الصحافة الدولية

الأوراق تتساقط.. استقالة 129 ألف عضو من ” العدالة والتنمية” الحاكم في تركيا

في أحدث البيانات الصادرة عن المحكمة العليا في تركيا تبين تراجع عدد أعضاء حزب العدالة والتنمية الحاكم بحوالي 16 ألفًا خلال 50 يومًا فقط، وذلك وفقًا للبيانات التي أعادت نشرها صحيفة ” برجون” التركية المعارضة والتي أشارت أيضًا إلى ارتفاع أعداد الأعضاء في الأحزاب التركية المعارضة.

وتوافقت البيانات التي تم نشرها مع استطلاعات الرأي الأخيرة التي نشرت وبينت تراجع شعبية الحزب الحاكم ووصولها إلى مستويات غير مسبوقة، فقد وصلت الأعداد في الحزب الحاكم من 10 ملايين و211 ألفا و596 عضوا في 14 ديسمبر الماضي ، إلى 10 ملايين و195 ألفا و904 أعضاء، ما يعني انخفاض أعدادهم بمقدار 15 ألفا و692 عضوا خلال 50 يوما. وفي المقابل ارتفعت أعداد الأعضاء في الأحزاب المعارضة داخل تركيا مما يشير إلى منافسة محتدمة في الانتخابات المقبلة التي يرجح البعض إمكانية تقديمها.

ليست موجة الاستقالات الأولى

  سبق واقعة الاستقالات الجماعية الحالية من العدالة والتنمية موجة استقالات أخرى تم الإعلان عنها من قبل المحكمة العليا في تركيا في الرابع عشر من ديسمبر الماضي، بجملة استقالات بلغت في وقتها 114 ألف خلال أربعة أشهر فقط.

وجاء في البيان الصادر عن المحكمة آنذاك أن 56 ألفاً و260 عضواً استقالوا من الحزب خلال الفترة من 1 يوليو  إلى 6 سبتمبر  2019، فيما استقال 57 ألفاً و856 عضواً خلال الفترة من 6 سبتمبر  إلى 22 نوفمبر  الثاني الماضيين. وهذه الأرقام تشير إلى أن الحزب الحاكم خسر 129 ألفا  من 1 يوليو  2019 حتى 9 فبراير 2020.  وذلك نقلًا عن صحيفة ” يني جاغ” التركية.

أبرز الاستقالات

جاءت أبرز الاستقالات من الحزب في سبتمبر الماضي حين قدم ” داوود أوغلو” استقالته  قائلا إن “الحزب لم يعد قادرا على حل مشاكل تركيا ولم يعد مسموحا بالحوار الداخلي فيه”.  ولم يباعد استقالة أوغلو عن عن علي باباجان السياسي البارز سوى شهرين فقط في ما يشبه حملة استقالات وتأسيس أحزاب معارضة . وتكمن المعضلة في أن هذه الاستقالات جاءت وسط مناخ من التراجع شهده حزب العدالة والتنمية خلال الانتخابات المحلية الأخيرة في مدينة من أكبر المدن التركية وهي مدينة ” إسطنبول”

 وتعليقًا على الاستقالات الأخيرة قال ” سلجوق أوزداغ”  وهو نائب برلماني سابق للعدالة والتنمية  ونائب رئيس حزب “المستقبل” بزعامة أحمد داود أوغلو أن نسبة التأييد للرئيس التركي تراجعت بنسبة 30 % مشيرًا في نفس السياق إلى أن البلاد قد تشهد انتخابات مبكرة قبل عام 2023.ولفت إلى أن الأعضاء المستقيلين من الحزب الحاكم يطالبون بالانضمام للأحزاب المعارضة. ووضع كل ذلك في إطار أن البلاد قد تشهد انتخابات تشريعية مبكرة في مارس 2021.

تحالف المعارضة يحصد المزيد


بحلول نهاية عام 2020 ، قام حزب IYI   بحملة استهدفت 400 ألف عضو ونجح في ضم حوالي 40 ألف عضو جديد ليصل عدد الأعضاء فيه إلى حوالي 300 ألف، بينما تمكن حزب الشعب الجمهوري من تخطي حاجز المليون عضو . واعتبارًا من ديسمبر 2019 ، بدأ حزب المستقبل ، في السعي للحصول على تسجيل العضوية  ومع ذلك  لم تتم الموافقة حتى الآن في موقف يبدو أنه متعمد لحرمانه من المشاركة في الانتخابات القادمة.  كما  أن بلدية إسطنبول اتخذت قرارا بغلق مقر حزب رئيس الوزراء التركي الأسبق أحمد داوود أوغلو   بزعم عدم استيفاء تراخيص التجديد والتأميم المعماري للمقر.

وقد لجأ الحزب الحاكم لحيلة لم تؤت ثمارها حيث عمد إلى  توظيف عدد  من القيادات رفيعة المستوى ” غير الراضية” عن أداء الحزب الحاكم بمناصب مهمة في الدولة؛ لمنع استقالاتهم وانتقالهم للأحزاب السياسية المزمع تأسيسها، وأحد هذه الأسماء نعمان كورتولموش نائب رئيس الحزب.

لماذا تساقطت أوراق العدالة والتنمية؟

خلافات لم تكن وليدة اللحظة ، فتراجع الاقتصاد وخسارة الانتخابات المحلية إضافة إلى الاختلاف حول تعيين قادة الحزب خلافات داخلية زاد عليها أزمات أدوغان الخارجية  ،   تمثلت في صفقة   الطائرات الأمريكية F-35،  عطفاً على نهج أردوغان في طريقة إدارة الملف السوري، وذلك على الصعيدين السياسي والعسكري، إضافة إلى ملف الكرد وملف الإرهابيين الذين فُتحت لهم الاراضي التركية للعبور باتجاه الأراضي السوري، وخطر هؤلاء المستقبلي على الأمن التركي بالعموم.

طموحات أردوغان في السياسة الخارجية تجعل مستقبل العدالة والتنمية في تركيا غير متوقع، على أن البعض يشير إلى أن لفت النظر لقضايا الصراع الخارجي وإقحام تركيا في ملفات كثيرة هو محاولة لتشتيت الرأي العام الداخلي وصرف أنظاره عن الخسائر الاقتصادية والتضييق على الحريات، وبالغ أردوغان حينما صور الخلاف مع الولايات المتحدة حول الـ ” إس 400″ والصراع مع الأكراد بأنهما من نوعية الصراع الوجودي. وليس من المستبعد ان يتم وضع التدخل في ليبيا في نفس الإطار.

ولما لم تؤت استراتيجية الانشغال بالخارج ثمارها فقد لجأ الحزب الحاكم في تركيا إلى استراتيجية بديلة  تتمثل في تكثيف  التكتيكات المستخدمة   لإضعاف المعارضة، مثل إقالة ممثلي “الحزب الديمقراطي” المؤيد للأكراد، وأيضا إقالة ممثلين عن “حزب الشعب الجمهوري” من مناصبهم بحجة وجود تحديات قانونية أو جنائية، وذلك بحسب سينيم أدار، الباحثة في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية في برلين.

تركيا تستعد للمزيد من الاضطراب

وحسب تحقيق نشرته “الجارديان” فإن تركيا تستعد لعام مضطرب آخر في  الساحة الداخلية ، وعلى عكس التوغل الذي حدث في أكتوبر الماضي في الأجزاء التي يسيطر عليها الأكراد في سوريا ، فإن التدخل في ليبيا لا يحظى بتأييد كبير بين الجمهور التركي ، مما يزيد من التصدعات المحلية ضد ائتلاف الحكومة.

وعلى الرغم من أنه ليس من المفترض أن تجري تركيا انتخابات عامة حتى عام 2023 ، إلا أنه في ظل النظام الرئاسي الجديد في البلاد ، لن تحتاج تحالفات حزب المعارضة إلى الكثير من الجهد لهزيمة تحالف العدالة والتنمية.

 أحزاب المعارضة وقفت للتدخل في ليبيا بالمرصاد

 أعلنت أحزب المعارضة وعلى رأسها الشعب الجمهوري، وحزب الخير، والشعوب الديمقراطي الكردي، رفضها الاتفاق الأمني والعسكري بين تركيا وحكومة السراج، والتي تم تصديقهما من البرلمان. وقال حزب الشعب الجمهوري” مشروع القرار التركي لن يجلب إلا مزيدا من الأضرار لتركيا”.

ووصف القرار بأنه يفتقر للعمق والتاريخ والخبرة في وزارة خارجية، المبنية على دعم تنظيم الإخوان”.

بينما أشار حزب الشعوب الديمقراطي الكردي أن  الاتفاق بمثابة مذكرة حرب  ووصف الاتفاق بأنه “ضيق في الأفق السياسي والدبلوماسي”،  والذي يتنافى مع الحل السياسي الذي تدعو إليه القوى الدولية، إلى جانب الاختراقات التي قام بها نظام أردوغان للاتفاقات الدولية وقانون حظر الأسلحة من خلال إرسال كميات كبيرة من الذخيرة والأسلحة الثقيلة.

بينما أكد حزب الخير أن  الاتفاق يزج بالجيش التركي في حرب لا علاقة لها بها ووصف الموقف التركي بأنه لحماية أخر معاقل الإخوان المسلمين الإرهابية والمتمثلة في حكومة السراج، ومحاولة إضفاء الشرعية على حكومة السراج .

الحزب الحاكم يخسر 38 % من جمهور الناخبين

على خلفية هذه التصدعات قام محمد علي كولات، مدير شركة الاستطلاعات “ماك”، بنشر دراسة تفيد بأن هناك ما لا يقل عن 25% من الذين صوَّتوا لصالح حزب العدالة والتنمية في الانتخابات الأخيرة تحولوا إلى شريحة المترددين.

هذا بالإضافة إلى أن من  10-13% سيمتنعون عن التصويت، وبالتالي فقد خسر حزب العدالة والتنمية  نسبة تصويت من  35% – 38% من إجمالي الناخبين المؤيدين للحزب، ولذلك فإن حكومة أردوغان  عمدت إلى محاولات جذب المعارضة من خلال مقابلة الأحزاب المعارضة وعلى رأسها حزب الشعب الجمهوري الذي أصبح يتمتع بوجود شعبي في تركيا، عقب فوزه في انتخابات بلدية إسطنبول السابقة، مما قد يمثل ضغط سياسى على أردوغان في المرحلة المقبلة، ويضع تساؤلاً حول مدى تأثير قرار إرسال القوات العسكرية والذي لا يتجاوز نوعًا من إكساب الشرعية للتدخل التركي الحادث بالفعل في ليبيا  على صورة أردوغان في الداخل التركي.

+ posts

باحث أول بالمرصد المصري

نيرمين سعيد

باحث أول بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى