
الوفاء بالاستحقاق الدستوري للإنفاق على الصحة… استمرار جهود رفع كفاءة النظام الصحي
الحق في الصحة هو أحد الحقوق الإنسانية التي تعد شرطًا ضروريًا وأساسيًا لتحقيق النمو المستدام الذي تسعى إليه استراتيجات التنمية المستدامة سواء “رؤية مصر 2030” أو “استراتيجية التنمية المستدامة للأمم المتحدة”. وبالتالي وجود حد مناسب من الإنفاق الحكومي هو أحد الحقوق الدستورية التي تضمنها الدستور المصري الذي نص على تخصيص ما لا يقل عن 3% من الناتج القومي الإجمالي للإنفاق على الصحة.
وسعت الحكومة خلال السنوات الماضية إلى تنفيذ هذا الاستحقاق الدستوري، حتى أصدرت وزارة المالية يوم 26 إبريل 2023 بيانًا أشارت فيه إلى الوفاء بالاستحقاق الدستوري لقطاع الصحة في الموازنة الجديدة، من خلال زيادة مخصصاتها في العام المالي المقبل لتصل إلى 397 مليار جنيه بزيادة قدرها ٩٢,٥ مليار جنيه بما يعادل 30.4%، إلى جانب زيادة الاعتمادات المالية لتوفير الأدوية والمستلزمات الطبية للمستشفيات التابعة لوزارة الصحة ومديريات الشؤون الصحية بالمحافظات، وزيادة بند العلاج على نفقة الدولة وكذلك الدعم الموجه لبرامج التأمين الصحي لمختلف فئات المجتمع والتأمين الصحي لغير القادرين، وزيادة فئات بدل مخاطر المهن الطبية وزيادة حافز الطوارئ ونظير النوبتجيات، وأعباء المكلفين المعينين.

ذلك مع الاستمرار في تفعيل مبادرات الصحة بشكل أوسع خاصة المبادرات التالية: “المبادرة الرئاسية للمستشفيات النموذجية، والمبادرة الرئاسية لدعم الاستثمار في مقدمي الخدمة الصحية، ومبادرة اكتشاف وعلاج الفشل الكلوي، والمبادرة الرئاسية للاكتفاء الذاتي من مشتقات البلازما، ومبادرات الكشف المبكر عن أمراض حديثي الولادة والأمراض المزمنة والأورام السرطانية، ومبادرات الطب الوقائي كمكافحة الطفيليات المعوية والقضاء على البلهارسيا”.
دعم حكومي لقطاع الصحة
شهد الإنفاق الحكومي على قطاع الصحة زيادة كبيرة، فقد ارتفع الإنفاق العام على الصحة من 43.9 مليار جنيه في عام 2015-2016، إلى 87 مليار جنيه في عام 2019-2020، وقد زادت نسبة المخصص للقطاع نتيجة ظهور فيروس كورونا حيث كان من المخطط أن تكون 78 مليار جنيه إلا أنها تم دعمها بـ 14 مليار جنيه لتصل إلى 87 مليار جنيه؛ استجابة للتعاطي مع الجائحة التي أحدثت هزة لأنظمة صحية راسخة وتسببت في خسائر إنسانية واقتصادية، والتي تأثرت بها مصر مثل باقي الدول، مما دفعها لاتخاذ إجراءات احترازية مشددة، بالإضافة إلى تعزيز موارد قطاع الصحة سواء: توافر أدوية، وتهيئة مستشفيات لمواجهة تلك الجائحة، مرورًا بدعم قطاع الموارد البشرية، ثم العمل على توفير لقاحات.
وقد عملت الدولة خلال السنوات القليلة الماضية على التوجه نحو دعم البرامج التي ترتكز على العلاج على نفقة الدولة، ومرضى الفشل الكلوي، وهيئة الإسعاف. بالإضافة إلى ذلك، زيادة دعم الأدوية وألبان الأطفال زيادة كبيرة على مر السنين. ودعم الفئات الأكثر احتياجًا والأولى بالرعاية للتسجيل في نظام التأمين الصحي الشامل. وقد حققت الدولة على مدار العشرين العام السابقة تقدمًا كبيرًا في تحسين النواتج الصحية الأساسية، كجزء من تعزيز رأس المال البشري.

وكذلك اكتسب الإنفاق على عمليات شراء السلع والخدمات والمنح والمزايا الاجتماعية أهمية في السنوات الخمس الماضية، مقابل انخفاض الإنفاق على الأجور تدريجيًا، بعد أن كانت أجور العاملين بالقطاع الصحي تستحوذ على النصيب الأكبر من إجمالي الانفاق العام على الصحة في مصر، فقد وصلت إلى 61% في موازنة 2015-2016 إلا أنها تراجعت إلى 44% في موازنة العام المالي 2020-2021.
واستحوذ بند السلع والخدمات على 25% من المخصصات والذي يشمل (الأدوية- الامصال). أما فيما يتعلق بالمنح والمزايا الاجتماعية فقد وصلت إلى 9% من إجمالي المخصصات والذي يشمل العلاج على نفقة الدولة، فقد وصل نسبة الانفاق على نفقة الدولة بالخارج والداخل من 4.5 مليارات جنيه لـ 1.8 مليون مواطن في عام 2015 إلى 10.4 مليارات جنيه لـ 3.6 مليون مواطن في عام 2019.
ويعد الانفاق على الصحة إنفاقًا استثماريًا لأنه يسهم بشكل كبير في تنمية رأس المال البشرى والذي يعد العمود الفقري لتحقيق التنمية. وقد ارتبط تحسن معدلات الإنفاق العام لقطاع الصحة في مصر على العديد من المؤشرات منها، مؤشر التغطية الصحية الشاملة ومؤشر ارتفاع العمر.
وقد حققت مصر تقدمًا ملحوظًا في مؤشر التغطية الشاملة، وهو أحد المؤشرات التي تقيس مدى تقدم دولة نحو تحقيق التغطية الصحية الشاملة بوصفها أحد أهداف التنمية المستدامة؛ فوفقا لبيانات منظمة الصحة العالمية، حققت مصر تقدمًا في هذا المؤشر وحصلت على 70 نقطة في عام 2019، مقابل 62 نقطة في عام 2015.
ويقوم المؤشر على أربع نقاط لتغطية الخدمات الصحية الأساسية على أساس تدخلات التتبع والتي تشمل التالي:
- الصحة الإنجابية وصحة الأم والطفل
- الأمراض المعدية
- الأمراض غير السارية
- قدرة وصول الخدمة إلى كل المحافظات
وفيما يتعلق بمؤشر ارتفاع متوسط العمر، ففي الفترة من 1996 و2019، ارتفع متوسط العمر المتوقع من 67 إلى 74 سنة، في حين انخفض معدل وفيات الأطفال دون سن الخامسة من 61,5 حالة إلى 21,5 حالة وفاة لكل 1000 مولود حي.

كذلك حدث تحسن في مستوى صحة الطفل نتيجة ارتفاع مستويات التطعيم وإتاحتها في الوحدات الصحية بالمجان، مثل التطعيم بلقاحات (الدرن- الدفتريا – السعال الديكي- التيتانوس الثلاثي- شلل الأطفال- الحصبة). أما على مستوى صحة الأم فقد انخفض معدل وفيات الأمهات من 54 حالة إلى 42,8 حالة لكل 100 ألف حالة ولادة حية بين عام 2010 و2019.

وتعد مبادرات 100 مليون صحة أهم مبادرة للصحة في مصر، تهدف إلى التصدي للقضايا الصحية بالغة الخطورة، والارتقاء بصحة السكان. والتي بدأت منذ عام 2018، حيث جرى فحص أكثر من 60 مليون شخص بالغ للكشف عن الإصابة بفيروس الكبد الوبائي “سي”، ومرض السكر، وارتفاع ضغط الدم، والسمنة، واستطاعت أن تكون أول مبادرة للصحة في العالم لمكافحة فيروس الكبد الوبائي “سي”.
فقد تم اكتشاف نحو 3,5 ملايين إصابة جديدة بفيروس الكبد الوبائي “سي”، وتم علاجهم بالمجان في ديسمبر 2021، بمعدل شفاء بلغ 98,8 %، وبلغ إجمالي تكلفة عمليات الفحص والتقييم والعلاج 207 ملايين دولار، وأُنفق أكثر من 70 مليون دولار على العلاج وحده، بمتوسط تكلفة 44 دولار لكل مريض.
ومما سبق يمكن القول إن الدولة تسعى جاهدة إلى تحقيق أعلى معدلات كفاءة في النظام الصحي من خلال زيادة الإنفاق الصحي والوصول إلى الوفاء بالاستحقاقات الدستوري المقرر، على الرغم من التحديات العالمية الراهنة والتي تسبب ضغوطًا غير مسبوقة على اقتصادات دول العالم بما فيها مصر.
باحثة بالمرصد المصري



