القضية الفلسطينية

مؤسسة “ميمري” وغياب الإدراك بالجمهور المصري والعربي

بينما إزيز الطائرات الإسرائيلية يسمع في غزة وضجيج القذائف المدوية يخالط أنين الجرحى وبكاء الثكالى في كل شبر من أرض فلسطين، تنصرف أذهان البعض بما حملت من بقايا إنسانية لتتابع رأي هنا يكتب في جريدة أو حديث هناك يروى في ستوديو لعرض الأخبار أو تحليلها إلا أن صوت الإعلام في أذن إسرائيل وداعميها أعلى من أطنان المتفجرات التي تلقى على رؤوس الأبرياء من المدنيين الفلسطينيين وكأن تلك الكلمات الناطقة بلسان الحقيقية أشد وقعًا من تلك الطائرات بدون الطيار التي تقتنص ضحاياها كل يوم بلا هوادة وبلا إنسانية ومن كل فج عميق.  تقتنص الطائرات البشر في غزة بتقنيات الذكاء الاصطناعي الدقيقة كما يدعي الوصف الإسرائيلي بينما تقتنص الحقيقة صوت الزيف الذي تصدره الأبواق الإسرائيلية ومن يدعمها عبر العالم. لقد عبرت الإنسانية عن ما تبقى من ضمير العالم ببعض من الحقيقة حينما صدحت الجامعات في أوروبا وأمريكا بالمظاهرات والاحتجاجات الغاضبة والتي تتطالب بوقف الحرب في غزة وإيقاف المجازر التي ترتكب بحق الأبرياء، وصدحت الحقيقة أيضًا ببعض الإحتجاجات التي شهدتها بعض الدول العربية. وبينما تصدح الحقيقة لتعبر عن نفسها ويصيح العدل بقوة لينطق عن نفسه في محكمة العدل الدولية وفي المحكمة الجنائية الدولية تكون الاتهامات جاهزة “بمعاداة السامية” أو بالتحريض على إسرائيل. وهو ما يقوم به بالضبط مركز الشرق الأوسط للدراسات البحثية والذي يعرف اختصارا باسم “ميمري”.

المتابع لموقع ومنصات مؤسسة “ميمري” وهى مؤسسة معنية بمتابعة وتحليل اتجاهات الإعلام المصري والعربي والإقليمي تجاه قضية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وقائم عليها ضباط سابقين في أجهزة الأمن الإسرائيلية، سيتأكد أننا لسنا أمام مركز أو مؤسسة بحثية، بقدر ما نحن أمام كيان أسس بهدف الدفاع عن السياسات الإٍسرائيلية، حتى لو كان القائم على هذه السياسات اليمين المتطرف الحاكم في إٍسرائيل، ممن أثبتوا خلال أكثر من 8 أشهر أننا أمام إرهاب دولة مارست كل الجرائم وصلت لحد الإبادة الجماعية وقتل أكثر من 36 ألف فلسطيني أعزل داخل قطاع غزة، واستخدام سلاح التجويع والعقاب الجماعي ضد أكثر من 2 مليون فلسطيني، كل ذلك والمجتمع الدولي والمؤسسات الأممية عاجزة عن فعل أي شيء من شأنه وقف هذه الجرائم التي يبدو أن مؤسسة “ميمري” لا تراها، فهى لا ترى سوى الدفاع المستميت عن إٍسرائيل وجرائمها واتهام أي معارض لإسرائيل وسياساتها بأنه معادي للسامية أو معادي للسلام الذي أنهت عليه إسرائيل بالفعل.

المذيعة المصرية “قصواء الخلالي” وغيرها من الإعلاميين المصريين والعرب، كان ولا يزال لهم دورا كبير في كشف الجرائم الإٍسرائيلية وتعرية إسرائيل أمام العالم، وهم بالتأكيد يعبرون عن مشاعر وتوجهات 400 مليون عربي تألموا وانتفضوا ضد جرائم الإبادة الجماعية التي تمارسها إسرائيل ضد الأشقاء في قطاع غزة. لكن بدلا أن تحلل مؤسسة “ميمري” البحثية هذا الخطاب وتقدم به أوراق وتقديرات عن خطورة ما تقوم به إسرائيل على مستقبل السلام وإدماجها مع شعوب الدول العربية، إذا بها تهاجم كل من يكشف جرائم الاحتلال الإسرائيلي.

تجهل مؤسسة “ميمري” ولا تدرك حقيقة طبيعة الشعوب العربية وموقفهم من القضية الفلسطينية، وحتى لا تدرك موقف هذه الشعوب من اتفاقيات التطبيع، فهم يرونها اتفاقات بين دول ولا تعني بالتأكيد الشعوب التي ترفض أي اندماج وتطبيع ثقافي واقتصادي وحتى علمي مع إٍسرائيل طالما لم يحقق الشعب الفلسطيني حلمه في دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية على حدود الرابع من يونيو عام 1967. ولا تدرك مؤسسة “ميمري” أن حرب غزة الأخيرة كان من نتائجها زيادة كراهية الشعوب العربية ضد إسرائيل والصهيونية، وهنا نقول الصهيونية ولا نقول اليهود، لأن الشعوب العربية بطبيعتها متسامحة وليس لديهم أي أزمة مع اليهود الذين عاشوا لقرون في المنطقة ولم يتعرضوا لأي اضطهاد كما حدث لهم في أوروبا على مدى عقود، فكانت الدول العربية هي حصن الأمان لهم، التي عاشوا فيها دون مضايقات.

من المؤكد أن حرب غزة الجارية، عرت إسرائيل أمام شعوب المنطقة وأمام حتى شعوب العالم الذين وثقوا جرائم هذا الاحتلال، والذي سيحتاج لعشرات السنوات لتحسين صورته، وهو ما يجب أن تدركه مؤسسة “ميمري” التي كان يمكن أن تقوم بالعمل المتعارف عليه لأي مركز بحثي أن تحلل استطلاعات الرأي خلال الشهور الأخيرة حول اتجاهات الجمهور المصري والعربي تجاه إسرائيل وقضية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وقتها سيضح أمام الواقع الحقيقي المناقض لكل ادعاءاتهم.

نأمل حقيقة في المستقبل القريب أن تراعي مؤسسة “ميمري” قواعد المهنية والموضوعية المتعارف عليها، وأن تهتم أيضا برصد وتحليل اتجاهات الداخل الإٍسرائيلي سواء وسائل الإعلام أو تصريحات ومواقف المسئولين الإٍسرائيليين، والتي حرضوا فيها على القتل والإبادة والكراهية وحتى التحريض بضرب غزة بالسلاح النووي، أو أن تقدم تحليلا وتقديرا حول تصريح وزير الدفاع الإٍسرائيلي “يوآف غالانت” والتي وصف فيها الفلسطينيين في غزة بالحيوانات، أو تصريحات وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف “إيتمار بن غفير” ضد الفلسطينيين وحتى العرب والتي لا توصف سوى بأنها عنصرية وعدائية، وعليه ننتظر أوراق تحليلة من “ميمري” حول تأثيرات خطاب الداخل الإسرائيلي على صورة إسرائيل في ذهنية الشعب المصري والعربي.

+ posts

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى