المحكمة الأوروبية استقبلت الوثائق اللازمة من تسجيلات صوتية ومرئية ووثائق وأعطيت الرقم قبول 61869/13، وقامت بالتنسيق مع منظمة التحالف الدولي لمكافحة الإفلات من العقاب، مقرها برشلونة، لكن أي من محاولات التقاضي لم تسفر عن نتيجة مرجوة. كما كانت آخر عمليات النهب الكبرى في إدلب، وتحديداً في محطة زيزون الكهربائية. حيث تم تفكيكها بواسطة الحزب الإسلامي التركستاني الموالي لأنقرة وبيع مكوناتها لتجار أتراك – حسب مصادر محلية – لتغطية نفقاتهم.
ليبيا .. واجهة جديدة لمأساة حلب وعفرين
لم يكن الأمر مصادفة حين تصاعدت أعمال نهب المواطنين الليبين في قلب طرابلس من قبل عناصر المرتزقة السوريين منذ يناير 2020، حسبما أعلنت سابقاً الصحفية الأمريكية الاستقصائية “ليندزي سنيل”، حيث أعطت تركيا الأولولية لعناصر المرتزقة السوريين المنضوين تحت لواء فصائل “السلطان مراد – سليمان شاه – الحمزات – أحرار الشرقية”، أصحاب السمعة السيئة في عمليات القتل والنهب في مدن وبلدات منطقة العمليات العسكرية التركية بالشمال السوري.
كما تجدر الإشارة أن الجسر الجوي لنقل المرتزقة السوريين لم يتوقف بالرغم من دعوات وقف إطلاق النار منذ مؤتمر برلين. فمازالت أنقرة تستخدم الطائرات المدنية والعسكرية في نقل هؤلاء العناصر بالتوازي مع شحن بعضهم مع العتاد الثقيل في رحلات بحرية ترافقها فرقاطات صاروخية تركية بعرض البحر.
إلا أن ثمة نهب ممنهج كان بانتظار الأزمة الليبية، ويُعد الأكبر من نوعه منذ إبريل من العام 2019. وذلك في مدينة ترهونة، المعقل الأساسي لعمليات الجيش الليبي لتحرير العاصمة طرابلس والمدن التي تقع ضمن الجيوب العسكرية الضيقة لحكومة الوفاق في الغرب.
كان صمود المدينة ضد حصار ميليشيات الوفاق طوال ثلاثة أسابيع الماضية، وكذلك ضد ضربات المسيرات وأعمال الكر والفر، بمثابة رخصة لعناصر المرتزقة السوريين وعناصر الوفاق لممارسة أعمال قتل خارج إطار القانون، بالإضافة لسلب ونهب وصل صداه لأروقة الأمم المتحدة والغرف المغلقة لسفارات القوي الفاعلة في الأزمة الليبية في إسطنبول.
بحسب المتحدث بلسان الجيش الليبي، اللواء احمد المسماري، فإن أكثر من 20 ألف مواطن ليبي قد نزح من ترهونة باتجاه الشرق مع دخول ميليشيات الوفاق للمدينة التي شهدت عمليات نهب وسرقة طالت غالبية المرافق والممتلكات الخاصة والعامة.
بدورها أكدت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا في بيان لها انها تلقت تقارير عن اعمال سلب ونهب في مدينتي ترهونة والأصابعة والتي استولت عليهما حكومة الوفاق. وأوضح البيان وأوضح البيان “تلقينا عدة تقارير عن نهب وتدمير ممتلكات عامة وخاصة في ترهونة والأصابعة والتي تبدو في بعض الحالات أفعال عقاب وانتقام تهدد بتآكل النسيج الاجتماعي الليبي“.
كان وزير الداخلية الليبي في حكومة ميليشيا الوفاق، حذر القوات الموالية لحكومته، من ارتكاب أي أعمال انتقامية في المناطق التي تم استعادة السيطرة عليها، في إشارة إلى مدينتي ترهونة والأصابعة.
السفير الألماني راقب تبعات دخول الوفاق لمدينة ترهونة، وأبدى إنزعاج بلاده من عمليات الانتقام والقتل خارج القانون في المدينة.
لم تتخذ حكومة الوفاق أي من الإجراءات العقابية الرادعة لمثل هذه العمليات التي تكررت في البلدات والمدن التي سقطت بحوزتها منذ السيطرة علي قاعدة الوطية منتصف مايو الماضي، فاكتفي وزير داخلية الوفاق بالتحذير اللفظي فقط. اتسعت دائرة أعمال النهب والسرقة في ترهونة نظراً لما تحمله المدينة من رمزية كبيرة في علميات الجيش الوطني الليبي الرامية لمواجهة ميليشيات الوفاق التي تُدار من قبل أفراد مدرجين علي قوائم الإرهاب بالأمم المتحدة. ما يعيد لذاكرة المشهد، مأساة حلب ومصانعها، وعفرين، فالفاعل هناك وفي ليبيا واحد، ومشاهد السلب والنهب تكاد تتطابق.



